الدوحة – «القدس العربي»: لم يسبق لقناة أو محطة أو مؤسسة إعلامية أن تعرضت لمضايقات وعلى دعم دولي في آن واحد، مثلما حصل مع شبكة «الجزيرة» منذ انطلاق بث القناة سنة 1996 اختارت الإصطفاف إلى جانب الشعوب العربية، وكانت بوصلتها الأولى. خيار الوقوف إلى جانب من لا صوت لهم جعل «الجزيرة» تدفع الثمن غاليا حسب تصريحات مسؤوليها في تحليلهم لواقع حال الشبكة التي تعمقت معاناتها أكثر مع أحداث الربيع العربي. في مصر واجهت شتى صنوف المضايقات، من منع البث، إلى توقيف واعتقال موظفيها وسجنهم.
احتفال «الجزيرة» هذه الأيام (الأول من تشرين الثاني/نوفمبر) في ذكرى تأسيسها السنوية، كان محطة هامة للفت الأنظار لمعاناتها، من أجل الالتزام بأحد أبرز حقوق الشعوب وهو تعزيز حرية التعبير، وضمان أمن وسلامة طواقمها العاملة في مناطق تزيد فيها الرقابة وتضيق على وسائل الإعلام هوامش الحركة والعمل. وتبنت منظمات دولية ومسؤولو الدول قضية معتقلي «الجزيرة» وانضم مليارا شخص لوسم «أطلقوا سراحهم» في شبكة الانترنت للضغط على السلطات المصرية للاستجابة لهذه المناشدات.
مضايقات عابرة للقارات
معاناة «الجزيرة» التي تصنف مع كبريات الشبكات الإعلامية دوليا، لم تقتصر فقط على الوطن العربي الذي تفرض أغلب دوله قيودا على الإعلام، بل حتى عانت من مشاكل في دول غربية منذ أحداث 11 ايلول/سبتمبر 2001، وكان من أبرز هذه المشاكل اعتقال السلطات الإسبانية مراسل القناة تيسير علوني في منزله يوم الجمعة 5 أيلول/سبتمبر 2003، ووجه إليه القاضي بالتاسار غارثون عدة تهم مفادها الإشتباه في علاقته بتنظيم «القاعدة». وما حصل لعلوني الذي اشتهر خلال تغطيته للحرب الأمريكية على أفغانستان ليس أول ولا آخر حدث من فصول التضييق على قناة «الجزيرة» والعاملين فيها. واعتقل سامي الحاج، أثناء أداء عمله في أفغانستان، بتهمة الانتماء للقاعدة، وأودع معسكر غوانتانامو في كوبا، وهو حاليا يترأس قسم الحريات في الشبكة ويعمل على الدفاع عن زملائه المضطهدين في أكثر من منطقة، فيما لا تزال ذكرى استشهاد المراسل طارق أيوب في 8 نيسان/إبريل 2003 جراء إصابته بجروح بالغة في القصف الأمريكي على مكتب «الجزيرة» في بغداد، جرحا لم يندمل.
قصة اعتقال
مصر لصحافيي القناة
أصيب العاملون في شبكة «الجزيرة» في مختف مكاتبها بالذهول عندما تواتر نبأ اعتقال السلطات المصرية لثلاثة من زملائهم أثناء أداء مهامهم أواخر كانون الأول/ديسمبر2013، وذلك على خلفية عدة تهم أبرزها الإنتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وتكدير السلم العام، ومساعدة المتهمين المصريين في ارتكاب جرائمهم من خلال إمدادهم بمواد إعلامية ونشرها. واعتبر مسؤولو «الجزيرة» أن القرار جائر ويمس أحد أهم حقوق الشعب المصري وهو حرية التعبير ويضيق على مؤسسة إعلامية تقوم بدورها. وعلى عكس ما توقعه الكثيرون لم يشكل الحكم، الذي أصدرته محكمة جنايات القاهرة بسجن طاقم قناة «الجزيرة الإنكليزية» المعتقل لدى السلطات المصرية منذ نحو 180 يوما، نهاية القضية بل مرحلة جديدة. وقضت المحكمة بسجن الزميل باهر محمد عشر سنوات، وحكمت على بيتر غريستي ومحمد فهمي بالسجن سبع سنوات حضوريا، وحكم بالسجن عشر سنوات غيابيا على الزملاء أنس عبد الوهاب وخليل علي خليل وعلاء بيومي ومحمد فوزي ودومينيك كين وسو تيرتن.
وخلال 12 جلسة للمحاكمة استمرت على مدار ستة شهور لم تتضمن اللائحة التي قدمتها النيابة أي دليل حسّي قاطع يدين صحافيي «الجزيرة» ولم تتضمّن سوى فيديوهات من قنوات غير الجزيرة وتسجيلات صوتية رديئة الجودة وغير مفهومة، حيث أكد الدفاع للمحكمة أن ما عرض من أشرطة فيديو لا يمت إلى القضية بأي صلة.
حملة مضايقات
ووقف عمل الشبكة
يؤكد مسؤولو «الجزيرة» أن الحكم بسجن صحافييها يعد تتويجا لحملة مضايقات واسعة شنتها السلطات المصرية على مكاتب وطواقم الشبكة منذ عزل الرئيس المصري محمد مرسي في الثالث من تموز/يوليو 2013. وأكدت أنه خلال الحملة تعرضت مكاتب «الجزيرة» في مصر لعدة اقتحامات تمت خلالها مصادرة عدد من الأجهزة الخاصة بها، كما دهمت قوات الأمن فريق قناة «الجزيرة مباشر مصر» واحتجزت 28 منهم لعدة ساعات، وتم توقيف خمسة من طاقم «الجزيرة الإنكليزية» في السويس لعدة ساعات. وتعرض عدد من الزملاء في «الجزيرة» للإعتقال في مصر بسبب عملهم، منهم الزميل المراسل عبد الله الشامي على خلفية تغطية فض قوات الأمن اعتصام أنصار مرسي في ميدان رابعة العدوية، والزميل محمد بدر مصور «الجزيرة مباشر مصر» على خلفية أحداث رمسيس. وتم طرد مدير مكتب «الجزيرة» في القاهرة عبد الفتاح فايد من مؤتمر صحافي لوزارة الداخلية في 9 تموز/يوليو الماضي، ومنذ ذلك التاريخ منع مراسلو «الجزيرة» من تغطية المؤتمرات الصحافية الرسمية.
تنديد دولي بالأحكام
ومنذ بداية الحملة التي قادتها السلطات المصرية على صحافيي «الجزيرة» تعهدت نحو 180 منظمة صحافية وحقوقية وإنسانية بدعم شبكة «الجزيرة» في مساعيها القانونية للدفاع عن حقها تجاه ما تتعرض له من جانب السلطات المصرية. كما انتقدت منظمة «صحافيون بلا حدود» الممارسات الموجهة للصحافيين في مصر ووصفتها بأنها «تزداد عدائية». ومع صدور حكم المحكمة تواصلت ردود الفعل الدولية والحقوقية والصحافية رفضا للأحكام القضائية المصرية، وسط تنديد دولي بتلك الأحكام التي وصفت «بالهجوم الوحشي» على الحريات. وأعتبرت المنظمات الدولية والحقوقية الحكم صادما ومثيرا للقلق على مستقبل الصحافة في مصر، وطالبت الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق سراح الصحافيين وإسقاط الأحكام. كما نُظمت عدة وقفات احتجاجية في «الجزيرة» ومؤسسات إعلامية أخرى في مختلف أنحاء العالم. وأنتقد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أحكام السجن التي قضت بها محكمة جنايات القاهرة على صحافيي شبكة «الجزيرة» بينما أدانت عدة منظمات وهيئات دولية أخرى تلك الأحكام.
وقال الأمين العام الأممي إن محاكمة صحافيي «الجزيرة» تفتقر لأبسط معايير المحاكمات العادلة، بينما طالبت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة السلطات المصرية بإطلاق سراح صحافيي «الجزيرة». وقالت نافي بيلاي إنها تشعر بـ»الصدمة والقلق» إزاء صدور تلك الأحكام التي وصفتها بأنها «فظيعة ومهزلة مطلقة للعدالة». وقالت منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) إن الحكم «صدر من دون أن يستند إلى أي أدلة». وأكد جو ستورك نائب مدير إدارة الشرق الأوسط في المنظمة أن «الحكم يوضح كيف أن قضاة مصر أصبحوا متأثرين بهستيريا العداء للإخوان المسلمين التي يغذيها الرئيس عبد الفتاح السيسي». وفي فرنسا، اعتبرت منظمة «مراسلون بلا حدود» المدافعة عن حقوق الصحافيين أن الحكم «أثبت التوجه الشمولي للنظام المصري». وقال أمين عام المنظمة كريستوف دولوار إن «السلطات المصرية تواصل سياسة تكميم وسائل الإعلام التي ترغب في تقديم رؤية للحقيقة مختلفة عن رؤية السلطة». ووصفت منظمة العفو الدولية (أمنستي) الحكم الصادر عن المحكمة المصرية «بالهجوم الوحشي» على حرية الإعلام، واعتبرته مدمراً بالنسبة للصحافيين وعائلاتهم. من جهتها، قالت المديرة التنفيذية لمنظمة «مؤشر الرقابة لحرية التعبير» إن الحكم القضائي الذي أصدرته المحكمة المصرية في حق صحافيي «الجزيرة» يمثل حالة مشينة. وأضافت جودي غنزبيرغ «أنه ليست هناك مبررات وأدلة إثبات تسند الأحكام التي صدرت اليوم في حق صحافيي الجزيرة».
وأدانت شبكة «الجزيرة» عشية احتفالها بذكرى تأسيسها السنوية أحكام السجن بحق عدد من صحافييها، ووصفت ذلك بأنه «ينافي المنطق ويجافي أي شكل من أشكال العدالة» متعهدة بمواصلة حملتها من أجل إطلاق سراح صحافييها. وكانت المناسبة فرصة للشبكة للتأكيد على ضرورة مراجعة السلطات المصرية لأحكامها وإطلاق سراح موظفيها وعودتهم إلى بيوتهم. وعبر مدير قناة «الجزيرة الإنكليزية» آل أنستي عن استيائه واصفا الحكم بأنه «ينافي المنطق». وقال إن الحكم يقضي ببقاء صحافيي «الجزيرة» خلف القضبان عقابا على أدائهم وظائفهم كصحافيين محترفين.
وأضاف أن جلسات الاستماع شهدت لحظات عديدة كانت كفيلة بإلغاء هذه المحاكمة لو كانت أمام أي محكمة عادلة، منوها بالدعم الذي لقيه صحافيو «الجزيرة» ووصفه بأنه كان «قويا لافتا موحدا وعالميا».
وانتقدت شبكة «الجزيرة» الإعلامية بشدة الملاحقات التي تقوم بها السلطات المصرية لصحافييها بإلصاق اتهامات جنائية بهم. وأوضحت أنها تملك ترخيصا قانونيا ساري المفعول حتى 2016 بالعمل في مصر، معتبرة أن ما تقوم به السلطات المصرية ضد صحافيي الشبكة هدفه قمع الصحافة وإرهاب الصحافيين.
د.مصطفى سواق:
تضامن دولي غير مسبوق
يؤكد الدكتور مصطفى سواق مدير عام شبكة «الجزيرة» بالوكالة في تصريح خاص لـ»القدس العربي» أن حرية الصحافة في مصر تشهد تراجعًا بشكل غير مسبوق، يعد الأبرز في تاريخ البلد الحديث، مشيرًا إلى أن الحديث عن حرية الإعلام، يتبعه الحديث عن الحريات الأخرى، إذ إن الحريات الصحافية تعد جوهر الحريات التي يناضل من أجلها الإنسان العربي في كل مكان». وقال إن وضع «الجزيرة» في مصر استثنائي، في ظل الحملة الإعلامية الموجهة ضدها، والتي وصفها بأنها غير مسبوقة، ليس هدفها فقط منع «الجزيرة» من العمل في مصر، بل إرهاب الإعلام والعاملين فيه بشكل عام. وشدد د. سواق على ضرورة إطلاق سراح صحافيي القناة دون قيد أو شرط، كونهم لم يرتكبوا جريمة يستحقون عليها العقاب، وعلى السلطات المصرية أن تبادر بإطلاق سراحهم اليوم قبل الغد، أو حتى الإنتظار إلى حين النظر في قبول الطعن على الاستئناف المقدم من قبل محاميي «الجزيرة» على سجن صحافيي «القناة الإنكليزية» مؤكدًا أنها ستلجأ الى التحكيم الدولي لإطلاق سراحهم. ويقول سواق «حملات العلاقات العامة التي تشن على «الجزيرة» تقوم على مجموعة من الأكاذيب، ونحن لا علاقة لنا بالسياسة، نحن مهنيون، وبحثًا عن سبيل لوقفنا عن القيام بمهمتنا تسعى السلطات المصرية لتجريم هؤلاء الإعلاميين» مؤكدًا أن هناك قناعة تامة بأن الحكم ضد أحمد منصور وصحافيي القناة الآخرين هو جزء من اتهامات باطلة وملفقة وأحكام جائرة، ولا تستند إلى أي أدلة، ويضيف: «نحن على ثقة تامة من براءة صحافيينا مئة في المئة، لذلك نطالب بسرعة إطلاق سراحهم، كونهم لم يرتكبوا أي مخالفة مهنية». وقال إنه ليس من المهم الطريقة التي يتم إطلاق سراحهم بها سواء أكانت عفوًا رئاسيًا أم قبولًا للطعن على سجنهم «فالمهم هو إطلاق سراحهم، والإعتذار لهم عن المدة التي قضوها في السجن، والتي تزيد حاليًا عن 300 يوم، علاوة على صدور أحكام على صحافيين غيابيًا، ومنهم أحمد منصور». وأعرب مدير عام شبكة «الجزيرة» بالوكالة عن أمله في «أن تستعيد السلطات المصرية سمعتها بإطلاق سراح صحافييها، وأن تبادر الى مراجعة موقفها من الإعلام، فالصحافة ليست جريمة» مؤكدًا أن «الجزيرة» ستواصل حملتها الدولية لإطلاق سراح صحافييها في مصر، وذلك بالتعاون مع الجهات الدولية المختلفة، والتي اعتبرت جميعها ما تتعرض له القناة ممارسات خاطئة تتصف بقمع الحريات الإعلامية، وتعد شكلاً من أشكال الإرهاب الإعلامي. وقال الدكتور مصطفى في تصريحه، أن المساندة الدولية العابرة للقارات التي تتلقاها الجزيرة تؤكد عدالة قضيتها، مشيرا إلى أن الوسم الذي أطلق في شبكات التواصل الاجتماعي «أطلقوا سراح موظفي الجزيرة» تجاوز عدد متابعيه 2 مليار شخص، وهو رقم غير مسبوق في أي حملة دولية أخرى، ويدل على مدى تأكد العالم من براءة الزملاء. وقال سواق أن زعماء دول عدة على غرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ووزير خارجيته جون كيري، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وغيرهم من الزعماء عبروا عن تضامنهم المطلق مع مسجوني «الجزيرة» وأكدوا ضرورة إطلاق سراحهم الفوري واللا مشروط. وفي رده على سؤال حول آليات تعامل الفريق القانوني للشبكة مع عشرات القضايا المرفوعة ضدها في أكثر من مكان، وكيف يسيرون هذه الملفات بلغات وبقوانين عدة مختلفة، يؤكد الدكتور سواق أن الشبكة تتعامل مع مختلف القضايا المطروحة ضدها بطريقة معروفة ويعمل عليها فريق حقوقي كفء متمرس في مثل هذه الملفات. وأشار إلى أن «الجزيرة» تستشير مكاتب محاماة دولية في بريطانيا وأمريكا وفرنسا وفي معظم الدول العربية للتعامل مع مختلف قضاياها وهم محامون متمرسون لديهم خبرة وتجربة عميقة. ويكشف أن كل القضايا الملفقة ضد الشبكة فشلت لأنها تستند على خلفيات سياسية ولم تكن تتعلق بأخطاء مهنية أو تجاوز لميثاق الشرف الذي يلتزم به كل من يعمل في الشبكة.
وقدمت شبكة «الجزيرة» استئنافا للقضاء المصري ليتم بموجبه إعادة النظر في الأحكام الصادرة في حق صحافييها وسيتم النظر فيه بداية السنة المقبلة وهو موعد ينتظره الجميع من أجل إطلاق سراح صحافيين تؤكد شبكة «الجزيرة» براءتهم وعدم ارتكابهم أي خطأ.
سيلمان حاج إبراهيم