أن تعيش داخل الفقاعة!

■ ورحلت وزارة. أقيلت أو استقالت ليس ثمة فارق، فالنتيجة واحدة وأي حديثٍ عن «الحفاظ على ماء الوجه» محض مزحة سمجة، فأي ماءٍ قد أريق بالطريقة المهينة التي تم القبض بها على وزير الزراعة، أس الفساد وفقاً للرواية الرسمية، ثم أي «ماء وجه» يمكن التحدث عنه وسط كل هذا الكم من الفساد الذي طال هذا العدد من الوزراء… والله أعلم بحال الباقين؟
وجاءت وزارةٌ أخرى برئاسة رجلٍ مطعونٍ عليه بميول تطبيعية مع العدو الصهيوني (بالطبع هذا لا يعني شيئاً للنظام) والأهم أنه كان شاهد نفي في العديد من قضايا الفساد التي طالت الرئيس المخلوع وبطانته، ناهيك عن كون وزارته، وزارة البترول والثروة المعدنية، من أكثر الوزارات التي دارت حولها الشبهات في إهدار المال العام بصفقاتٍ مريبة ومشبوهة.
رحلت وزارةٌ وجاءت أخرى إذن. لا تسأل عن قواعد اختيار الوزراء، فجلهم رجال النظام… والحديث عن الفساد يجر إلى سؤالٍ آخر: هل ابتدأ فساد الراحلين مع توليهم الوزارة، أم قبل ذلك حين كانوا مجرد موظفين كبار وأجــــهزة الأمن والرقـــابة، وما شاء الله ما أكثرها، ألم تدرك فسادهم من قبل؟
الحقيقة أن محاولة البحث عن المعنى في تصرفات النظام في مصر وتصريحاته شاقة ومحبطة، إن لم نقل أنها مفعمة باللاجدوى… الأفضل لفهم المستجدات الرجوع إلى الدوافع، وربما الحالة النفسية للطبقة الحاكمة. تلك الطبقة باغتها الحراك الثوري، وأعجب العجب أنها لم تر مطلقاً في الواقع المحيط مبررات وعوامل ثورة شعبية…. وإن دل ذلك على شيء فهو التأكيد على ذلك الانفصام عن الواقع وعدم الفهم… لا يعني ذلك انعدام ذوي الفهم، أكاديميين أو غيرهم من محيط النظام، إلا أنه بعد انطلاق مسيرة الثورة زاد تمدد القلب الأمني على حساب أي محاولة للعقلنة والنصح من قبل من لديهم شيء من الفهم ويدورون في فلكه، وهو في الحقيقة استمرار لنزعة كانت موجودة بالفعل لكنها تفاقمت وتضاعفت بما جد عليها من ازدياد القسوة والبطش … وهناك عنصر الارتباك من هول المفاجأة وحجمها… باختصار وقود تحركات النظام هو الحفاظ على بقائه والانتقام… بدون تقديم أي تنازلات حقيقية ذات مغزى وموضوع، لذلك، وفي ظل غياب أي مقدرة حقيقية على الإنجاز الذي ينعكس إيجاباً على حياة الناس، نظراً لتجذر الفساد وشح الكفاءة في الجهاز الإداري (كما لمح إليه الأستاذ هيكل)، لجأ النظام معتمداً على إعلامه للحل الأسهل والمجرب من قبل: الكذب… ثم الكذب… ثم الكذب.
وللكذب في حالة أنظمتنا مزايا عديدة، فهو يعوض فقر الواقع وتصحره وعدم المقدرة على الإنجاز… الكذب لا سقف له، ويبدو أقل تكلفةً، على الأقل للوهلة الأولى…»إكذب على قدر طموح الناس وحاجتهم إلى الأمل… إكذب لكي تعوضهم عن كل بؤس حياتهم وهزائمهم… لا تبع لهم الوهم، امنحه لهم»… هذا لسان حال النظام في محاولة لامتصاص اليأس من إمكانية التغيير… أن تبدو كأنك تغير شيئاً في حين أن شيئاً في الحقيقة لا يتغير، وأن الانحيازات الاجتماعية- الاقتصادية مازالت كما هي.
من هنا نستطيع فهم بعض الإصلاحات في الطرق السريعة وعودة لجان المرور إلى الشارع الخ… الأهم أن النظام وإعلامه غمروا الناس بطوفان من الكلام… مؤامرات في كل مكان على مصر وعلى شعبها واستقراره ونجاحه الاقتصادي وإنجازاته… شحن للحمية الوطنية… تفريعة جديدة لقناة السويس تم تعميدها باسم «قناة السويس الجديدة»… حديث زعامة يعاد بعثها وتحركات يميناً وشمالاً… عمليات لمحاربة الإرهاب وانتصارات… صفقات أسلحة جديدة.
إذا جاز لنا أن نستعير من الاقتصاد، فنحن بصدد فقاعة… فقاعة سياسية -اجتماعية… أكذوبة كبيرة تراهن على مكاسب مستقبلية جمة بدون أي اعتبارٍ للمعطيات والإمكانات والواقع… الحقيقة أنه في مصر (وعالمنا العربي) وفي ظل حمى الكذب والسعار المجنون للنظام وأبواقه تفقد كلمة «الواقع» معناها… تتحلل في فوضى المهاترات الكلامية والسجال بين أنصار النظام ومعارضيه، فكلٌ يرى في المحيط ما يشاء…وتلال الكذب والتدليس من قبل النظام وآلته الإعلامية (خاصة وعامة) بما تتصف به من ابتذال وجهل وتبجح، تطمس معالم الاشياء لدى الكثيرين.. لكن كأي فقاعة، فهذه مصيرها الحتمي إلى الانفجار إن عاجلاً او آجلاً، وسيتم تقييم وفهم مدى الكذب بأثر رجعي، حين ينظر الناس بعيونٍ تقطر مرارة ويملؤهم الشعور بالغضب والألم… ربما يستشعر بعض غير المسيسين ذلك الآن، لكن للأسف هناك رغبة، وربما حاجة لتصديق هذه الفقاعة.
الفقاعة جميلة، ومقنعة لمن يعيشون داخلها، فجدرانها الشفافة مصنوعة من الأحلام والأوهام… لنذكر الفقاعة الاقتصادية التي انفجرت في 2008، من كان يصدق قبل ذلك العام الانهيار الاقتصادي الذي حدث؟ من منطلق العيش في الفقاعة نفهم بعض ردود الفعل على سير الأحداث والمستجدات… إقالة الوزارة وأختها الجديدة… تضيع التساؤلات العديدة وقلة يكترثون.. قصف السياح المكسيكيين… فضيحة بكل المعايير والمقاييس، والمشكلة أنها تثير تساؤلاتٍ مزعجة للغاية بشأن هوية العشرات الذين يقتلون في عمليات الجيش في سيناء ويوصفون بـ»الإرهابيين»… هل هم حقاً إرهابيون أم مجرد مواطنين على شاكلة السياح المكسيكيين؟ أنصار السيسي يجدون المبررات لتلك الكارثة، وليس ثمة وجه للعجب، فهم يعيشون داخل الفقاعة وماكينة الإعلام تقول لهم ما يريحهم… وما يأتي من الخارج لا قيمة له، لأنه محض تآمر.. الإفراج عن مئة من مساجين النظام عشية زيارة السيسي للولايات المتحدة، لفتة لطيفة بالفعل… مئة من أصل عشرات الآلاف… ألا يستحي هذا النظام؟ لماذا هذا الرقم بالتحديد؟ لماذا ليسوا ألفاً مثلاً؟ ما مبررات الإفراج عن هؤلاء دون غيرهم، وبالأدق ما سبب حبسهم وغيرهم في الأساس؟ وأخيراً (وبالـتأكيد ليس آخراً) شراء حاملتي الطوافات من فرنسا… لم يقم النظام بإنفاق هذا المبلغ الضخم والبنية التحتية خربة والشعب جائع؟ ألم يكن استثمارها في مشروع يشغل الشباب ويعود بالنفع أجدى؟ ثم لماذا يشتري النظام هذه الأسلحة؟ هل يفكر، لا سمح الله، في شن الحرب على إسرائيل؟ أم أن السيسي قرر أن يقوم بدور «البودي جارد» للسعودية متورطاً في حروبها؟
ليست أول فقاعة، فتاريخنا المعاصر منذ بدأت سلسلة الانقلابات العسكرية سلسلة من الفقاعات… ذكرى 67 ليست بالبعيدة: أقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط، القاهر والظافر… انفجرت الفقاعة العملاقة وتهاوى تمثال الرمال في بضع ساعات، دائماً نفيق بعد الكارثة، بالطبع هناك اختلافات بين الحقب، ولكن بعد تلك العقود فالشعوب أكثر فقراً وإرهاقاً.
كما في التراجيديا اليونانية، أرانا ماضين في هذا الشوط حتى النهاية… حتى تنفجر الفقاعة ونحاول لملمة ما تبقى للبدء من جـــــديد، لكن هذه المرة هناك فوارق، فحــــراك يناير الذي تمت شيطنته شعبيٌ بامتياز، والخبرات والرؤى التــــي تكتسبها قطاعات متسعة ستترسخ في الأرض، وكما احترق الإخوان كبديل سياسي كذلك سيحدث للعسكر… ومن ثم سيجري البحث عن بدائل حقيقية بعيداً عن الأوهام.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية