من المعروف لدى رجال الإطفاء أنه من العبث محاولة إطفاء حريق في لحظة تصاعده وثورانه الأقصى: إذ تُصبح نيرانه خارج السيطرة. وفي مخاض الصراعات الدموية بين قوى شعبوية هائلة. تبدو حالة فقدان السيطرة هي عنوان التوصيف الفعلي للوقائع، وذلك بناء على تكرار النتائج الفاشلة لمختلف الوسائل العلاجية المجرَّبة.
المشرق العربي، وفي مساحاته الرئيسية الممتدة من الشام التاريخية (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) إلى بلاد ما بين النهرين، وما وراءهما، من العراق إلى إيران، هذا المشرق الكبير مزدحم بفعاليات حركية، متعارضة فيما بينها، وبعضها يقاتل البعض الآخر، وآخرون متجاورون عن بعد أو قرب، من دون تماسّ عاجل. غير أن الجو الذي يشمل الجميع هو الحرب صَاخبة أم كامنة. هنالك جغرافية كاملة تكاد تنسى أسماء مُدنها ومواقعها الأصلية لتعرف فقط بأسماء معاركها ورموز رجالها. هذه هي بلاد الحروب إذن. خرائطها المدنية مُقتلعة الجذور. تعبث بخطوطها ومراكزها حركات الكرّ والفرّ ما بين قطعان المتقاتلين. هذه الجغرافية المريضة بعاهات مزمنة ومترسبة من تاريخ مظالِم الإنسان لأخيه الإنسان منذ دهور سحيقة، تحت أسماء وشعائر الآلهة والرُسل والقديسين، هاهي من جديد تكرر هويتها القديمة. لن تكون مهبطاً لأديان سماوية ثانية، لكنها قد تسعى إلى إحياء رميمها من بعض رموزها المنقرضة. عصرنا الراهن لا يقر بعودة الدين إلى أحضان السياسة؛ ومع ذلك فالعصر قد يقبل بإمكانية الإنطلاق للدين والسياسة معاً مختلفيْـن ومتصارعيْـن إلى أقصى الحدود. وكما يبدو فإن جغرافية الشرق هي المرشحة لأدوار الريادة إقليمياً ودولياً كيما تكتسب السياسة أخيراً وجهاً سماوياً بعد إفلاس عقائدها الأيديولوجية جميعها. وتخلّي الجماهير الكبيرة عن الالتزام بأفكارها الطوبائية. فكأن تلك الأيديولوجيات الكبرى، رغم حروبها العالمية وثوراتها الدموية قد أثبتت عجزها عن إحباط الظلم المسيطر على معظم المصائر الإنسانية. ذلك الظلم الذي كان يتخطى دائماً محدودية نسبية لجاهزيات السياسة المتصدية لبعض مظاهره؛ ذلك أن مناعة الظلم أضفت عليه طابعاً غيبياً. لم تنفع في النيل منه تجارب التاريخ الإنساني بكل فتوحاته وأهواله: فهل لن يكون له كفواً أحداً إن لم يكن خصمه مماثلاً له، متمتعاً كذلك بطبيعة دهرية غيبية.
عندما تتجاوز فظائع الصراعات الأهلية كلَّ حد في ارتكاب أهوال العنف المعمم لن تتبقَّى بين الخصوم ثمة لغة مشتركة سوى المزايدات المتبادلة في الكم والنوع من كل الشرور، المعروفة للأولين والآخرين. وهنا لا تتشابه صنوف الإيذاء والأضرار التي يلحقها كل خصم بالآخر؛ بل لن يفترق المتعدي عن المعتدى عليه، قد يصير الجميع عملاء لشرورهم المتبادلة. هذا لا يعني انعدام التمايز بين المذنب والضحية. لكن كلا منهما يفقد الكثير من خصائص هويته، كما قد يتلقى شيئاً من خصائص خصمه. فحين تقوم مملكة العنف الدموي وحدها لن تظهر إشارة ما لحق إلا وتبددها صفعة سوط سريعة. هكذا تتمادى الشرور وتتناسل من بعضها. حتى يكاد الناس العاديون يبررون لذواتهم أخطاء الكل تجاه الكل. ليس ذلك تعبيراً عن معاناة يأس أو استسلام فحسب. بل هو تسويغ للإستقالة الطوعية من أية مسؤولية، إنسانية، وليست سياسية فقط.
في سوريا مثلاً لم تعد لأية قوة شعبية أو نظامية القدرة على ادعاء الإمساك بأية مبادرة لحل عام قابل للتحقق على الأرض، سواء كان سلمياً أو عنفياً. تلك هي حال فقدان السيطرة. وليس ذلك بسبب فقدان الرؤية فحسب، فهنالك يومياً العديد من المشاريع والسيناريوهات والاقتراحات التي تتساقط جدواها بأسرع من الوقت الذي يُعلن فيها عن عناوينها. كذلك تتساقط المحاولات الدولية المتتابعة، فهي على الرغم من ندْرتها أساساً، فإنها تولد ومعها عجزها أو ضعفها. وما هذه المؤتمرات أو اللقاءات الخارجية في القاهرة أو موسكو أو بيروت وغيرها، تلك التي يُدعى لها بعضُ رموز من أصناف المعارضات، ليست هذه النشاطات لتجدي نفعاً في معضلة ما، من معضلات البلد الجريح، بل قد تنتهي غالباً إلى عقد جديدة، تُضاف إلى خزين هائل من أمثالها المتراكمة.حال فقدان السيطرة هذه لا تعانيها مختلف القوى الرئيسية في الداخل وحدها، فهي أمست صفة غالبة على التحركات الدولية، كما يبدو نموذجها الأكبر في السلوك الأمريكي منذ بداية الأزمة قبل أربع سنوات. فمن يستعرض سريعاً هذا السلوك في ذاكرته ربما سيكتشف ببساطة مدى المسؤولية المباشرة لدبلوماسية الرئيس أوباما عن استعصاء الكارثة السورية، وتداعياتها الراهنة في المنطقة، وصولاً إلى العاصفة الداعشية التي تبني دولة للإرهاب لأول مرة في هذا العصر.
نسمع اليوم أن أوباما ينتوي أن يغير شيئاً جوهرياً في استراتيجيته. وذلك في هذا الهزيع الأخير من عمر ولايته في البيت الأبيض. فبدلاً من دعوته السابقة لإسقاط النظام الأسدي. وكان ذلك ممكناً خاصة خلال الأشهر الأولى من انفجار انتفاضة الشارع السوري، ها هو الرئيس الأسمر يستبدل دعوته تلك بشعار القضاء على المشروع الداعشي ودولته الخلافية الزائفة. ليس هذا فحسب، بل هناك من إدارته من يُنظر لإنشاء جبهة دولية إقليمية، وتضم دمشق معها لمحاربة داعش. سوف تكون هذه الجبهة من النوع السريالي الذي يجمع النقائض المتناثرة اللامعقولة من أجل هدف آخر مدَّع للعقلانية العالمية.
ما بقى لأوباما من رئاسته لن يصلح [أخطاء] الماضي. من سنوات فقدان السيطرة، كانت خلالها السياسة الأمريكية شبه غائبة عن فعالية المبادرات الحاسمة في قضايا حيوية عربية. وحتى أوروبية أخيراً. فأية تحركات جديدة لهذه الإدارة، لن تتحرر من عادات التردد السابقة، كأنها بانتظار قدوم إدارة الرئاسة الأخرى التي يتحفز للاستيلاء عليها الحزب الجمهوري. مع هذه الملاحظة وهي الخشية من أن تنقلب أعراض فقدان السيطرة من حالة سياسية طارئة لفترة رئاسية محددة، إلى منهج ثابت لدبلوماسية في العجز وانعدام القدرة أو المبادرة، أو هما معاً، وذلك حتى في عهد الحزب الآخر. فهل تكون فلسفة أوباما الممتنعة عن التورط في الحروب الكبرى للآخرين، قد تحولت إلى مذهب جديد ومستقبلي لمبدأ العزلة الأمريكية القديمة.
كثيرون من عرب الأنظمة العربية لم يعودوا متفائلين حول مستقبل النفوذ الأمريكي في أوطانهم. في حين أن طلائع شعوبهم قد ترحب بهذه التحولات الحاصلة في بداياتها خلال سنوات الربيع العجاف، والتي يمكنها أن تتضاعف وتيرتها مع مخططات التعويض التي ينتدبها الرئيس لفترة النهاية القادمة. فلقد دأب أوباما على تطمين رجاله القلقين من التردد والعجز، فيطالبهم با(الصبر)، كأنه بانتظار نتائج مفاجئة كثمار ناضجة لما يدعوه هو نفسه بالدبلوماسية الناعمة. غير أن التطمينات السابقة لم تأت إلا بالخيبات الفاشلة ومشتقاتها من الكوارث على الشعوب المغدورة بأرواح أبنائها ومصالحها الحيوية.
(فقدان السيطرة) قد يكون عذراً للقاصرين والضعفاء، لكنه بالنسبة للأقوياء هو أشبه ما يكون بتنصّل أيديهم اليمنى عما ترتكبه أيديهم اليسرى، وقد تسمى هذه الازدواجية بالسياسة الذكية، لكن من يحترم هذا الذكاء لدى هؤلاء لن يجد من يحترمه بين أبناء عشيرته أو قومه. وهذه حكمة دهرية لولاها لانعدمت ثقافة الصدق من تاريخ الإنسان من دهور.
٭ مفكر عربي مقيم في باريس
مطاع صفدي