أوباما ليس بوش ولا غورباتشوف

حجم الخط
0

تساءلت صحيفة «الغارديان» هذا الاسبوع، هل ان الرئيس باراك أوباما مسؤول عن الانقسام المتزايد والعنف المتصاعد في العالم؟ وكان الجواب نعم ولا، فالرئيس الأمريكي يظهر بسبب العراق في وضع سيئ، وبحسب استطلاع أخير فهو أسوأ رئيس أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية. وأظهرت استطلاعات الرأي أن واحدا من كل ثلاثة أمريكيين اعتبر أوباما أسوأ رئيس.
وكشفت هذه الاستطلاعات أن نسبة 57٪ لم توافق على الطريقة التي تعامـــــل بها أوباما مع أزمة العـــراق وســـوريا وأوكرانيا، وحصل على نتائج سيئة من الناخبين حول طريقة تعامله مع قضايا المناخ والإرهاب وبرنامجه الصحي.
وفي الواقع وفي أكثر من مناسبة اختلف المعلقون والسياسيون في امريكا وفي العالم على تقييم الرئيس باراك اوباما، لاسيما في ما يتعلق بسياساته الخارجية ومعالجته لقضايا الامن القومي. ويزعم منتقدو الرئيس أوباما أنه أساء التعامل مع هذه السياسات والقضايا، عندما أظهر ضعفاً وافتقاراً للعزيمة الراسخة تجاه الأصدقاء والحلفاء على السواء، وكثيرا ما وصف بأنه رديف لغورباتشوف ونظير له في الولايات المتحدة، وذهب البعض ليعمق القناعة بأن التاريخ يكرر نفسه وان بطرق غير مباشرة.. صار هذا البعض يتحدث أن السياقات السياسية التي جاءت بغورباتشوف إلى الكرملين، هي عينها السياقات التي أوصلت أوباما إلى البيت الأبيض، وأن البرنامجين الإصلاحيين للرجلين وفريقي عملهما يتشابهان، ثم إن أحوال الدولتين العظميين لحظة صعودهما تتشابه في الضعف والارتباك وانسداد الآفاق. واستنتج هذا البعض ان تجربة أوباما في السلطة ستؤول إلى المآلات عينها التي انتهى لها غورباتشوف، بوضع نهاية لعظمة الاتحاد السوفييتي وتفككه.
ويمكن لمنطق المواءمة التاريخية ان يحيل لبعض التشابه بين ظروف الرجلين في السلطة، إذ أن أزمة الدولة السوفييتية ونظامها الاقتصادي هما ما عجلا بمجيء غورباتشوف كوجه إصلاحي تعززت الحاجة إليه بعد أن تبين فشل الحرس القديم، وآخر رموزه يوري أندروبوف، وقسطنطين تشيرنينكو، في استيعاب ظاهراتها المستفحلة وذيولها السلبية المتعاقبة. وشيء من ذلك حصل في الولايات المتحدة وفتح الطريق أمام صعود أوباما إلى السلطة، محمولاً مثل غورباتشوف على بساط الرجاء في الإصلاح والإنقاذ. لقد وصل أوباما الى البيت الابيض تحت شعار «التغيير» بهدف إنهاء استراتيجية سلفه جورج بوش، التي قامت على الاندفاع وشن الحروب على الإرهاب، فكان الانغماس أولا في الوحول الأفغانية، ومن ثم العراقية، فكانت النتيجة اقتصادا امريكيا منهكا وحروبا بلا انتصارات حاسمة، وتعزيزا لمكانة قوى عالمية واقليمية مركزية، أي روسيا والصين وإيران، في ظلّ مزاج شعبي أمريكي عام وعارم، وميل في داخل ادارة اوباما إلى عدم الانخراط في الحروب الخارجية، الامر الذي برز للكثيرين بأنه تراجع أمريكي.
وبموازاة ذلك، فإن منطق المواءمة التاريخية يتكرر عبر المعاناة من ذات الجروح النازفة، فالرئيس السوفييتي غورباتشوف حين قرر الانسحاب من المستنقع الأفغاني، دفع بمزيد من القوات ونشرها على الاراضي الأفغانية، لكن الانتصار لم يحدث؛ على العكس وقع الانسحاب، وها هو باراك أوباما يعيد الكرة وفي أفغانستان ايضا بعد ربع قرن بذات النتائج.
على أي حال تعتبر تداعيات الربيع العربي، والخروج من العراق وتركه، على الرغم من نمو العنف فيه وصعود الاستبدادية مجددا، واستمرار «القاعدة» في افغانستان وتمددها في باكستان، وتهديد إيران كقوة نووية صاعدة، واستمرار العنف فى سوريا، وتمدد الصين في مناطق شرق اسيا على حساب اليابان والفلبين والتدخل الروسي في اوكرانيا والإحجام الأمريكي عن التورط، جميعها دلائل على ضعف دور الولايات المتحدة كونها تتربع على قمة النظام العالمي.
في حين اعتبر ديفيد سانغر مؤلف كتاب «المواجهة والتخفي: حروب أوباما السرية والاستخدام المفاجئ للقوة الأمريكية»، إن الرئيس باراك اوباما لا يقل عن سلفه جورج بوش في استخدام القوة، لكن بشكل خفي وبوسائل محاطة بالسرية. إن «الشعب الأمريكي ضاق ذرعا بالغزو والاحتلال»، وان «الكثيرين ابتهجوا لانتهاء حقبة بوش ووسائلها العنيفة باللجوء إلى القوة العسكرية»؛ ولكن القليل يعلم انه توسع في استخدام القوة.
وفي الواقع ان حروب أوباما ليست أقل شأنا من حروب بوش، ولكنها أكثر عقلنة، إذ يكشف الباحث الأمريكي توم انجلهارد مؤسس ومدير مركز أبحاث معهد ناشن في مقال في مجلة «The Nation» أواخر العام الماضي ما سماه بالحروب السرية التي تشنها إدارة اوباما حاليا في نحو 134 دولة حول العالم؛ وهو يؤكد انه منذ 11 سبتمبر/ايلول 2001 توسع عمل قوات العمليات الخاصة الأمريكية بشكل هائل، لا يمكن للمواطن الأمريكي تصوره؛ وان هذه القوات تعمل حاليا في نحو 70 في المئة من دول العالم، في إطار حروب سرية تشنها الولايات المتحدة على هذه الدول من أمريكا اللاتينية إلى أفغانستان.
ويشير انجلهارد الى انه في الأيام الأخيرة من عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش نشرت «الواشنطن بوست» أن قوات العمليات الخاصة الأمريكية كانت منتشرة في نحو 60 دولة حول العالم؛ ومع حلول عام 2010 كان هذا العدد قد تضخم إلى 75 دولة. وفي 2011 أعلن تيم ناي المتحدث باسم قيادة العمليات الخاصة أن عدد الدول ربما يكون قد وصل إلى120 دولة. ويتابع انجلهارد أنه استنادا لتصريح من الميجور ماثيو روبرت بوكهولت، المسؤول عن الشؤون العامة لقيادة العمليات الخاصة (سوكوم) تم نشر قوات النخبة الأمريكية التابعة لـسوكوم في 134 بلدا في جميع أنحاء العالم، أي أن إدارة اوباما رفعت من نشر هذه القوات بنسبة 123 بالمئة منذ أحداث11 سبتمبر.
وربما هذا الامر ما حاول ان يوضحه الرئيس أوباما خلال خطابه الذي ألقاه بأكاديمية «ويست بوينت» العسكرية في الثامن والعشرين من مايو/ أيار المنصرم، عندما ابدى اصراره على التزامه باستخدام القوة لردع الأعداء، وحتى ضربهم إذا استدعى الأمر ذلك قبل أن يفعلوا شيئاً، موضحاً ما يقصده بقوله: «لقد كانت قضية الأمة دائماً أكبر من مسألة الدفاع، فنحن نحارب كما فعلنا في الماضي من أجل السلام، سلام يقف مع الحرية الإنسانية، ويحثنا على الدفاع عن أنفسنا كلما لاحت تهديدات الإرهابيين والمستبدين. كما سنحافظ على السلام من خلال بناء علاقات فعالة بين القوى الكبرى، وأيضاً سنوسع السلام عبر دعم وتشجيع المجتمعات الحرة والمنفتحة في جميع القارات». واللافت هنا أن هذه الفقرة من خطاب أوباما كانت في الحقيقة الجزء الأكثر إثارة للجدل فيما بات يعرف اليوم بعقيدة بوش، التي كشف عن ملامحها العامة في خطاب مماثل ألقاه عام 2002. فهل فعلا اوباما امتداد لبوش بوسائل اخرى؟ لا أعتقد ذلك، عندما تولى الرئيس أوباما القيادة في امريكا وجد العالم يتغير، وكان لا بد ان تغير واشنطن استراتيجيتها العالمية الكلية الشمولية بشكل يستجيب للمتغيرات الجديدة.
ووفقا لما يورده بوب ودوورد في كتابه «حروب أوباما» أنه «بعد يومين من انتخاب السناتور باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة، تم تحديد موعد للقائه في شيكاغو بمايك ماكونل مدير الاستخبارات الوطنـــية (DNI) وبالفعل حضر ماكونل مبكرا الى مبنى كلاجنسكي الفيدرالي في شيكاغو، وكان بصحبته مايكل موريل، الذي أصبح رئيسا لقسم التحليل في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه).. وقابلهما اثنان من الفريق الخاص بانتقال السلطة من الادارة الديمقراطية السابقة، وقال احدهما سنكون مع الرئيس المنتخب خلال لقائه بكما، غير ان ماكونل صمت مرتبكا، وقال «آسف كان بودي ان استجيب لطلبك، لكن التعليمات ليست من عندي، ولكن من الرئيس بوش الذي اعطاني تعليمات قاطعة انه لا يسمح بحضور الاجتماع الا الرئيس المنتخب وأي شخص مسمى لتولي منصب رفيع في الامن القومي على مستوى وزاري، وهذا لا ينطبق على أي منكما، ولذا لا يسعني السماح بذلك، لأني لن أخالف تعليمات الرئيس».
ويستمر ودوورد في ذكر تفاصيل هذا اللقاء، ويقول حصل الاجتماع بشكل منفرد مع أوباما، الذي قال مازحا في نهاية الاجتماع «الحقيقة أنني كنت أخشى الخسارة، لكن بعد حديثي معكما اصبحت أخشى الفوز». ويذكر ودوورد أن أوباما أخبر لاحقا أحد أقرب مستشاريه «أني أرث عالما يمكن ان ينفجر في أي لحظة بشتى الطرق، وسوف يكون لدي بعض الوسائل الفعالة لمنع حدوث ذلك، لكنها وسائل محدودة، بل لعلها تكون ملتبسة».
رواية ودوورد تكشف ان أوباما كان على وعي تام انه امام متغيرات عالمية جديدة، وانها تتجه لاستنبات المزيد من المتغيرات ومسؤوليته تحتم عليه ان يحسن التعامل مع خصائصها حتى يبقى القرن الواحد والعشرين قرنا امريكيا ثانيا بامتياز. وهذا ما دفع الرئيس وفريقه لصياغة ما أُصطلح على تسميته بالإستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة أوائل عام 2012. التي وردت عبر وثيقة رسمية مكونة من 8 صفحات، وحملت عنوانا فيه كثير من الرمزية والإيحاء، «تعزيز – استدامة- قيادة الولايات المتحدة للعالم: أولويات دفاع القرن الواحد والعشرين»، التي عبرت عن توجهات وانماط وآليات تطبيق مختلفة تقوم على مبادئ اساسية عديدة في مقدمتها، اقتصاديات الحركة وسرعة الحركة والقيادة عبر الانوار الخافتة. ولكنها جميعا تعبر عن منهج جديد في التخطيط والممارسة الاستراتيجية الامريكية لا تمثل امتدادا لعقيدة بوش.

٭ صحافي وكاتب عراقي

عصام فاهم العامري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية