بعد بدء المنافسة على الرئاسة في الولايات المتحدة، يمكن التساؤل ما هو الإرث الذي يريد الرئيس المغادر منصبه براك أوباما أن يبقيه خلفه وكيف سيحاول احداثه في سنته الاخيرة.
معروف الاعتقاد أن الرئيس الأمريكي في عامه الاخير يكون مثل «اوزة عرجاء» وهو لا يمكنه عمل الكثير. لكن في هذه السنة بالتحديد يكون متحرر بشكل نسبي من القيود السياسية. انجازات أوباما في موضوع السياسة الخارجية قليلة جدا وهو يستطيع أن يسجل لنفسه حقيقة أنه ساهم بشكل فعلي في منع المواجهة مع إيران. في المقابل، يتحمل المسؤولية عن الجمود السياسي بين إسرائيل والفلسطينيين. ولايته الاولى بدأت باندفاع في هذا الموضوع، ويبدو أنه سينهي ولايته الثانية والاخيرة بصوت منخفض.
إلا إذا تذكر سابقة 1988. قبل ذلك بسنة فشلت جهود الادارة الأمريكية ووزير الخارجية في حكومة الوحدة، شمعون بيرس، والملك حسين في عقد مؤتمر دولي (في النهاية تم عقد هذا المؤتمر حيث حرك في نهاية المطاف العملية السياسية). رئيس الحكومة في حينه اسحق شمير أفشل «مبادرة لندن» لأنه لم يكن صورة التفاصيل.
في تموز 1988 قطع الملك حسين الارتباط بين المملكة والضفة الغربية وأبقى إسرائيل كقوة محتلة. وكانت الدبلوماسية الأمريكية خائبة الأمل وبقيت كذلك إلى الآن. لكن في نهاية الولاية الرئاسية لريغان اعترفت الادارة الأمريكية بـ م.ت.ف (بوساطة سويدية) وبدأت في محادثات رسمية مع المنظمة. يمكن اعتبار ذلك القرار بداية عملية «اوسلو».
توجد لأوباما ايضا طريقة لتحريك عملية تعوض عن خيبة أمله كونه لم ينجح في احداث عملية سياسية إسرائيلية فلسطينية. ومن اجل ذلك هو يحتاج إلى طرف خارجي ـ سويدي، فرنسي أو أي أحد يريده ـ يقدم مسودة اقتراح قانون لمجلس الامن التابع للامم المتحدة تكون بديلا لقرار 242 من تشرين الثاني 1967، (بعد الانتخابات الرئاسية في 8 تشرين الثاني).
القرار الجديد سيشكل أساسا جديدا لكل مفاوضات بين إسرائيل وجيرانها. كل ما يحتاجه أوباما هو عدم فعل شيء، أي السماح لاقتراح القرار أن يُعتمد دون استخدام الفيتو. وفي نهاية ولايته يصعب رؤية قوة تجبره على استخدام الفيتو. واذا أراد أوباما أن ينقش اسمه في خارطة الطريق السياسية، يجب عليه أن يأمر سفيرته في الامم المتحدة بأن تقدم بنفسها اقتراح القرار.
القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية قد تعتبران قرار كهذا حلم جنوني وستترددان. هذا سيحدث لأن القرار الجديد لمجلس الامن سيكون بمثابة الحل الوسط. وكل حل وسط هو مؤلم لمن يعيش في ظل خدعة أنه يمكن التملص منه.
سيتم القول في القرار إن الحل الوسط الجغرافي سيكون على اساس خطوط 1967 مع تعديلات بسيطة تأخذ في الحسبان جزء من التغييرات الديمغرافية (وهذه تسمية لطيفة للمستوطنات). وسيُقال ايضا إن عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين فقط يمكنهم العودة إلى إسرائيل بعد أن يتم اجراء فحوصات أمنية مشددة لهم، والباقون سيحصلون على التعويض من صندوق دولي ستتم اقامته وسيُطلب من إسرائيل بالتبرع له بسخاء.
في الاماكن المقدسة في القدس سيُقام نظام دولي. أحياء المدينة تقسم حسب الصيغة التي اقترحها الرئيس بيل كلينتون في 2000: ما هو عربي للعرب وما هو يهودي لليهود. وكي لا يبدو القرار منفصلا تماما عما يحدث في المنطقة، سيتقرر أن التنفيذ للبنود سيتم على مراحل وحسب قرارات لجنة تكون إسرائيل وفلسطين اعضاء فيها، لكن بدون حق استخدام الفيتو.
لا توجد ضمانة بأن قرار كهذا سيُحدث الانبعاث، وبيقين ليس بشكل فوري. في ظل غياب صيغة دقيقة حول خط الحدود، ستبقى هناك مجالات واسعة للجدل. وفي ظل غياب تفصيل مركبات السيادة مثل السيطرة في المجال الجوي أو المسؤولية عن الامن الداخلي، تستطيع الاطراف الاستمرار بالتمسك بمواقفها المعتادة. لكن المساهمة الكبيرة لقرار كهذا ستكون في تثبيت مبدأ دولتين لشعبين. وتفكيك مركبات مسألة القدس والقول الواضح حول اعادة لاجئين فلسطينيين إلى إسرائيل.
يمكن الآن صياغة رد الاطراف ذات الصلة: القيادة الفلسطينية والقيادة الإسرائيلية ستستخدمان خمسين شكلا من الاستنكار والغضب وعدم الرضى. لكن يمكن أن نزيل الاقنعة عن وجهي رئيس الحكومة الإسرائيلي والرئيس الفلسطيني وقد نجد هناك ابتسامة. إن قرار كهذا سيحررهما، وإن كان بشكل غير كامل، من الصدامات الكلامية وغيرها التي قد تحدث إذا حاولا التوصل إلى تلك النتيجة بمبادرتهما بدون قرار من مجلس الامن.
اذا حاول بنيامين نتنياهو منع الرئيس الأمريكي التارك من مبادرة كهذه فسيكون عليه اقتراح بديل حقيقي. مثلا الاعلان عن موافقته على أن تكون المفاوضات حول الحل النهائي على اساس خطوط 1967 والاعتبارات الديمغرافية والامنية. مثلا الالتزام بوقف البناء الإسرائيلي خارج الكتل الاستيطانية اليهودية والامتناع عن البناء في شرقي القدس. ويمكنه ايضا اقتراح تسهيلات واضحة للسكان الفلسطينيين في مجال المياه وتصاريح العمل في إسرائيل واجزاء اخرى من الاتفاق الاقتصادي بين إسرائيل والفلسطينيين مع جدول زمني للتنفيذ.
لقد طرحت على نتنياهو خطط مفصلة في هذا الموضوع. واذا صادق عليها وقدمها للادارة الأمريكية، فيمكن أن يقتنع أوباما بموقفه ويمنع قرارا في مجلس الامن للامم المتحدة.
هآرتس 24/2/2016
عوديد عيران