أنور حامد يرصد حلم العودة إلى فلسطين: «والتيه والزيتون»… رحلة البحث عن الأرض والانتماء

حجم الخط
0

لا شك أن الكاتب الفلسطيني أنور حامد قد تعمّد هذا العنوان لروايته، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت) فاستبدل كلمة «التين» التي تشير إلى شدّة الانتماء إلى الأرض، بنقيضها «التيه»، الذي يعني الضياع وما قد ينجم عنه من اضطراب نفسي وجسماني.
ما أن نجتاز عتبة النص، حتى ندخل عالم «التيه»، ونحن نرافق الشاعر والكاتب الروائي الفلسطيني المعروف منير حمدان في زيارته الأولى، إلى حيفا، حيث صار بإمكانه زيارة بلده الأصلي بعد حصوله على جواز السفر البريطاني، «سأدخل بلدي بجلد سائح بريطاني. لن يكون سهلاً إقناع موظف الأمن في مطار بن غوريون، الذي سيقرع اسمي العربي كل أجراس الإنذار في داخله «. و» لو عرفوا أن لي عائلة في الضفة الغربية، لما سمحوا لي بالدخول باستخدام جواز السفر البريطاني».
يحقق معه ضابط الأمن «جمال أبو سليم» الدرزي، ويستجوبه بقسوة وهو يسأله فيما إذا كان كان له أهل في الضفة الغربية، و»منير» ينكر ذلك، فوضع ختماً على جواز سفره لمنعه من دخول الضفة الغربية.
نتجول معه في حيفا «لا شيء يذكّر بحيفا الأحلام، مقاه ومطاعم ومتاجر ومنازل تشبه مثيلاتها في تل أبيب، أو أي مدينة إسرائيلية أخرى.. أين حيفا؟ أين حيفاي؟ أتأمل وجوه المارة، لا أتبين ملامح تساعدني على التأكد من هويتهم.. أصيخ السمع، فلا أسمع سوى العبرية. أهرب إلى البحر، هو وحده لم يغترب، زرقته وأمواجه احتفظت بملامحها، وشوشاته لم تفقد سحرها، وإن كانت سفنه غيّرت قبطانها». مأزق الناس مع الهوية نشهده بوضوح، ومعادلة التعايش الصعبة مع الإحتلال، فالناس لديهم حساسية تجاه الكشف عن هويتهم هنا، يعانون من التمييز ضدهم، ويشعرون بالغربة، رغم أنهم في وطنهم، فهم يعيشون في وسط يتحدث باللغة العبرية التي اضطروا لتعلمها والتحدث بها من أجل العمل ليتمكنوا من العيش. تلك الفتاة النادلة في مقهى الفندق «هل هي عربية من بنات المدينة؟ هل أسالها؟ كيف؟ هل أحدثها بالعربية؟ ولو لم تكن عربية كيف سيكون رد فعلها؟ ربما ردّت بعدوانية».. فهم «يتعايشون مع معادلات توازن تفرض عليهم شيئاً من البراغماتية».
نستغرب ما تقوله «سحر» ابنة حيفا، إلى «منير حمدان» في أول لقاء لهما، والتي كانت قد بعثت رسالة له تعبّر له فيها عن رغبتها بالتعرف إليه شخصياٍ، قبل تقديمه لقرائه في الندوة التي ستقام في حيفا. ففي أول لقاء لهما، تقدّم له نفسها قائلة «هوايتي المفضّلة السباحة عارية على شاطئ حيفا في ساعات الفجر الأولى». وتمضي الليل معه في غرفته في الفندق «يعزفان سيمفونية مجنونة، حركاتها كلها خارجة عن النص، مرتجلة، عنيفة، ورقيقة في آن». ثم نجدها تخاطب نفسها بعد ذلك: «الغريب أنني لم أستغرب هذا الانهمارالوجداني الذي داهمني. كان لقاؤنا الأول، لكنه لم يبدأ بالتعارف والمجاملات، أولى العبارات التي تفوهنا بها كانت بوحاً حميماً. هل يعقل هذا؟ لماذا أحسست من أولى كلماته كأننا نتابع حديثاً قطعناه قبل سنين طويلة؟». وبسبب اعتراض الأهل، خاصة الأب، تبدأ «سحر» بالابتعاد عن «منير» فيما هو يتجرع الألم لهذا الابتعاد «أين أنت في هذا التيه وأين أنا؟ هل نهيم في مدارين متوازيين؟ أمد يدي كي تلتقطيها، تمدين يدك كي تقوديني في هذا الضباب، فنقبض الريح». تحفل الرواية بالكثير من أمثلة اضطراب الوجدان واختلال العاطفة بين «منير وسحر».
أثناء جولاته مع «أمل» في يافا واللد وعكا، يلتقي مع «رانية» الناشطة الأدبية التي تنظم له لقاء جماهيريا مع قرائه و»منال»، الناشطة الاجتماعية التي تدعوه لحضور اجتماع مع مجموعتها التي تعمل بالسر للتوعية ضد جرائم الشرف وغير ذلك ثم «سلوى» المحجبة التي «ترتدي جلباباً أسود يصل حتى قدميها».
إنه «التيه» الذي تعيشه «سحر» في متاهة ضياع الهوية، التائهة، التي تئن تحت المعاناة المزدوجة من الاحتلال الإسرائيلي، وسلطة الأعراف والتقاليد وتقديس الشرف، كل هذا الضغط السياسي والإجتماعي المزدوج جعلها مندفعة، متهورة السلوك والتصرفات، مضطربة، نراها حيناً قوية الشخصية، ذكية، ثم لا تلبث أن تصبح هشّه، ضعيفة، لا تقوى على التوازن العاطفي، حتى تصبح «المتشردة في براري الغواية»، كما يصفها الشاعر والروائي «منير» وهو يفكر فيها.
ووسط هذا «التيه»، نلمس معضلة الطائفة الدرزية تحت الاحتلال، ضابط الأمن «جمال أبو سليم «، وبين «محمود» الدرزي مثله الذي يرفض التجنيد في الجيش الإسرائيلي رفضاً قاطعاً، لأنه جيش احتلال، ثم فشل زواج «جمال» و»أمل» وهي من الطائفة السنية. إنه «التيه» الذي جعل الشخصيات في معظمها مأزومة، خاصة «سحر»، كونها تعيش تحت الاحتلال وتحت ضغط الأعراف والتقاليد الأبوية، مما يسبب كل هذا الاضطراب النفسي، والاختلال العاطفي والشعور بالضياع والحيرة أمام سؤال الهوية، خاصة في سلوك «سلوى» المحجبة، التي اعتذرت عن مصافحة «منير» في أول اللقاء معه، في سلوك يتماهى مع الحجاب، ثم ما لبثت أن راحت تتصرف بطريقة مناقضة وهي تحتسي معه البيرة في المقصف، ثم تتركه وسط حيرته في فهمها ودهشته .عندما تحتضنه بشدّة في نهاية لقائها به.
لقد عبّر الكاتب عن معادلة العيش تحت الاحتلال مع محاولة الحفاظ على الهوية، وسط هذا «التيه»، الذي يعيش فيه الناس، بلغة شاعرية مكثّفة.. وأضاء نفسيات شخصياته المأزومة تحت الاحتلال، من الداخل، معبراً عن مكنونات النفوس باستخدام ضمير المتكلم، حيث كانت الشخصيات تكلمنا عن نفسها، واللجوء إلى تنقنية الانتقال الفجائي بين الضمائر، من المتكلم، إلى ضمير المخاطب فيما المتكلم يخاطب نفسه في مناجاة داخلية، وأحيانا كان يطل الراوي من الخلف ليضيء كامل المشهد السيكولوجي للشخصيات، معبراً عن ضياعها النفسي وسط هذا «التيه».
لم أجد في الرواية ما يدفع الكاتب أنور حامد لأن يعلن في مقدمتها براءته مما قد يصدر عن شخصياته الروائية من تصرفات، ما دام هذا «تحصيل .حاصل» سبقه إليه الفيلسوف الفرنسي والناقد الأدبي المعروف رولان بارت، حين أعلن موت المؤلف حال إنتهائه من كتابة النص. طبعاً، ليس المقصود الموت الجسدي، بل يعني «سلخ النص عن سلطة كاتبه، وإعلان قراءته من زاوية نقدية». فتحرير النص من المؤلف هو مسألة فنية تتعلق ببنية النص واستقلاله عن سلطة المؤلف، «ليدخل النص إلى آفاق إنسانية شاملة»، ثم لماذا ينصاع الكاتب إلى سلطة التخلف والجهل وكتم الأفواه وخنق الحريات لهذه الدرجة، ناسيا دور المثقف في عملية التغيير والإنارة وسط هذا الظلام الذي نعيشه.

كاتبة لبنانية

رئيفة شبلاق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية