لندن- «القدس العربي»: لم تكد زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الرياض تبدأ إلا وسبقتها التسريبات حول تهديد المملكة العربية السعودية بسحب استثماراتها من الولايات المتحدة إن مضى الكونغرس في مشروع قرار يحمل المملكة مسؤولية هجمات أيلول/سبتمبر قبل 15 عاماً.
لكن وصول أوباما إلى الرياض يوم غد الأربعاء يأتي في ظل توتر في العلاقات بين البلدين لعبت فيه سلسلة من الملفات الإقليمية ومراجعة واشنطن لأولوياتها في المنطقة وما ينظر إليه على أنه انسحاب منها ومن مشاكلها.
وتأتي بعد شهر من تصريحات انتقد فيها أوباما المملكة وغياب التقدم فيها. وذلك في المحاورة المطولة التي أجراها معه جيفري غولدبيرغ ونشرتها مجلة «أتلانتك» وقدم فيها المحاور ما أطلق عليه «عقيدة أوباما» في السياسة الخارجية.
وأهم ملمح فيها هو التوقف عن التدخل العسكري الفردي إلا في حال تعرضت المصالح الأمريكية العليا للتهديد المباشر. ومنها التخلي عن فكرة تغيير المنطقة.
وعاد أوباما وردد الكلام نفسه في الأسبوع الماضي عندما قال لشبكة «فوكس نيوز» أن ما جرى في ليبيا بعد الإطاحة بمعمر القذافي هو أسوأ اخطاء الإدارة.
ومن هنا تأتي زيارته إلى الرياض ومشاركته في مؤتمر قادة مجلس التعاون الخليجي وسط هذه التحولات في المسار الأمريكي تجاه المنطقة.
وأهم ما في هذا هو موقف السعودية من الإتفاق الأمريكي- الإيراني حول الملف النووي والحرب الأهلية السورية التي قرر فيها أوباما وفي اللحظة الأخيرة التخلي عن ضرب النظام السوري لبشار الأسد ومعاقبته على استخدام السلاح الكيميائي. وكرد على هذه التحولات تبنت المملكة مواقف متمايزة في عدد من الملفات الإقليمية خاصة في اليمن التي شنت حملة جوية فيها ضد المتمردين الحوثيين.
الصورة لا تكفي
وتعلق صحيفة «نيويورك تايمز»على مظاهر التغير في دينامية العلاقات بالإشارة للصور التي يلتقطها عادة الرؤساء الأمريكيون مع ملوك السعودية ومنذ عقود كإشارة للعلاقات الإستراتيجية القوية بين البلدين.
إلا انها ترى أن صورة أوباما مع العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز في الرياض لن تكون كافية للتخفيف من مستوى التوتر في العلاقات بين البلدين.
وتمحورت الخلافات حول كيفية احتواء إيران ومستقبل سوريا وكيفية محاربة تنظيم «الدولة» والمواجهات في اليمن، مشيرة إلى أن تعليقات أوباما الأخيرة عمقت من النوايا السيئة بين الطرفين.
وتنقل الصحيفة عن فردريك ويهري، الزميل الباحث في وقفية كارنيجي قوله إن العلاقات تعاني من مشاكل صعبة، ولكنه أضاف أنها لا تسير نحو انهيار قريب.
والسبب هي أن كلاً من البلدين لا يزال بحاجة للآخر. فمن جهة تقدم الولايات المتحدة دعماً أمنياً وعسكرياً للمملكة ومن المتوقع أن يعلن أوباما عن مساعدات جديدة.
ومن جهة أخرى تساعد السعودية في مكافحة الإرهاب خاصة تنظيم «القاعدة» وتعتبر ثاني أكبر مزود للنفط للولايات المتحدة.
وتقول الصحيفة إن السعوديين في هذه المرحلة من أيام أوباما الأخيرة في الحكم يتطلعون لمن سيدخل البيت الأبيض بعده.
فبحسب دانييل بليتكا نائب مدير الدراسات الأجنبية والدفاعية في معهد «إنتربرايز» يعتقد السعوديون أن «سفينة أوباما أقلعت منذ وقت طويل»، ولكنهم لا يعرفون ماذا سيحدث بعد ذلك.
وبعيداً عن موقف السعوديين من أوباما وأولويات سياستهم تتساءل الصحيفة عما يريدونه؟ وإن كان مختلفاً عما بحثوا عنه عندما قام الرئيس فرانكلين دي روزفلت في نهاية الحرب العالمية الثانية بالإتفاق عليه مع الملك عبد العزيز بن سعود حيث طلبت السعودية في حينه تأمين مصالحها النفطية والدفاع عنها ضد المخاطر في منطقة متقلبة دائماً.
وتفسر الصحيفة أن الدعم المطلوب خاصة من هجوم إيراني محتمل عنى دائماً مساعدات عسكرية.
وفي هذا المجال قدمت واشنطن للرياض مساعدات عسكرية وأمنية وتعاونت معها في الآونة الأخيرة ووفرت لها معلومات أمنية ودعماً لوجيستياً في الحرب التي شنتها السعودية والدول المتحالفة معها في الحملة ضد الحوثيين.
ومن المتوقع أن تعلن واشنطن عن تعزيز نظام الصواريخ الباليستية في المنطقة وتقديم الدعم للسعوديين لمواجهة الحرب الألكترونية من إيران.
ويقول أنتوني كوردسمان الزميل في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إن السعودية باتت تعتمد على الولايات المتحدة في التسليح وليست لديها خطة بديلة.
ماذا تريد واشنطن
وإذا كانت السعودية تريد الحماية والدعم العسكري فما الذي تريده الولايات المتحدة؟ وتجيب الصحيفة إن واشنطن تعتمد على الرياض كحليف لتوفير الإحتياجات النفطية ولم تتراجع أهميتها إلا في الآونة الأخيرة عندما اكتفت الولايات المتحدة ذاتيا بعد زيادة إنتاج النفط الصخري.
ومع ذلك ترغب واشنطن في علاقة طبيعية مع دولة تصدر النفط أكثر من أي دولة في العالم حسب إف غريغوري غوس الثالث، المحاضر في مدرسة جورج بوش للحكم والخدمات العامة بجامعة تكساس إي أند أم. فقد تعاونت الولايات المتحدة مع المملكة في عدد من الملفات مثل محاربة «القاعدة».
وفي الآونة الأخيرة ضد تنظيم «الدولة» وكذلك في الجهود لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا. وتشير الصحيفة إلى ان إدارة أوباما ترغب في تغييرات داخل السعودية نفسها تتعلق بدور المرأة وحقوق الأقليات.
ونقلت عن مسؤولين قولهم إن الرئيس الأمريكي سيطرح ملف حقوق الإنسان عند لقائه العاهل السعودي والمسؤولين في البلد. لكن الموضوع لن يكون بأهمية القضايا الأمنية التي ستشغل معظم جوانب النقاش.
ورغم تأكيد مسؤولي البيت الأبيض على قوة العلاقات بين البلدين إلا أن هناك تبايناً في المواقف ظهر حسب روبرت مالي، مستشار الرئيس لشؤون الشرق الأوسط. وهذا التباين نابع من مواقف الدولتين من الربيع العربي.
فالخلل في العلاقات بدأ بسقوط نظام حسني مبارك وما اعتبره السعوديون تخلياً أمريكياً عنه. وزادت العلاقات توتراً مع قرار أوباما التخلي عن توجيه ضربة عسكرية للأسد مقابل تخلي الأخير عن سلاحه الكيميائي.
فرغم تجاوز النظام السوري الخط الأحمر فيما يتعلق باستخدام السلاح الكيميائي إلا أن أوباما عبر في مقابلته مع مجلة «أتلانتك» أنه فخور بالقرار الذي اتخذه في اللحظة الأخيرة.
هذا بالإضافة لموقف السعودية من التقارب الأمريكي- الإيراني بعد توقيع الاتفاق النووي العام الماضي ورفع العقوبات عن طهران. وترى السعودية في التقارب بين البلدين تحولاً خطيراً في توازن القوة في المنطقة لصالح طهران.
وتتعامل السعودية مع التهديد الإيراني باعتباره وجودياً حسب تعبير كوردسمان، فيما تتعامل واشنطن مع الخلافات السعودية ـ الإيرانية كمشكلة إقليمية. ولم تنس الصحيفة ذكر ملف هجمات أيلول/سبتمبر في قائمة المشاكل المثيرة للتباين بين البلدين.
تحسن
ورغم كل هذا تؤكد الخارجية الأمريكية أن العلاقات اليوم هي أحسن منها قبل عامين عندما تخلى أوباما عن «خطه الأحمر».
وتشير الصحيفة تحديداً إلى الجهود التي قام بها جون كيري، وزير الخارجية ومدير المخابرات «سي آي إيه» جون برينان في إصلاح العلاقات وقادت لتعاون السعوديين في جهود وقف إطلاق النار التي رعتها الولايات المتحدة وروسيا وإلى دعم الحملة التي قادتها السعودية في اليمن.
وتعلق الصحيفة أن تحسن العلاقات بين البلدين يأتي رغم التعليقات الأخيرة لأوباما التي وصف فيها السعوديين وحلفاء أوروبيين بأنهم «ركاب بالمجان» يريدون امتطاء صهوة الحصان الأمريكي لتحقيق «مصالحهم الضيقة».
ودعا فيها السعودية للبحث عن طرق للتعايش مع إيران «المشاركة في الجوار وتحقيق نوع من السلام البارد».
ولمحت مقالة غولدبيرغ إلى حوار مثير للجدل بين أوباما ورئيس الوزراء الأسترالي مالكوم تيرنل حيث سأل الأخير «أليس السعوديون أصدقاءكم؟» فأجاب أوباما «الأمر معقد».
ولا يستبعد مراقبون أن تؤثر هذه التصريحات على لقاء أوباما مع حلفائه السعوديين. فقد رد الأمير تركي الفيصل، مدير المخابرات السابق على تصريحات الرئيس بمقال نشرته «أراب نيوز» ويعكس بالضرورة رؤية العائلة المالكة مع أن الفيصل لا يتولى منصباً رسمياً في الحكومة.
المجهول
ورغم ما طبع العلاقة بين البلدين أثناء حكم أوباما واعتبار السعوديين أن عهده قد انتهى أو في طريقه للنهاية إلا أنهم قلقون مما سيحدث لاحقاً خاصة إن فاز في الانتخابات رجل الأعمال دونالد ترامب أو حاكم ولاية تكساس تيد كروز.
فقد هدد ترامب بوقف شراء النفط السعودي إلا في حالة أظهر السعوديون جدية في مكافحة تنظيم «الدولة».
ودعا كروز إلى محاسبة «أصدقائنا» فهؤلاء «لا يدعمون الجهاديين ولا يرغبون في قتلنا».
وفي حالة فوز كلينتون في الإنتخابات فقد تعود العلاقات إلى شكلها الماضي كما في عهد زوجها.
ولكن كلينتون المتقدمة تواجه منافسة حادة من بيرني ساندرز، نائب ولاية فيرمونت. ولا أحد يعرف ما ستؤول إليه الحملات الإنتخابية.
مصالح مشتركة
كل هذا لا يعني أن الولايات المتحدة والسعودية ستفضان الشراكة التي مضى عليها أكثر من 70 عاماً. وفي هذا السياق كتب بروس ريدل من معهد بروكينغز مقاربة حول زيارة أوباما والضرورة التي تجمع ما بين البلدين.
وقدم سرداً تاريخياً لمنحى العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة التي قال إنها في حالة من التدهور منذ عام 2000 بسبب المواقف الأساسية من إسرائيل، الديمقراطية، إيران وبقية الموضوعات.
ويعتقد ريدل أن أوباما قد يتمكن من احتواء الخلافات بين البلدين والتأكيد على المصالح المشتركة. إلا أنه لن يكون قادراً على إعادة العلاقات لمجدها القديم. وفي هذا السياق يذكر بزيارة الأميرين فيصل وخالد للبيت الأبيض عام 1943 بناء على دعوة من روزفلت. ووافق الأميران على قبول الدعم الأمني مقابل تفضيل شركات النفط الأمريكية في السعودية. وتم تطبيع الإتفاق وتوقيعه في يوم عيد الحب (فالنتاين) 14 شباط/فبراير 1945 عندما التقى روزفلت مع العاهل السعودي عبدالعزيز على متن البارجة كوينسي في قناة السويس. وكان لقاء الرئيس والملك جيداً حيث توافقا على عدد من المواقف إلا مستقبل فلسطين الذي عبر الملك عن قلقه إزاءه. وشهدت العقود التي تلت الإتفاقية صعوداً وهبوطاً في العلاقات بين البلدين.
وفي عام 1975 فرض الملك فيصل حظر النفط على إدارة ريتشارد نيكسون عقب حرب اكتوبر ولكن السعوديين بدأوا بالتعاون مع الأمريكيين حول السلام. أما الملك خالد فقد تعاون مع جيمي كارتر لقتال السوفييت في أفغانستان. وتعاون الملك فهد مع الرئيس جورج بوش لقتال صدام حسين في الكويت. ويرى ريدل أن عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي شهدا تعاونا غير مسبوق بين البلدين. ولكن العلاقات بدأت في التدهور مع حلول عام 2000 عندما فشل بيل كلينتون بتحقيق سلام سوري- إسرائيلي وفلسطيني- إسرائيلي.
وقد رأى ولي العهد في حينه الأمير عبدالله أن كلينتون لم يضغط بما فيه الكفاية على إسرائيل كي تقدم تنازلات.
وكان السعوديون يعتقدون في عام 2000 أن اتفاق السلام مع سوريا كان ناضجاً ولو حصل لفطم دمشق عن الاعتماد على إيران ولعزل حزب الله وعبّد الطريق أمام اتفاق مع الفلسطينيين.
وعبر الأمير عبدالله الذي كان الحاكم الفعلي للبلاد بسبب مرض أخيه الملك فهد عن مرارة بسبب وقوف الرئيس جورج بوش الإبن إلى جانب أرييل شارون عام 2001 وذلك في أثناء الإنتفاضة الثانية. ورفض عبدالله زيارة واشنطن رغم مناشدات بوش الاب والإبن.
ولم يخف غضبه إلا عندما دعا بوش الإبن لإقامة دولة فلسطينية، مع أن السعوديين كانوا يشكون في نواياه. وساءت العلاقات بين البلدين بعد هجمات أيلول/سبتمبر 2001 نظراً لوجود 15 سعودياً من المنفذين. وكان السعوديون في حالة إنكار حتى ضربت «القاعدة» المملكة عام 2003.
وعندها تحركت الحكومة ضد التهديد الجهادي. ولم يفهم السعوديون سبب هجوم بوش على العراق مع أن صدام حسين لا علاقة له بـ»القاعدة». وكانوا راضين عن الإطاحة به إلا أنهم أرادوا بديلاً عنه جنرالاً سنياً وليس شيعياً. ولكن الإنتخابات سلمت بغداد للشيعة وكانت بمثابة تسليم العراق لإيران.
وعبر السعوديون عن غضبهم من ما رأوه «سذاجة» بوش. ولا تختلف سنوات أوباما عن بوش. فقد زار الرئيس الرياض لأول مرة عام 2009 ولم يكن اللقاء موفقاً إلا أن الرئيس وعد بمعالجة الموضوع الفلسطيني. لكن السعوديين اعتقدوا أنه تنازل أمام بنيامين نتنياهو وشعروا بالخيبة.
ثم جاء الربيع العربي وموقف الرياض من سقوط حسني مبارك. ومن الثورة ضد ثورات الربيع العربي بشكل عام والتي بدأت في البحرين ومن ثم مصر. وكان السعوديون يعرفون الجنرال عبدالفتاح السيسي عندما عمل ملحقاً عسكرياً في الرياض.
وعرف الأمير بندر بن سلطان، سفير الرياض في واشنطن ولكنه كان في عام 2013 مستشاراً للأمن القومي أن لديه مرشحاً، أو «مبارك جديد» في مصر. فعندما أطاح السيسي بمحمد مرسي وافق الملك عبدالله على انقلابه في أقل من خمس دقائق وموّل ديكتاتوريته. إلا أن خليفته سلمان قام بتغيير مسار السياسة الخارجية لبلاده. فمن سياسة حذرة إلى حازمة: فقد رفض لقاء أوباما وذهب للحرب في اليمن وأعدم عدداً من الإرهابيين وبنى تحالفاً من 34 دولة مسلمة ضد إيران.
وزار سلمان القاهرة ووعد بدعمها بالمليارات وبناء جسر يربط بين البلدين. ويستنتج ريدل أن الولايات المتحدة والسعودية لا تقتربان من إعلان الطلاق «فنحن بحاجة لبعضنا البعض». ولدى أوباما وسلمان نقاط لقاء مشتركة. فقد باع أوباما المملكة أسلحة بقيمة 95 مليار دولار وكلاهما مصمم على محاربة تنظيم «الدولة» و»القاعدة» وأثبت ولي العهد الأمير محمد بن نايف أنه شريك جيد في التعاون الأمني مع أمريكا.
وبناء على هذا يجب على كلتا الدولتين تعزيز التعاون المشترك لمكافحة تنظيم «القاعدة» في اليمن الذي زادت قوته. كما يمكن للرياض وواشنطن التعاون للحد من نشاطات إيران التخريبية في دول الخليج. وفي سوريا واليمن للسعودية مصلحة فيهما سواء من ناحية الإطاحة بنظام الأسد أو هزيمة المتمردين الحوثيين.
ويقول ريدل إن السعودية تعيش وسط تغيرات جيلية في القيادة، وهي الأولى منذ نصف قرن. وعليه فاستمرار أوباما في العمل مع السعوديين ضروري رغم الخلافات. فالسعودية تظل لاعباً مهماً في الشرق الأوسط.
إبراهيم درويش