«أهل النخيل» للعراقي جنان حلاوي… ملحمة المكان

حجم الخط
0

عدا عن المفتتح والخاتمة في رواية أهل «النخيل»، اللذين يشفّان عن زمن وقائع هاتين الوحدتين بشكل مباشر، عبر وصف أجواء الحرب في أو على مدينة البصرة، بفعل الغزو الأمريكي للعراق، أي عام 2003، فإنّ متن الرواية بالكامل لا يتصف، بشكل عام، بالوضوح الحاسم.
كما أن فصلين صغيرين هما، الثاني والثلاثين والرابع والثلاثين، (يلاحقان شخصيتين من شخصيات العمل بعد هروبهما إلى لبنان، هما يوسف وسميرة) يبلغ عدد صفحاتهما 20 صفحة، من مجموع 383 صفحة لأربعة وثلاثين فصلاً، يكشفان، أيضاً، عن زمنهما، بدلالة الغزو الإسرائيلي للبنان، أي عام 1982. خلا ذلك يُترك استنتاج زمنية بقية الفصول لفطنة ومعرفة القارئ. ومن المفيد الإشارة إلى أن كلاً من «فاتحة الكتاب: في أعقاب ما جرى 1» و»الخاتمة: في أعقاب ما جرى 2» وهذه امتداد واستكمال للأولى، مقطوعتا الصلة ومعزولتان، حَدَثياً، عن باقي وحدات الرواية، عدا الخيط الواصل المتمثل بشخصيتَي «أحلام» و»رمزي» حيث امتازا بحضورهما في العديد من فصولها. إذن، يتم الاستدلال زمنياً على المتن الروائي، بشكل عام، من خلال سياق الأحداث وتطوراتها، وبمساعدة بعض الإشارات المعدودة التي بثها الكاتب ـ والتي سنأتي على ذكرها لاحقاً ـ والكلام هنا يخص ما يمكن تسميته بالقسم العراقي من الرواية.
أما القسم اللبناني فقد حصل الحديث عنه. ومسألة تحديد ما يُعرف، بمصطلح النقد، بزمن الحكاية في رواية من هذا النوع، عنصر مهم للإمساك بخيوط العمل ككل واتجاهاته، وما الحاجة إلى ذلك إلا لأننا ازاء رواية واقعية ترصد حيواتٍ ووقائعَ معينة لا يمكن قراءتها خارج إطارها الزمني، حتى يمكن تصنيف بعض ما تعالجه تصنيفاً تسجيلياً ووثائقياً، مثل التعرّض لحدث انتفاضة «هور الغموكة»، ضمن ما يُعرف في الأدبيات السياسية العراقية بحركة الكفاح المسلح في الأهوار، جنوب العراق، التي قادها وساهم فيها شيوعيون منشقون. يصف الكاتب رحلة إحدى شخصياته «يوسف» من البصرة إلى الأهوار للالتحاق بحركة التمرد، وبعد الاستغراق في تفاصيل الرحلة ـ الهروب إلى تلك المسطحات المائية النائية ولقائه العديد من الأشخاص، وسوى ذلك ينتهي الكاتب إلى القول بعد بلوغ «يوسف» محطته الأخيرة قبل الانطلاق لتنفيذ العمليات العسكرية: «هذا المقر هو المركز العسكري لتنظيم القيادة المركزية». هذه الإشارة تعني زمنياً اننا في شهر يونيو/حزيران عام 1968، أو ما بعده لأن انطلاق الحركة حدث في التاريخ المذكور، رغم أن التحضيرات والتجاذبات بشأنها بدأت قبل سنة تقريباً، لهذا ثمّة من يؤرّخ لبدايتها بعام 1967.
إنّ تصدّي الرواية لتصوير جانب من حركة التمرد في الأهوار، أو الكلام عنها، هو واحد من العلامات القليلة فيها، كما أسلفت، التي تسهّل استجلاء الخلفية التاريخية لها. ومن هنا يمكن القول إن حقبَتي الستينيات والسبعينيات هما أرضية العمل ككل في قسمه العراقي، وإن كان القسم الأكبر من الرواية اتخذ من السبعينيات مهاداً له، بدلالة الجو العام وأيضاً من خلال بعض التفاصيل، سرداً أو فعلاً، التي تؤكد سمة السبعينيات، مثل مظاهر عنف السلطة واستشراس أجهزة الأمن ومطاردة القوى الوطنية والدينية، كالحزب الشيوعي وحزب الدعوة. والمعروف أن الحملة لتصفية هاتين القوتين المعارضتين بدأت، تحديداً أواخر السبعينيات. إن البعد السياسي، أو في الأقل الوعي به، حاضر في «أهل النخيل» من خلال هواجس وأفعال العديد من الشخصيات مثل، إسماعيل، بدر، يوسف، جواد، جبار اللاتيني، حسين العامل ـ الذي يُقتل أثناء مطاردة رجال الأمن له ـ وحتى لدى شخصية، وإن بدت هامشية، مثل «جودي»، لتعاطفه، والذي يُقتل هو الآخر على يد رجال الشرطة، رغم أنه لم يكن هو المستهدَف.
كما أن الكاتب يُفصح عن «أناه» وإن عبْر صوت الراوي، في تسديد النقد والمساءلة حتى لحركة الكفاح المسلح في الأهوار، بعد إن جعل من «يوسف»، أحد أفرادها، لصاً وقاتلاً. عدا عن تفاصيل أخرى تحمل القارئ على التساؤل بدوره، عن حركة تنمّ عن الكثير من الارتجال ليتضح أنها لم تكن أكثر من أحلام ثورية، ترتدّ بالسلبي أكثر من الإيجابي، وهو ما كان عليه واقع الحال بالفعل.

الرواية: المكان ـ البانوراما

رواية «أهل النخيل» هي رواية مكان وعنوانها، في حدّ ذاته، ذو دلالة مكانية. وعلى وفرة شخوصها وأهميتهم في سياق السرد وحضورهم، بدوا كما لو أنهم صيغوا من أجل التعريف بالمكان وبعثه ثانيةً من غيبوبة الزمن ورماد الحروب. والمكان الأساس (البطل) في العمل هو البصرة بأحيائها وشوارعها ومبانيها وبيوتاتها المعروفة والمتواضعة، بمياهها، بأنهارها، بغابات نخيلها، بمدارسها، بضواحيها، بأسواقها، بما احتضنته من قصص ناسها وكل ما يمتّ لهذه المدينة في ظروفها المتباينة، حرباً كانت، أم سلاماً. وهي مدينة الكاتب وذاكرته مثلما تحولت روايته هذه إلى ذاكرة للمدينة، بقطع النظر عن نسبة الفانتازي إلى الواقعي فيها أو العكس. كتابة كهذه تتحول إلى نوع من سجّل للمكان ـ الأمكنة والتواريخ والمواقف، ربما لهذا بدا العمل روايات لا رواية واحدة، لتعدد حكايات أبطاله واستقلاليتها عن بعضها، على الرغم من ان الكاتب حاول أن يستقطب بحكاية «نادية» و»إسماعيل»، سائر الحكايات والأحداث إليها، لكن استقلال مصائر سائر الشخصيات وفصول الرواية عن بعضها بعضا، بقي هو السمة السائدة فيها، حدّ أنّها لن تتأثر، باختزال الكثير منها، أو بحذف، مثلاً، الفصلين المتعلقين بلبنان، فلم يكن من لزوم لهما.
غير أن الرواية بصورتها الماثلة، بدت نوعاً من بانوراما بالمعنيين التاريخي والجغرافي، فالوقائع بدورها تستدعي الجغرافية الحاضنة لها وهو ما يأخذ القارئ في رحلة يُطاف به، خلالها، على جناح لغة يمكن تأشير ثرائها وأدبيتها، تجنح إلى الوصف الدقيق، سواء للشخوص أو للمكان، أرضاً وفضاءً، فلا يقنع الكاتب بالوصف السريع المكثف، بل يغور مستبطناً المَشاهد ومستنطقاً كل شيء من حجر وإنسان وحيوان ومظاهر طبيعة، بشكل احتفالي واحتفائي مبتهج، ومما يؤشَّر أيضاً، إيلاء الكاتب اهتمامه الخاص والاستثنائي للحيوانات والطيور، ما أضفى حسّاً بيئياً خاصاً، وهو لا يتوانى حتى عن إشراكها لمساعدته في عملية السرد: «وإذا اتفق وشقّت الفضاء زرازير وفواخت أمام البيوت المشرفة على جسر الغربان، فإنها ستلمح حتماً الأستاذ بدر وهو ينظر ساهماً إلى العالم عبر النافذة المفتوحة….». لكن بالمقابل، فإنّ هذا التلبّث عند الكائنات والهواء والأصوات والمناظر المختلفة، جعل إيقاع العمل بطيئاً، إذ أنّ الاستغراق بالوصف جاء على حساب الفعل والحدث. إن الانشداد إلى المكان الأم واستدعائه هو نوع من مقاومة المنفى ومحاولة لتعطيل حاضره بإحلال الماضي البعيد محلّه، مرتهناً بالمكان، بالضرورة. وجنان حلاوي بما يُشبه الوله الصوفي لم يكد يترك شارعاً أو محلة من محلات البصرة من دون أن يمسحها رواحاً ومجيئاً بذاكرته، مردّداً أساميها.
ليس البصرة وحدها ما يحضر هنا فثمّة قرى وبلدات كردية في شمال العراق تحضر، عبر استعادة الأجواء التي عاشتها تشكيلات ما يُعرف بـ»الأنصار» ومعاركهم ضدّ القوات النظامية العراقية، منذ أواخر السبعينيات، بالاشتراك مع المقاتلين الأكراد (البيشمركة)، ويوحي الكاتب عبر سياق طرحه هذا الموضوع بإعادة قراءة أو تقييم لتلك التجربة، وهو ما يلتقي مع قراءته النقدية، السالف الحديث عنها، لحركة التمرّد في الأهوار.
إن شساعة وامتداد موضوعات الرواية وتعدد الأمكنة وتنوعها فيها واتساع شبكة الشخصيات وتعدد مآلاتها، كلّ ذلك أعطى القارئ انطباعاً ببانوراميتها، ما جعلها توحي باتجاهات متنوعة حدّ التناقض، فتارة هي رومانسية، لعلاقة الحب التي غمرت كل ثنائي فيها من ذكر وأنثى، وتارة أخرى بوليسية كما في مطاردات يوسف في الأهوار وإقدامه على السرقة والقتل وتخلصه من المواقف رغم صعوبتها. وحيناً هي تاريخية تسجيلية، لكن كلّ ذلك، وتأكيداً ثانية على نوع اللغة المستخدمة، مرّ عبرغلالة شعرية في الغالب، كما يُحسب للرواية توظيفها اللغة الفصحى في الحوارات، وعدم انزلاقها إلى العامية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن تقنية الافتتاح والخاتمة كانت متميزة وقد أضفت على الرواية نوعاً من البناء الدائري.
ورسم الشجرة، في الخاتمة، التي تحمل أوراقها أسماء شخصيات العمل، إضافة إلى اسم الكاتب تذكّر بتقنيات الأفلام، حيث قائمة كادر العمل في نهاية الفيلم. وبالمقابل تنبغي الإشارة إلى أن الرواية أنزلقت إلى استخدام الجنس وفي أوضح صوره، وبإسراف وتكرار، من دون أي مبرّر، بل بدا الأمر نوعاً من الهوس والحط من مكانة المرأة فهذه لم تكن، في الغالب، سوى أداة لتصريف رغبات الرجل، والأخير بدا وكأن لا شاغل له سوى الجسد، وفي أقسى الظروف حتى لو تحت وطأة المحاصرة بخطر الموت، ومثال ذلك «يوسف» عند مطاردته في الأهوار، الأمر الذي يخالف ما هو منطقي، موضوعي أو فني. إنّ من شأن ملاحظة كهذه وغيرها إضافة إلى مآخذ الاستطراد في الوصف والانقياد للّغة والتكرار لبعض الثيمات، أن تذهب بالعمل بعيداً عن سيطرة الكاتب، وفي الوقت ذاته كنتيجة مترتبة عليه، عن شغف القارئ.

كاتب عراقي

باسم المرعبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية