برلين – خُناف كانو : أدخلُ الشّهرَ الرّابعَ من حياتي وأنا في هذهِ العٌزلة، دونَ أنْ أدركَ الوجهةَ المقبلة. يلومني الكثير ويحسدني على الرّفاهية التي تركتُ روحي فيها خلفي وسافرتْ. كيفَ للبشرِ أنْ يهنّئوا بعضهم البعض على طول هذا العبث؟.
في كلِّ صباحٍ أستيقظُ مستعجلةً وكأنّ القطار سيفوتني. أتوجّه إلى المطبخ قبل أي شيء. أُحضّر الـ»نسكافيه» وكأنّني أطلب من عينيّ أن تتعرّيا من الرّموش كي تتفتّحا أكثر. هاتان الوردتان المرميّتان في وجهي واللتان ورثتهما من وجه جدّتي الجبلي. ألقي نظرةً على النّافذة. بيوتٌ مرتّبةٌ وأشجار في كلّ مكان. السّماء تتلّون في اليوم ألفَ مرّة. هي تخاطبُ من تحتها كي يتأمّلوها ويتركوا الشّاشات. هذه الإلكترونيّات التي أصبحَتْ دفئا مخادعا لنا.
أفتحُ الكمبيوتر وأكرهُ هذه الكلمة جدّا كونها تُذكّرني بالرّياضيات، والآلة الحاسبة التي كانت معي في الإعدادية ورميتها فيما بعد. فالزّهور تغريني أكثر ولا تعجبني الهندسة التي تشرح سببُ انحناء النّرجس أو كثرة أوراق الجوري. الحاسوب يطلّ على وجهي المتعب بخلفيتهِ وهي لوحةٌ لفنانةٍ سوريّة. امرأةٌ تقفُ أمامَ مزهريّة بذاتِ الطول و برأسٍ أطول من المزهريّة بلا شعرٍ أو ملامح. أشرب النسكافيه التي أكرهها هي أيضا. فالقهوة وهي تبتسم لنا صباحا عندما تغلّي وتشكّل صورا برغوتها تعجبني أكثر، والفنجان إذ يجتمعُ حوله البن يذكّرني بما مضى. «النسكافيه» باستقامتها ولونها الواضح لا تُشعرني بأيّ مذاقٍ حلو رغمَ المرارة.
أعودُ إلى النافذة لكنْ لا أحدَ في الشارع، وإنْ وُجِدَ ففي مواعيدَ محدّدة. أشعرُ بالسّحرِ قليلا وكأنّني بطلة إحدى المسلسلات الكرتونيّة، فأنا جودي آبوت في مسلسل صاحب الظل الطويل. ألتهم كل «بوست» فيسبوكي أو صورة، وكأنّني أمشي في القامشلي وأنا أتأمّل حوار جارتنا الأرملة مع ابنها المجنون الذي كان يدخّن دائما ويغنّي عند باب بيته دون أن يكترث لأحد. أشعرُ بالبردِ قليلا فأشعلُ «الشوفاج». إلا إنّني لا أشعرُ بالدفء. كون النّار تدفئني أكثر حين أكون مع أحدهم حولها وحين أضعُ رغيفا وألصقهُ بحديدِها الحامي. وأحيانا تحترقُ إحدى أصابعي دون أن أحزن.
وأنا في العقدِ الثّاني من عمري، أعودُ بنفسي إلى ما مضى. لا تخبرني الذّاكرة عن أيّ فكرةٍ لي عن أوروبا. سوى بعض البيوت بسقوفٍ تشبهُ رقم ثمانية بالعربيّة. أيضاً حصّة الرّسم وأنا في الصّف الثّالث الإبتدائي حيثُ كانتْ تطلبُ منّا المعلمة رسمَ بيت، فنرسمُ بيتاً «أوروبيا» وبيتا صغيرا للكلب ونهرٍا وجبالٍا وشمسٍا وغيمة. هناك بعض الّنساء في الشّارع لكن عليّ أن أقتربَ منهنَّ لأتأكّدَ من الملامح. كونَ العصريّة و»الموضة» العالميّة تتطلبان السّرعة والعَمليّة في شكل النساء. فمعظمهنَّ هنا يرتدينَ سراويلَ لا تفرقُ كثيرا عن سروال أيّ شاب. وشعورُ معظمهنَّ قصيرة لاختصار الوقتِ في تصفيفه.
لا أشعرُ بشيءٍ تجاههن. فالمساحيق والشعور المسرّحة صباحاً حين كنت أعمل في مدينة عامودا تلفتني أكثر وتشعرني بمتعةٍ لا نظيرَ لها. وإنْ قررتُ أنْ أخرج فالقطار هنا مرتّبٌ ونظيفٌ جدّا. أمّا فوكسات «القامشلي-عامودا» كانتْ تُريحني أكثر رغم ألم الظهر الذي كان يرافقني. وعلى الرغم من قِصر المسافة بين المدينتين، ووجهُ السّائق إذ يطلُّ من المرآة وهو يضع منشفةً على رقبته، ويصدر من مسجّلة السّيارة أغنيةٌ لـ»محمد شيخو».
وبجانبي امرأةٌ متقدّمةٌ في السّن ترتدي فستاناً كردياً عليه خفتان وغطاء رأسٍ يسمّى بالكردية»هبري» ووجهها ويداها المنقوشتان بوشمٍ فولكلوري تشعرانني بأنّ الليل لن يأتي أبداً. حيث نتحدّث قليلاً عن النّساء وفي أغلب المرّات تكتشف إحدانا إننّا جيران في القرى أو أقارب من جهة الأم أو الأب.
الفتاة المتطوعة في وحدات حماية المرأة والتي تصغرني ربما وهي تقف دوما على ذلك الحاجز، وتبتسمُ لنا، نحن الرّكاب، بوجهٍ مليحٍ قد تسمّر من وقفتها المطوّلة تحت الشمس. وأنا أتأمّل الطريق بين المدينتين في تلك القرى المرميّة بعشوائية، طفلٌ معه عصا ويقود بعضاً من الخواريف. وفي الليل حين أعود أمسّي على مدينة ميردين حيث إخوتي وأجدادي هناك.
أترك كل هذا وأشعل سيجارةً لا أطفئها في معظم الأوقات، فأنا أخاف أن تذوب روحي وهي مشرّدة في بيتنا وفي غرفتي وفي حيّنا الحنون. أتركُ الدّخان يطيرُ متناثرا وأبكي كثيراً. لا أمسح دموعي فما من أحد سيطرقُ البابَ وأخجل منه إن رآني.
أنا كما تقولُ الكاتبة سرفراز علي النقشبندي في إحدى قصصها «كزجاجةٍ مغسولةٍ ومجفّفة لا يجفلُ فؤادي أمامَ طرقات الباب». يحلّ الغروب والعصافير تتجمّع على السلكِ المقابلِ لبيتنا هي كثيرةٌ جدّا. لكن ما من عصفورين يتشاجران على مكانهما. فالكلُّ يعرفُ مكانه. الأمكنة هي من أتت بنا إلى هنا. فأنا كنتُ عصفورةَ دوما ولم أخذ مكان أحد. إذاً لمَ يردُ الغرباء أن يأخذوا أمكنتنا على هذا السلك الكهربائي الذي يعيش عليهِ البشر؟!.
يحلّ الليل وأتمنى أن أنام مرّةً وحيدةً بدونَ كلّ هذهِ الضّجة على السّرير. ثم أتذكر طفولتي ورؤيتي عن الليل بأنّه للنوم فقط. حيث لم أكن أعرف وأنا صغيرة إنّ في الليل هناك سجناء يتعذّبون أو إنّ بعضَ النسوة يعانينَ من أزواجهن في ليلةِ العرس. أو إنّ بنتَ جيراننا حين كنّا ننام على السّطح في الصّيف تتحجّج بشيءٍ ما لتنزل وتكلّم حبيبها هاتفيا. كلّ ما أذكرهُ إنّي كنتُ دجاجةً. حتّى في ليلة رأس السّنة كنت أنامُ مبكراً. ما أجملَ الدّجاجات وهنّ يتمرّدنَ على سائقي السّيارات الذين يُحزنون زوجاتهم ويعذّبون السّجناء. يتغيّر الطقس لكن لا أخاف من قدري الذي أربطه معظم المرّات بالطقس، فهذهِ السّماء لن تُمطرني يوماً، وهذهِ الشّمس لن تدفئني أبداً.