«أن لا تكون أحدا لأحد»: قراءة طويلة في قصة قصيرة لديمة الحرستاني

حجم الخط
1

■ اكتشفت عرضا، في يوم من أيام 2015 ب. م. قصة قصيرة رمتها ديمة الحرستاني إلى تيار الناشر الأممي، المتدفق على شاشات أدوات التواصل المعاصرة.. يوم اكتشفت «غواية»، عنوان القصة، كان قد انقضى عامان على القاصة نشرت فيهما عشر قصص.
قرأت ما فاتني معرفته من قصصها، قبل أن أنضم الى الثمانمئة «متابع» لصفحتها.
لم تنشر الكاتبة سوى ثلاث قصص بعد «غواية» إلى نهاية 2015، ثم توقفت عن النشر طوال 2016 و2017.
تساءلت مرة عن ماهية الموضوع الذي قد تعالجه إذا ما عاودت النشر. ولم أفاجأ بما كتبته في: «ألا تكون أحدا لأحد».. لأن وفاءها هو الذي أوصلها إليه.. ولأنها تخفي في ضميرها منارة ترشدها في ليل بلادها الطويل. لست أمتدحها ولا أقرظ إنتاجها المتواضع في دنيا القصص بأطوالها المتفاوتة.. ولكنني أعرف لماذا كتبت عن الضمير والمنارة. فالأسباب موجودة في ما قرأت منذ قصتها الأولى «نصية أم محمود» المنشورة في نهاية 2013. حيث نلمس باكورة اهتمامها بما يحدث في وطنها، وذلك بتأثير «آدم» الذي كانت تلتقيه سرا في النصية وتبادله حبا جنونيا. لكن آدم المغرم بالتصوير لا يستغني عن عينه الثالثة «الكاميرا»، ويريد إرضاء طموحه إلى نيل إجازة علمية في التصوير من واحد من المعاهد العليا في موسكو. يطالب بارعة بالارتباط به والسفر معه…لكنها لم توافق، فسافر وحيدا، مغلبا واحدا من الهوسين الكامنين في أعماقه، بارعة والتصوير.. «لم يعد آدم يطيق البقاء بعيدا والنيران تكتسح البلد. أراد أن يعود ليرى». فعاد وصور فيلما ليسجل جانبا مما حدث، لكنه قتل فكانت حياته ثمنا لسعيه من أجل الحقيقة. «أوصى آدم بعينه الثالثة لبارعة من أجل دعوتها إلى البحث عن الحقيقة والبحث عن الحياة…». هكذا أصبحت بارعة «أرملة حرب» ـ قصصيا والحمد لله ـ تحمل وصية مزدوجة.
تشاغلت ديمة بكتابة عدد من القصص العاطفية، ولكنها لم تنس وصية آدم. فكتبت «زينة» في مطلع 2015. زينة هي الطفلة التي انتشلوها مع شقيقتها من أنقاض بيتهما في «تلبيسة» حيث دفنت أمهما. جيء بزينة وأختها إلى دمشق، لكن أختها لم تصمد طويلا فماتت، لتحكي الكاتبة، في أقل من صفحتين، بلسان زينة، قصة معاناتها من أجل الرغيف والدفء.. حكاية عشرات الآلاف من أطفال الوطن الجريح.. صفحتان تذكران بالتزامها بوصية آدم.. أيجوز لي الجزم بأن بذور قصة مراد عز موجودة في النصية وفي زينة؟ ظني كذلك. آن أوان الحديث عن القصة الجديدة، بعد هذا التمهيد الطويل، رغم كوني أحكي عن قصة قصيرة. قرأت أن التكثيف هو من سمات القصة القصيرة كما في الشعر.. هذا ما ألمسه في بعض قصص الكاتبة. فهي اكتفت بنيف وخمسمئة كلمة لشرح مرحلة حاسمة من حياة المهندس السوري مراد عز، الذي دمرت حياته قذيفة لتجعله «أبا لثلاث جثث وزوجا لجثة». بعد القضاء على هذه الأسرة، رغم بقاء ربها حيا، «قرر النزوح بعد أن فقد أعز ما لديه.. مكللا بالغضب والأمل.. النزوح، هذه القشة التي لجأ إليها بعد أن غمر عالمه الطوفان». هل هذا مصير أسرة واحدة؟ تساؤل زائد. لن أتوقف عند رمزية اختيار اسم مراد عز، فهي واضحة. لكن هل يمكن كتابة اسمه بالألمانية إلا «إتس»؟
أود التريث عند ما وصفته الكاتبة: «الحدس الذي جعل موظف الجوازات يخطئ في كتابة اسم مراد، بالإضافة إلى خطئه في تبديل يوم مولده، الذي أصبح في الخامس من يونيو/حزيران لا في السابع منه»، أي مغزى وأي حدس هذا؟ ما الفارق الجوهري بين أن تولد يوم اندلاع تلك الحرب التعيسة؟ أو بعد ذلك بيومين، طالما أن السنة 1967.
«أكان ذلك نذيرا بالنكسات المقبلة؟» تساءلت الكاتبة.. «النكسات!» أنت تكتبين في 2017 أو 2018.. كنت أتمنى قراءة مفردة الهزيمة لا النكسة.. هل مصير مراد عز الذي دمرت حياته و شخصيته و أسرته، نكسة فحسب؟ هل هناك هزيمة أشد من جعل الإنسان رقما في ملف وهو في «عز» الشباب؟ أو «ألا يكون أحدا لأحد»؟
لجأت الكاتبة إلى تكثيف السرد، واكتفت بجمل قصيرة مكتظة بالمعنى، مما يغمط بعض التفاصيل الدقيقة حقها، فهل كانت تنوي زيادة حصة القارئ في صنع النص؟ كما في واحد من المذاهب الأدبية القائل بموت المؤلف وتزايد دور المتلقي في «وضـــــع النص».
هل هذا ما سعت إليه الكاتبة، أم أنني أحشر أنفي في ما لا أفهم؟ من هذا التكثيف في القصة قول مراد: «آخر عهدي بمدينتي كان في رائحة شواء بشري ومشهد هدم إسمنتي على صفيح من الجثث… اجتزت آسيا الصغرى مارا ببسفورها، ومن ثم خضت أوروبا سيرا على الأقدام… خنت مراد عز وتركته معلقا هناك في الفضاء المملوء بمقبرة الجثث».
أخذتني الجمل المكثفة تلقائيا، إلى التداعي، كما يعرفه علم النفس.. وكنت مع قراءة كل جملة أملأ الفراغ الذي تعمدت ديمة تركه. استدعيت صور الانهيارات، وواكبت عابر آسيا الصغرى وبسفورها، وشاهدت المتدافعين إلى السفن العتيقة وإلى الزوارق المصنوعة لإغراق من عليها.. وعاودتني جثث الأطفال على الشواطئ… ومشيت مع مراد وهو يكاد يختفي بين عشرات الألوف من الماشين عبر أوروبا، يصارعون الظروف المناخية ويعانون التجويع والإهانات على حدود الدول ذات السيادة. مرت بي هذه التداعيات وكنت لما أنتهي بعد من قراءة القصة.. وتساءلت أكان بوسعي استعادة مصير مراد عز لولا عدسات التلفزيون؟ أعني لولا عين آدم الثالثة التي أرادت دوما نقل الحقيقة؟ رغم كل شيء.
ما كدت ألتقط أنفاسي بعد مواكبة مراد عز في رحلته، بفضل سطور القصة المكثفة وعيون عدسات التصوير المنتشرة في كل مكان بفضل الهواتف المعاصرة، ما كدت أفعل حتى وجدتني أتأرجح بين مراد عز ومرات إتس، كما شاءت الكاتبة، بين الإنسان وما صار ملفا ذا رقم.. «أنا اللا أحد، أصبحت أعرف بالغريب الجالس على ضفة الراين، يطعم البجع المسافر خبزا يابسا.. فأنا هكذا فقط أشعر بأنني «أحد لأحد».
عسى البجع المسافر يشعر بوجوده فيعينه على تناسي غربته المزدوجة.

ملحوظة 1
مرمي فوق الرمل أنا
مرمي فوق السهل أنا
مشلوح في كل الطرقات
وتحت الهدم
هنا.. وهنا…
أنا لست أنا.. فأنا شعبي.
لم يكتب مراد عز هذه النبوءة، بل كتبها منصور الرحباني في ديوان: أسافر وحدي ملكا 2007
ملحوظة 2
رغم ما تقدم كله، ما زلت غير معجب بعنوان القصة…

٭ كاتب سوري

«أن لا تكون أحدا لأحد»: قراءة طويلة في قصة قصيرة لديمة الحرستاني

غازي أبو عقل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية