على غير ما يذهب إليه البعض فيسقط احتقانه السياسي على كل ما يراه حد الوصول إلى إنكار الإبداع، فإنني أرى أن الدراما السورية ما زالت في عافيتها، رغم الحرب الضروس وتداعيات الأزمة السورية!
لا أنكر تاريخ مصر في الفن، فهي الريادة، وهي التي انطلقت منها جل الأعمال، لكن لا ننسى مساهمة السوريين (بمفهوم بلاد الشام الواسع) في فنون المسرح والدراما العربية عموما والمصرية خصوصا.
لكن، اليوم، وبعد انتهاء الموسم الرمضاني لا أرى إلا حضورا سوريا مميزا في مجمل الأعمال الدرامية، يضاهي الحضور الدرامي المصري، حتى في سلسلة «باب الحارة»، التي تحولت إلى ملهاة كوميدية لا أكثر، كانت هناك لمحات إبداع سورية لا يمكن أن تخطئها العين.
نعم، كان هناك مال خليجي يرفد شرايين الإنتاج السوري، لكنه رأسمال ينتظر إيراداته، وقد راهن على الحصان الرابح في الفن.
وما زالت سلسلة «بقعة ضوء» وريثة تاريخ الكوميديا الناقدة الإجتماعية والسياسية، التي كان «مسرح الشوك» السوري للراحل عمر حجو ريادتها، مرورا بمراحل تطور «غوار الطوشة» عبر ثنائيات متعددة، وليس انتهاء بـ «مرايا» ياسر العظمة، التي كسرت بتفوق عقدة اسمها دريد لحام، ثم «بقعة ضوء»، التي فرخت أفكارا لروائع مثل «ضيعة ضايعة» و«خربة»، وما زالت الكوميديا السورية قادرة على اجتراح المعجزة في الأدب الساخر المتلفز، كما هي قادرة على إحياء الدراما بأعمال جاذبة للجمهور.
هوية القناة تحدد إيقاع الحوار
في الفترة الأخيرة، تابعت برامج حوارية عربية على أكثر من محطة فضائية، وذلك لدراسة أقوم على إعدادها.
على هامش الدراسة والمتابعة ذاتها، لاحظت أن برامج الحوار مضبوطة على إيقاع المحطات وهوياتها لا على ما يطلبه الجمهور فقط.
أغلب برامج الحوار العربية، خصوصا تلك التي تستضيف أكثر من ضيف في الأستوديو، هي برامج تسعى لإثارة الضجيج إلى أقصى حد ممكن ليتحول الأستوديو إلى ساحة صراع، وهذا يصبح في بعضها هدفا بحد ذاته.
لكن، في محطات قليلة، معروفة برصانتها وحزم إداراتها على تطبيق معايير الصحافة والمهنية، فإن النقاش في تلك البرامج هو للحوار ذاته، لكن جمهوره قليل، وهو من النوعية الباحثة عن معلومة مفيدة، أو على الأقل «سطرين كلام لهما قيمة» من ضيوف ميزتهم أنهم مؤهلون بالمعرفة، لكنهم يخلون من دسم الإثارة العربية المطلوبة جماهيريا.
هناك مفارقتان، رصدتهما في كل ما سبق، أولهما أن عموم البرامج الخالية من ضجيج الإثارة والحارات، هي برامج تتبع قنوات أوروبية مملوكة للدولة، مثل «بلا قيود» في «بي بي سي»، أو برنامج «الحدث»، الذي انتهت دورته مؤخرا على قناة «دويتشة فيله» الألمانية، وغيرهما على «الفرنسية العربية».
المفارقة الثانية وهي طريفة إلى حد ما، وتكشف نوازع الإنفصام في الذهنية العربية، تتعلق بالضيوف الذين رصدت بعضهم في برامج الديوك الحوارية على محطات عربية «مستقلة» فكانوا نجوما في افتعال الضجيج والسباب أحيانا بصوت عال، لكنهم هم أنفسهم من شاهدتهم أيضا ضيوفا على القنوات القليلة، التي تضبط بثها على منظومة مهنية، فكانوا بوداعة الحمام بل أرق!!
ألم يتعب العربي «عموما» من كل هذا الضجيج؟ ألم يحن الوقت لنا أن نستمع بهدوء!؟
متلونون مع تسارع الثورة
«ثورة يناير» في مصر، كانت الأكثر دويا في وجداننا العربي، لأنها ثورة في مصر، وخلعت بجماهيرية غير مسبوقة وسلمية جدا، وديكتاتور معتقل مثل حسني مبارك!!
لكن تلك الثورة التي جرفت مبارك، ولم تجرف نظامه الكامن في ثنايا أكثر عمقا في الدولة، هي ذاتها، التي ما زالت تصدمنا بمشاهد فانتازية تجعلنا بين استغراب مما نسمع، وإعجاب بهذه القدرة المسرحية لرموز إعلامية في مصر على إقناعنا بثوريتها ذات «مبارك» لنجدها اليوم متقمصة بإتقان أدوارا معاكسة.
من هؤلاء، وأبرزهم ربما، الكاتب الصحافي البرلماني السياسي الإعلامي أركان حرب مصطفى بكري، الله يسلمه.
آخر ما جاد به على قناة «الحياة» المصرية، غير أناشيد المديح لمتوالية النظام، الذي اشتهر بانتقاده أيام مبارك، أنه يعتبر العقيد الليبي معمر القذافي شهيدا، مع إنكاره لصفة الديكتاتور على القذافي.
يدهشني هؤلاء المتلونون بتلك السرعة، كيف ينامون؟
المانيا وفرنسا على عتبات «باب الحارة»
ومثل غيري، كنت من متابعي بطولة أوروبا لكرة القدم، التي انتهت بتتويج البرتغال «لأول مرة في تاريخها» بطلة لكل أوروبا.
المباراة الأكثر أهمية برأيي كانت في لقاء العملاقين الأوروبيين تاريخيا، ألمانيا وفرنسا.. وهو لقاء شهد إسقاطاته التاريخية حتى على لسان المعلقين المحليين في التلفزيونات البلجيكية.
كان تعليقي مفاده أنه حتى الحرب العالمية الثانية و«معاهدة فرساي» كانت إحدى قواعد الصراع في أوروبا قبل ذلك تقوم على أن الزمان الألماني يحلم بالمكان الفرنسي.
مباراة المانيا وفرنسا ومع كل الضغط الألماني جعلتني استذكر القاعدة.
لكن الأطرف ما قرأته من تعليق على صفحات الـ«فيسبوك»، يقول باللهجة الشامية المحكية «الفرنساوي 8 سنين ما قدر على «حارة الضبع»، و بـ90 دقيقة مسح الأرض بالألمان».
وهكذا فإن المكان الفرنسي ابتلع الزمان الألماني… لكنه تشردق بـ «باب الحارة»!
المايوه معيار أمني
هناك قصة في لبنان، تعصف بها وسائل التواصل الإجتماعي بالسخرية، تتعلق بتصريحات منسوبة لوزير الداخلية «نهاد المشنوق» قاس فيها الأمن في لبنان بقدرة فتاة تلبس مايوه السباحة في الشارع بعد منتصف الليل دون خوف أو وجل.
إن ما يثير الإنتباه هنا، هو موجة النقد الواسعة للوزير اللبناني، الذي قام بعملية قياس على الطريقة العربية، فانتهى إلى ما انتهى إليه.
طيب، ما هي الطريقة الأمثل لقياس منسوب الأمن في الشارع العربي في أي بلد؟
قبل فترة شاهدت تقريرا عن الأمن في الشوارع الأوروبية، وكان هناك جزء متعلق بألمانيا تحدثت فيه فتاة ألمانية بقولها إنها صارت تشعر بالخوف وبأمان أقل منذ الصيف الماضي!! طبعا هي تقصد بتهذيب وحذر منذ بدأ سيل اللاجئين بالتدفق على بلادها!!
المسؤول الأمني في المقاطعة لألمانية تحدث معقبا على حديث الفتاة أن حديثها مؤشر قياس للتغيرات في طبيعة الأمن في مقاطعته!!
طيب، ما الفرق بين ما قاله الوزير اللبناني في حديث بين المزح والجد، وما قاله المسؤول الألماني.
ومن الضروري الإشارة هنا – قبل أي التباسات أو تصيد في الحديث العكر – أن تقريرا قضائيا رسميا في ألمانيا صدر قبل أيام – لم تكترث له وسائل الإعلام العربية – أكد على أن مرتكبي حوادث التحرش الجنسي الشهيرة ليلة عيد الميلاد الماضي لا يوجد بينهم أي سوري!! وأن أغلبهم من أفريقيا وأفغانستان.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة