قال الرئيس باراك أوباما في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2016 إنّ الرئيس الجديد دونالد ترامب براغماتي وليس إيديولوجيا وهذا ما سيكون مفيدا له إذا ما أحاط نفسه بأشخاص جيّدين. قد يكون هذا الكلام صحيحا ولكن ماذا عن الرئيس أوباما هل هو براغماتي أم أيديولوجي؟.
إستلم باراك أوباما السلطة في 20 كانون ثاني/يناير 2009 في 19 آذار من العام نفسه بثّ عبر الإعلام رسالة تودّد لإيران بمناسبة العام الجديد «نوروز» تجاهلتها إيران تماما. في 12 حزيران/يونيو 2009 بعد أقلّ من خمسة أشهر من رئاسة أوباما اندلعت الثورة الخضراء في إيران بعد إتّهامات شعبيّة بالتلاعب في نتائج الإنتخابات وتنصيب أحمدي نجاد المحافظ على حساب مير حسين موسوي الإصلاحي، حيث نزل مئات آلاف الإيرانييّن للشوارع للاحتجاج على نتائج الانتخابات، وشاهد كل العالم أجهزة الأمن الإيرانيّة بالصوت والصورة وهي تقتل بدم بارد المئات من المتظاهرين الإيرانيّين وخاصّة من النساء اللّواتي كنّ رأس الحربة في هذه الثورة، ظهر النظام الإيراني في حالة ترنّح، ولم يصدر عن الرئيس أوباما أي تضامن مع المتظاهرين ولم يبد عليه أنّه يشعر بأي إحراج أمام ما تتناقله وسائل الإعلام من صور وأفلام من داخل إيران، بل قال : إنّ المرشّحين الّذين يخاطر مئات آلاف الإيرانيّين بحياتهم من أجل دعمهم لا يمثّلون تغييرا جوهريّا !!. ولم يذكر صراحة أنّه قد تمّت سرقة الانتخابات، وتجاهل ما يعرفه كل متابعي الشأن الإيراني وهو أنّه خلف الواجهة الإصلاحيّة للمعارضة الإيرانيّة يقف ملايين الإيرانيين المعارضين بالكامل لجوهر نظام ولاية الفقيه، وقد قال أوباما صراحة بأنّه يخشى أن تقوّض المظاهرات التواصل السرّي مع إيران!
في كتابه «حروب إيران» كتب غاي سولومون مراسل وول ستريت جورنال أنّ الرئيس أوباما رفض توصيات مستشاريه بدعم التحوّلات من الديكتاتوريّة إلى الديمقراطيّة في إيران، كما فعل سلفه جورج بوش في جورجيا، أو بيل كلينتون في يوغوسلافيا، بل طلب من وكالة الإستخبارات الأمريكيّة قطع الإتّصالات مع أنصار الحركة الخضراء وعدم إعطائها أي مساعدات مثل وسائل الإتّصال أو المال، ولم يستجب لرسائل من أعضاء الجالية الإيرانيّة في الولايات المتحدة مطالبين الرئيس بدعم الإنتفاضة وقد قال منشقّون إيرانيّون إنّ هذا الدعم سيكون بمثابة قبلة الموت للنظام الإيراني، وذهب أوباما لمدى أوسع عندما أنهى برنامج الولايات المتّحدة لتوثيق الإنتهاكات الإيرانيّة لحقوق الإنسان، وكتب رسائل شخصيّة للمرشد الأعلى خامنئي مؤكّدا أنّ الولايات المتّحدة لا تسعى للإطاحة به وأكّد إحترامه للنظام الإيراني. وفي المفاوضات النوويّة مع إيران تمّ إنشاء قناتين للتفاوض واحدة عامّة مع الأوروبيين والروس والصينيين والأمم المتّحدة والثانية سريّة وأكثر أهمّية ثنائيّة بين إيران والولايات المتّحدة فقط أنشئت عبر سلطنة عمان، وتمّ تقديم التنازل تلو الآخر من طرف الولايات المتحدة في هذه المفاوضات وبدل تفكيك البنية التحتيّة النوويّة تمّ الإتّفاق على السماح لإيران ببناء برنامج نووي للأغراض الصناعيّة مع مئات آلاف أجهزة الطرد المركزي بعد عشر سنوات، مع السماح بالتدريج بإنهاء الحظر الّذي تفرضه الأمم المتّحدة على تطوير الصواريخ الإيرانيّة بعد ثماني سنوات والتخلّص من حظر تصدير الأسلحة لإيران بعد خمس سنوات !.
و في العراق عام 2010 بعد أن نال إياد علّاوي زعيم القائمة العراقيّة الّتي تمثّل تحالفا مستقلا وغير طائفي 91 مقعدا مقابل 89 مقعدا لإئتلاف دولة القانون الشيعي برئاسة نوري المالكي المرتبط بإيران تمّ إستبعاد العلاوي من تأليف الحكومة بتنسيق إيراني أمريكي رغم مخالفة ذلك للدستور العراقي وتمّ تكليف المالكي بدلا عنه، وفي عام 2011 عند مناقشة الإنسحاب من العراق عارض البنتاغون ذلك بشدّة وطالب بالإبقاء على عشرين ألف جندي على الأقلّ لمواجهة التحديّات الإقليميّة والإرهابيّة.
أمّا قادة الجيش العراقي فقد قالوا أنّ الجيش العراقي لن يكون جاهزا لفرض الأمن في العراق قبل عام 2020 وهذا كان موقف أغلب القوى السياسيّة العراقيّة ما عدا تلك المرتبطة مباشرة بإيران، أمام هذا الواقع كانت ذريعة حصانة الجنود الأمريكيّين الّتي طالب بها أوباما ورفضها المالكي والّتي أدّت إلى ما يريده كلاهما وهو الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق في نهايـة 2011، لتقع العراق بالكامل تحت الحكم الإيراني المباشر كما يصرّح قادة إيران يوميّا، ولنشهد بعد فترة غير طويلة إنهيارا كاملا للجيش العراقي كما توقّع الجـميع وإنتشارا للتطرّف والشحن الطائفي والإرهاب بشـكل لم يسـبق له مثيـل.
في آذار/مارس 2011 انطلقت الثورة السوريّة، خرج مئات آلاف السوريّين في مظاهرات عمّت كل المدن وكانت الصور الصادمة للضمير الإنساني الّتي توثّق جرائم نظام الأسد بحقّ المحتجّين تنتقل يوميّا ويشاهدها العالم الّذي يتطلّع إلى ما ستقوم به الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وكانت أغلبيّة الإدارة المحيطة بالرئيس أوباما من وزيرة الخارجيّة لوزير الدفاع إلى رئيس المخابرات المركزية يطالبون بموقف حاسم تجاه ما يحدث، أما أوباما فإستمر بتجاهلهم جميعا، وكانت ذريعة المفاوضات النوويّة جاهزة دوما لتبرير عدم القيام بأي إجراء حقيقي حاسم يهدّد النظام السوري، حتّى أنّه أغمض عينيه عن دخول آلاف المقاتلين من حزب الله والحرس الثوري الإيراني رغم أنّهما مشمولان بعقوبات أمريكيّة إلى سوريا للقتال إلى جانب نظام الأسد، مع إنتهاء الفترة الأولى لرئاسة أوباما في نهاية 2012 قام بالتخلّص من كل من يخالفونه الرأي وأتى بطاقم جديد يناسب توجّهاته، وأصبحت مواقفه أكثر وضوحاً حول التشكيك في الثورة السوريّة «لا يمكن لمزارعين وأطبّاء أسنان لم يسبق لهم أن حاربوا أن يهزموا نظام الأسد» حتّى أنّه وضع هيبة الولايات المتّحدة كلّها موضع شكّ عندما لم يفعل شيئا بعد مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق في تجاوز للخطّ الأحمر الّذي وضعه هو نفسه، عندها أدرك العالم حقيقة موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما، فقد أصبح الجسر الجوّي الإيراني ووجود عشرات آلاف المقاتلين الشيعة علنيّا، حتّى روسيا أرسلت طائراتها والآلاف من جنودها وكامل أسطولها لدعم نظام الأسد، الإعلام الأمريكي لم يعد يتحدّث عن نظام الأسد واصبح الحديث فقط عن تنظيم الدولة. ظنّ البعض أنّه مع توقيع الإتّفاق النووي لن تعود هناك حاجة لمداراة إيران ولكنّ سياسة الود الأوباميّة تجاه إيران لم تتغيّر، ورغم أنّ خامنئي وقادة الحرس الثوري مازالوا بحاجة للتهديد الأميركي لتبرير وجودهم فقد قال علي مطهري نائب رئيس مجلس النواب الإيراني في شهر آب/اغسطس 2016 : إنّ رئاسة باراك أوباما فرصة لن تتكرّر لبلادنا.
موقف الرئيس أوباما البارد من الثورة الأوكرانيّة وتغاضيه عن إحتلال الروس لجزيرة القرم وشرق أوكرانيا موضوع آخر، وكذلك زيارته لكوبا مطالبا بفتح صفحة جديدة مع بلد يحكمه ديكتاتور واحد منذ ما يقرب الستّين عاما وسكّانها في تناقص دائم نتيجة فرارهم في كلّ الإتّجاهات وبكلّ الوسائل من جحيم بلدهم الّذي لا يريد الرئيس أوباما رؤيته على حقيقته.
عندما وصف أوباما ترامب بالبراغماتي كان يعني إعترافا منه بأنّه يرى نفسه شخصاً أيديولوجيا وهذه الحقيقة التي يعلمها كل من تابعوا سياساته، وربّما هو أيضاً قريب من الفكر اليساري الّذي يتفهّم مواقف ومصالح أعداء الولايات المتّحدة ولا يحترم حلفاءها، لذا فإن أوباما لم يكن في حاجة لأيّ مستشارين مثل ترامب فـهو يمـلك ما يكـفي وأكثـر من المعـرفة الـلازمة.
كاتب سوري
الدكتور عماد بوظو