القاهرة – هدى عمران: باعتباري من جيل الانترنت لجأت للبحث السريع على مواقع التواصل الاجتماعي عن صفحات تفيدني في تجربتي الجديدة، كأم وحيدة، او «سينغل ماذر» (كما هو مشاع في الانكليزية). لم أجد عدد صفحات أو «غروبات» مخصصة للأمهات الوحيدات في مصر كما يتناسب مع أعدادهن الفعلية على أرض الواقع. فوفق التقارير الرسمية فقط فإن نسبة المرأة المعيلة في مصر وصلت إلى 35 % من إجمالي عدد السكان، منهم 3 ملايين امرأة مطلقة ازدادت بعد ارتفاع نسبة الطلاق في مصر بشكل جنوني.
ووفق تقرير أصدره مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء بأن مصر قد احتلت المرتبة الأولى عالميا، بعد أن ارتفعت نسب الطلاق من 7% إلى 40% خلال الخمسين عاما الأخيرة، حيث يتردد نحو مليون حالة طلاق سنويا على محاكم الأسرة بمصر، وتقع 240 حالة طلاق يوميا بمعدل عشر حالات طلاق كل ساعة، لكني وجدت تجمعاً وحيداً على «فيسبوك» يسمى Egyptian single mother تعرض فيه الأمهات مشكلاتهن مع الحياة الجديدة إلى جانب وضع إحداهن بعض الارشادات لتوعية الأمهات الوحيدات المستجدات بخصوص حقوقهن ومواد القانون.
يبدو هذا الوضع مختلف عن الصفحات الأجنبية والمقالات المخصصة للأمهات الوحيدات في الغرب حيث اهتمت أكثر بالتركيز على النقاط النفسية والإيجابية للظاهرة. وفي مصر وبسبب الوضع الإقتصادي والاجتماعي تعيش الأمهات الوحيدات ظروفًا أصعب وتحدي أكبر.
تقول ضي رحمي، وهي مترجمة وباحثة في مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب والعنف عن تجربتها، «أنا أم وحيدة منذ 8 سنين. وقتها ابني كان عنده 6 سنين. كان مدرك لفكرة إنه مضطر يسيب بيته وإن أبوه لن يصبح موجودا معنا. ولهذا السبب تعرضنا انا والطفل لفكرة صعبة تتمثل في إنهيار العالم المعتاد وحياتنا الآمنة المستقرة، واستكملت أن أكبر شيء كان يشغلها في هذا التوقيت أن تثبت لإبنه أنها مصدر أمان بديل في إمكانه الاعتماد عليه والاطمئنان له وأنه لا يمكن أن ينهار او يختفي أو يضطر يبعد عنه تحت أي ظروف»، وتصف ضي ذلك «كنت عاوزه اثبت له إن اللخبطة والقلق في حياتنا كانوا استثناء اضطررنا له» .
وتستطرد ضي أن «هذا الوضع الجديد تطلب منها بناء سياج من الحماية له، وتمرير رسائل بشكل غير مباشر للمقربين إن حياته بكل ما فيها من قرارات تخصنا هو وأنا، وابوه بالطبع، يعني لم اسمح بالتربية المشاعية بحجة غياب الأب»، وتوضح: «بعد النجاح في الخطوة الأولى، كان مهما بالنسبة لي الانتباه لأمر طالما تكرر كثيرًا مع أمهات مررن بتجربتي نفسها، وهو الاستبدال. لم أرد أن استبدل ابني بالرجل الغائب، حرصت من اللحظة الاولى للانفصال أن أظل على وعي وبصيرة بوجوده كشخص مستقل له حياته وإرادته الحرة، لم انجبه ليكون عوضًا لي عن نقص ما، بل انجبته وأنا المدينة له بكل شيء».
تقول ضي: «واجهنا مشاكل كثيرة، بداية من حنينه لحياته الأولى ووجود الأب، واحتياجه لأخ أو أخت وشعوره بالوحدة، وصولًا لمرحلة المراهقة الآن، وأن علاقة الصداقة المغلفة لعلاقتنا كانت تساعدنا دائمًا على اجتياز كثير من العقبات».
وتختم كلامها بأن تربية طفل بشكل منفرد شيء مرعب، مسؤولية تامة عن كل شيء وأدق التفاصيل، لكن كل يوم بيعدي وأراه يكبر بيكبر و شخصيته تستقل أشعر بأنني قطعت شوطا كبيرا .
على عكس ضي تحكي رنا يسري (25 عاماً)، صحافية، عن تجربتها كأم وحيدة مستجدة بشيء من الحزن والمرارة، فتقول: «يحيى صغيري الذي لم يتم عامه الثاني بعد، والذي كتبت له الاقدار كما كتبت لي ان نصبح انا وهو رغم صغر سنه مسؤولين فقط عن بعضنا البعض، ببساطة لأنني اصبحت مطلقة معيلة في مجتمع لا يرى في المطلقة قوتها التي جعلتها تتخذ قرار كهذا فقط لا يرى سوى ضعفها واحتياجها وأنوثتها»، وتضيف: «بأنه رغم قوتي المتصفة بها من محيطي ومن يتعاملون معي، إلا انني وفي حقيقة الامر عندما افكر في نفسي وفي ابني وفي المجتمع المحيط بي اشعر غالبا بإحباط شديد وأتساءل «هل تلك القوة ستجعلني اواجه كل ما تمر به مطلقة في مجتمع شرقي؟» «سأكون بالفعل أم وأب في آن واحد لصغيري؟».
وتؤكد انها لا تصف تجربتها بـ «القاسية»، مشيرة إلى انها لم تكن تتخيلها، «وليس لدى اي توقعات ولا حتي مخططات عن مستقبلي كمطلقة تعيل طفل، فقط كل ما أتكىء عليه حاليا هو «قوتي» التي اصدرها مرار وتكرار لنفسي ولغيري».
وتصف شعورها تجاه الأمر كله بأن الأمومة بالنسبة لها شعور مبتور، ينقصه شيء دائما ما تبحث عنه في لحظات ضعفها، تقول احيانا اشعر اني قاسية علي ابني ولا اعطيه كل حناني وكأنني احاسبه علي خطأ لم يرتكبه بعد وهو انه ابن لأب غير مسؤول اختار ان يتجاهل ابنه ولا يهتم به ولايصرف عليه فقط بهدف «لي ذراع امه».ثم تعود رنا وتحكي عن مشاعرها الخاصة بينها وبين يحي والبراءة التي تشع منه وعن الصراع الذي تواجهه في هذه العلاقة والتي تأمل أن تنحل تعقيداتها مع الأيام .
تبدو التجربة أقسى بالنسبة لنهى القاضي (31 عاماً)، موظفة في احدى الصحف المصرية، حيثُ أنها لم تخترها بإرادتها فهي أرملة منذ سنوات ومسؤولة عن طفلين احدهما فى سن السابعة والاخر في الثالثة. تصف نهى رحلتها بأنها كانت شاقة وكان عليها فيها مواجهة مسؤولية مادية واجتماعية وانسانية في غاية القسوة.
وتقول أنها كانت مطالبة بمواجهة متطلبات بيت ومصاريف اطفال وعلاج ومدارس فى مجتمع صعب وظروف عمل لا ترحم تتعرض فيه المرأة الوحيدة للمضايقات والتحرشات لمجرد كونها امرأة بلا رجل.
تستطرد نهى بأن الدولة أيضًا لا تساعد ولا تخصص راتب شهري مثلا للأم الوحيدة ، فتقول أن معاشها من الدولة عبارة عن ثلاثمائة جنيه أي بما يعادل الـ 30 دولارا لا يكفي لأي شيء. هذا إلى جانب النظرة المتدنية والمهينة من المجتمع التي تعتبر الأم الوحيدة فريسة يتم اختراق حياتها وخصوصياتها بكل بساطة. لكن نهى تنهي كلامها أن كل أم وحيدة تخوض رحلة كبيرة حتى تعتاد على الأمر وأن هذه الرحلة تجعلها أقوى و أصلب.