عندما سيخرج أوباما من البيت الأبيض بعد سنتين ربما سيقال عنه أنه هو الرئيس الأمريكي الوحيد أو شبه الوحيد الذي لم يعلن حرباً فعلية على أية دولة أو على الأقل لم يرسل جيشاً أمريكياً إلى جبهة دولية. لكن هناك من سيرد بالقول أن هذا الرئيس لم يقاتل أحداً بعسكره الأمريكي لكنه ترك بعض الآخرين يوقودون حروباً ومهالك ضد بعضهم. سوف يكتشف خبراء الدبلوماسيات العالمية أن الرئيس الأسمر الفريد في لونه، كان فريداً كذلك في تصميمه وممارسته لمدرسة سياسية قائمة في ذاتها على مبدأ وحيد وصعب ويتلخص في جعل الآخرين دائماً ينوبون عن المخطط الفاعل الأصلي فيما ينويه هو من أهداف وما يختاره من وسائل لتحقيقها.
إنها سياسة استنابة الضحايا لأن يكونوا مدبّري مهالكهم، هم أسياد أهوالهم ومبتكرو فظائعها، وهم مجرموها، ومن ثم حكامها. هذه المدرسة فريدة نوعها، إنما تجدد ثقافة «المؤامرة» تبعثها من رميمها، لا تعود تفصل بين المتآمرين وضحاياهم، بل تصبهما معاً في قوالب الفعل والانفعال وتكاد توحّد ما بين ملامح الشياطين والملائكة في وجوه لهم من خلائط البشرية المعذبة وشياطينها السرية كذلك.
لم يحدث في تاريخ الكفاح العربي المعاصر أن افتقد الرأي العام حسّ المسؤولية، مثلما يقع اليوم لشعوبه من كوارث وفواجع، كما هي حاله الراهنة. فالفظائع المرتكبة تتفوق على قوى الاحتمال لدى الكتلة الأكبر المغلوبة على أمرها. كأنما لم تبق لدى الجماعة أية إرادة عليا حاكمة وقادرة على منع الهول من استفحاله وانتشاره وتدميره المتضاعف لأبسط شروط الأمن الإنساني العادي.
ذلك أن البطش الدموي قد تعدَّى كلّ حدودَ الهمجيات الواردة لما قبل التاريخ. أسقط عن السياسة آخر ادعاءاتها الأخلاقية. إنها مجازرعُتاة البشرية في ظل الثورة المسروقة قد غطّت على فضائح المبادئ (الوطنية) في عهود دول الاستبداد المنقرضة أو من هي في طريق الانقراض.
إذن يمكن لأوباما خلال تقاعده الآني من الرئاسة أن يفاخر كل الرؤساء (البيض طبعاً) الذين سبقوه، بكونه لم يستقبل جنازات لجنود مقتولين طيلة مدة حكمه. لم يرسل جيوشاً جرارة للقتال في صحارى العرب. لكنه دأب على إرسال الآلاف من أصناف الرجال السريين تحت مصطلحات تسميات تقنية من خانة المستشارين والخبراء والصحافيين. كان أوباما، أستاذ العلوم السياسية الجامعي أصلاً، يستثمر ذكاءه المعرفي ليس في إبداع خطط لتعزيز السلام العالمي، كما كان يدعى في مرحلة ترشحه للرئاسة، فالرجل العريق في تفهم جوهر التفوّق الأمريكي يعرف أن تحقق التفوق يتطلب التملك من القوة المطلقة. وهذه بالطبع لا يمكن توفيرها إلا بأعلى وسائل العنف. والحرب هي قمتها. فلا مناص من الحرب، لكن تكاليفها الهائلة كادت أن تُفلس ماليةَ الإمبراطورية قبل الإنجاز النهائي لمشروع الإمبريالية الأحادية، في السيطرة على عالم اليوم والغد. كما أن هدر دماء آلاف الرجال، والبيض منهم خاصة، وعطالة عشرات الألوف الأخرى نفسياً وجسدياً، قد يصيب التميز العنصري للشعب الأمريكي بفقدان توارثه البيولوجي إزاء العروق الأخرى الغازية له في كل مجال اجتماعي وعضوي.
ذلك المشروع كان واحداً من أهم قرارات الحكومة العميقة، المعروفة تحت مصطلح «المؤسسة» وهو قرار ألا تحارب أمريكا إلا بقوى الآخرين، برجالهم وأموالهم. وقد كانت تجربة الإفتتاحية الأولى لهذه (المدرسة) هي النموذج الأفغاني في معركة استنزاف الاتحاد السوفييتي، والممهدة لانهياره الكامل من داخله؛ إنها نوع من صيغة التجربة المطلقة التي يمكنها أن تمدّ أصحابها بأصعب الوسائل المؤدية إلى تحقيق أهداف كبرى، كانت أشبه بالمستحيلات. وقد استكملت هذه التجربة الفذة صعودها نحو ذروتها مع انطلاقة ثورات «الربيع العربي» البائس. فكان أن وفرّ لها أخطر الإمكانيات المطواعة لإرادة التلاعب بأدواره عن بعد وعن قرب معاً. لقد اكتملت شروط الضرورة العقلانية والتقنية لصناعة نوع الحروب المستنابة. إنها الصناعة الأعلى التي تؤلف ذروة الرأسماليات الاقتصادية السياسوية. صناعة منتجة كل يوم لأصناف الموت، طَبَقتُها الفاعلة هي الشعوب المتقاتلة عبثاً. واقتصادها كله من فصيلة الحطام، من البشر المقتولين والمذبوحين والمشوهين والمهجرين والمشردين..
والحقيقة فإن الرئيس الذكي أوباما اختار لرئاسته أن تمتهن من شؤون صناعة الحرب فنَّ هندستها، هكذا مثلاً: كيف ينشئ شرذمة مقاتلة أو ميليشيا منظمة، أو جيشاً حقيقياً. كيف يتم اختيار المقاتلين، عمال القتال، كيف يتم تدريبهم وتسلحهم وتوجيههم نحو الأهداف المرسومة. ويبقى سؤال كيف تُشْعِل معركة أو تعلن حرباً شاملة، كيف يتم بثّ الإعلام المتكاذب. كيف تُصاغ التصريحات المسمومة، كيف تدار المناورات السياسّية الملفقة. كيف تُخترع مؤتمرات الوفاقات الخادعة ويتم تبادل الدسائس بين العداوات المتصالحة.
يقال غربياً أن عالم اليوم يعيش عصر الرأسمالية المعرفية. وبرهانها الساطع هو هسيتريا التواصل الالكتروني الذي غدا يستخدم أدواته مئات ملايين البشر. هذه البضاعة التي أريد لمستهلكيها أن يتنفسوها كالهواء. هذه التجارة السحرية، وفي عهد أوباما نفسه، ومن حسن حظه أن اختراعاتها ورواجها الأسطوري قدأنقذت رأسمالية أمريكا من سقوطها الأخير. أوقفت خط انهيارها المحتوم وها هي تعيد خط التصاعد نحو سويّة كادت تغيب إلى الأبد عن ساحتها كلياً.
هذه الرأسمالية الالكترونية الأحدث لا تغزو الدول فحسب، لقد جعلت معظم شباب وفتيان الشرق جنوداً متطوعين ذاتياً كجيوش افتراضية مستنفرة لهواتفها النقالة وشاشاتها البراقة. أمريكا الأوبامية كاشفة اليوم لوجدانات مليارات بشر الأرض. عقول الناس، الشباب وأذواقهم باتت مرتهنة كلَّ حين، لأية ملحوظة شائعة، موضة، صرْعة. غدا الناس جميعاً موحدين في جسد صناعي (روبو) واحد، وهو في حال دائم لتلقي أوامر سيده. صار إنساننا العالمي مجرد برنامج الكتروني كواحد من برامج هاتفه النقال. ليس هذا من مبالغات التوصيف اللفظوي. إذ أصبح هذا الإنسان الموصوف بالعالمي ليس هو عالمياً إلا من حيث حالة فقدان المناعة الذاتية ضد الغواية الالكترونية، أي قابلية الاستجابة الفورية للرسائل المنبثة ضوئياً أو صوتياً. ولعل أسوأ استجابة تجارية عالمية هي الموصوفة باللامبالاة، وتحديداً بهذه اللامبالاة ضد مرتكبي المظالم الهمجية.
مع معرفة (الرأي العام) الدولي أن المريع في هذه الدراما الكونية أنه يمكن لأية قوة دولية أن توقف مظَلْمة ما إن شاءت، غير أن زعيمة العالم أمريكا، بعد أن منعت عن ذاتها أن تكون هي القاتلة أو المقتولة مباشرة فإنها أباحت للآخرين لأضعف أصنافهم أن يتقاتلوا فيما بينهم. فحروب الصغار هي تعويض مقلوب عن حروب الكبار ضد بعضهم، أو بالأحرى هي حرب الكبار الواحدة ضد كل الصغار.
لماذا لا يغضب من يسمى بالرأي العام العالمي ضد وحوش المشرق. هل بات يتمتع كلَّ صباح بسماع أخبار الذبح والتهجير أو التجريف، تجريف الأحياء عن أراضي آبائهم وأجدادهم نحو صحارى الموت والعطش. هل، لأن أوباما، إن ترك (الثوار) يسقطون مصنع الوحشية العظمى في دمشق، قد تتوقف مظالم المشرق كله. قد تبطل مدرسة الحرب المستنابة، وربما بعد ذلك قد يعاود الاقتصاد الأمريكي خط انهياره السابق..
هذا التشبث العجيب لأوباما بمحبة «البراميل المتفجرة» الهابطة كل ليلة أو كل صباح على رؤوس فقراء سوريا، هذا الرجل أمسى يعتقد أن رهانه الأعظم على الصلح مع ملالي طهران قد يشرّع له بيع سوريا لمقاولي المذهبيات السارحين بين أصقاع الشام والرافدين، والمفتعلين لكل خصائص همجيات الماضي الحيواني للإنسان المعاصر.
يريد أوباما قبل أن يحين رحيله عن البيت الأبيض أن يورث المشرق لدويلات المذهبيات. وبذلك يمكنه أن يطمئن أن مستقبل أخطر منطقة استراتيجية سوف تحكم على ذاتها بالغرق في مستنقع لا قرار له إلى أبعد مستقبلِ بحيث لن تقوم في أية بقعة منها أية نزعة مقاومة أو تمرد على مصالح (العالم المتحضر).
تلك هي الوصية الخبيثة وقد انتظرت دورها لقرن كامل كيما تتكامل مع مقدمتها الأولى في وصية سايكس بيكو؛ فما بعد تقسيم جغرافية المشرق، يُصار اليوم النقلة من تقسيم الجغرافية إلى تفتيت شعوبها، وحينما ستخوّل أمريكا إعطاء حق وكالتها إلى وريثتها إيران، سوف تكرس مدرسة الحرب المستنابة كأعلى قانون مسيطر على عالم العرب والإسلام، وليس المشرق وحده.
ذلك هو مصير يخالط خيال الكثيرين من الأعداء وكذلك من بعض أصدقاء شعوب المنطقة المرتهنة لسيناريوهات مريعة تتجاذب مستقبلها. ليس هذا هو الحال المخيف حقاً، بل ما هو الأفجع أن هذه «الأمة» يبدو أنها كفّت عن اختراع سيناريو خلاص. لم تعد تبحث عن خلاص تعتقد أنه لم يعد موجوداً..
٭ مفكر عربي مقيم في باريس
مطاع صفدي