حتى لأصحاب الذاكرة القصيرة، فان اسم ريتشارد كلارك كفيل بان يذكرهم بشيء ما. فكلارك كان «القيصر» المسؤول عن الحرب ضد الإرهاب في ادارة بيل كلينتون، وبعد ذلك، لفترة قصيرة، في ادارة جورج بوش. فقد كان كلارك هناك عندما ضربت الطائرات البرجين التوأمين والبنتاغون، وكان هناك بعد ذلك لنحو سنتين اخريين إلى ان استقال من الخدمة في ادارة بوش. وكان اكتسب شهرته الاساس بين الجمهور عندما أدلى بشهادته امام لجنة التحقيق في احداث 11 ايلول، ومع نشر الكتاب الذي ألفه. وكان هذا كتابا انتقاديا جدا: كنا مقتنعين بان هجوم القاعدة متوقع قريبا، كتب يقول، ولكننا لم نتمكن من نيل الاهتمام من جانب القادة المسؤولين ـ الرئيس بوش وكبار رجالات ادارته.
هذا الاسبوع حث كلارك الرئيس الحالي براك أوباما. في حالته، صعب الشك بان هذا انتقاد سياسي ـ من النوع الذي اطلق في واشنطن هذا الاسبوع بكميات مبالغ فيها. فقد ادعى كلارك الذي يتولى الان منصب رئيس معهد بحث بان أوباما يبدو هادئا في تناوله لامكانية إرهاب داعشي على الاراضي الأمريكية. صحيح أن أمريكا ابعد عن الشرق الاوسط من أوروبا، وبالتالي اقل عرضة للإرهاب. صحيح انها محمية اكثر من أوروبا، لانها اعتادت على وسائل الامن ضد الإرهاب منذ احداث ايلول اياه. صحيح ان فيها سكان مسلمون مغتربون أقل وجيوب راديكالية أقل مستعدة لاتخاذ العنف السياسي الاجرامي. كله صحيح ـ ومع ذلك: عندما اصطدم كلارك برئيس هادىء، بات اقل هدوء. مسألة تجربة.
ولكن في حالة الرئيس أوباما، الهدوء هو نمط حياة. رد فعله على العمليات الاجرامية في فرنسا كان مضبوطا. فالكثيرون، حتى في اوساط مؤيديه الخالصين، يعتقدون بانه كان مضبوطا اكثر مما ينبغي، بالنبرة وبالفعل. فهو لم يعد بالكثير، ولم يغير الكثير. عمليا ـ بزعمه ـ لم يغير شيئا. لدى الولايات المتحدة خطة عمل، وهي تعتزم التمسك بها. صحيح ان بعض عناصرها تأكدت كغير ناجعة بل وفشلت عمليا: واشنطن تعهدت بتدريب مجموعات من الثور «المعتدلين» أي، ليس إرهابيي داعش أو القاعدة ـ كي يتمكنوا من اداء دور ايجابي في حسم الحرب في سوريا وفي استقرار الدولة. قلة تدربوا، معظمهم قتلوا، والباقون فروا. ولكن توجد ايضا عناصر اخرى تفعل ما تراه مناسبا. فالحصار على داعش يتوثق ببطء، وثمة من يعتقدون بان العمليات هي دليل على ذلك: ففي غياب الانجازات على الارض لهذا التنظيم، فانه يضطر إلى انتاج انجازات صورية في اماكن اخرى.
لقد تعهدت واشنطن بقصف اهداف داعش، وفعلت ذلك. وفي عدة مناطق ادى القصف إلى انسحاب التنظيم من مناطق كان يسيطر فها. وبالطبع توجد اماكن يواصل السيطرة فيها، بما فيها مدن كبرى ليس لأمريكا قدرة وصول اليها بسبب رغبتها في الامتناع عن المس الواسع بالمدنيين الذين يسكنون فيها. ومع ذلك، ستكون الان اعداد اكثر قليلا من عمليات القصف، على الاقل كرد فوري على العمليات. ولكن أوباما وقادة ادارته لا يريدون الصعود إلى طابع اعلى من هذا، وفضلا عن ارسال مجموعة صغيرة نسبيا من القوات الخاصة للمساعدة في تدريب وحدات محلية معنية بقتال داعش.
لقد حققت المساعدات للاكراد نتائج. اغلاق افضل للحدود الشمالية في سوريا ـ مشروع يساعد الأمريكيون فيه الاتراك، سيجعل من الصعب، كما يأملون، ارسال المؤن وتسلل المقاتلين إلى داعش. ويصر أوباما على أعمال بطيئة، منهاجية، مضبوطة. وهو يتحدث عن معركة تستغرق سنوات. وبالطبع، ثمة من يعتقدون بانه كان يمكن عمل ذلك بسرعة اكبر، وبحدة اكبر. واخذ مخاطرة اكبر. وكلاك هو واحد منهم: فهو يعتقد بان الولايات المتحدة يمكنها وينبغي لها ان تبعث بقوات برية للقتال في معارك هامة، ولا سيما من أجل اقتلاع داعش من المدن.
مشكلة أم حل
يركز أوباما في النقاش في الحل السياسي المرغوب فيه لسوريا. هذا في نظره المفتاح الحقيقي لكل تقدم. وزير خارجيته جون كيري اتهم بشار الاسد، الذي لا يزال يسيطر في قسم من سوريا ويتمتع الان بتأييد الجيش السوري، بعقد تحالف مع داعش. فهم يبيعون النفط، وهو يشتري النفط. توجد بينهما منفعة متبادلة، كما اتهم وزير الخارجية الأمريكي ـ وليس للمرة الاولى. كيري يدعي منذ اشهر عديدة بان بين نظام الاسد وبين العصابات المسلحة لداعش لا توجد حرب حقيقية. وهو يخشى، مثلما يخشى كثيرون آخرون ايضا، بان الاسد سيكون الكاسب الاكبر من العمليات في باريس. فهي ستصرف الانتباه عنه إلى غيره، وستعرضه بصفته الحل للمشكلة، وليس كمشكة تتطلب حلا.
ادارة أوباما، في هذه المرحلة على الاقل، ترفض ان تغرى لمثل هذا الحل. صحيح أن الرئيس اعترف، وان لم يكن وجه اصبع اتهام صريح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بانه يوجد «خلاف» بين الولايات المتحدة وبين لاعبين آخرين في ساحة الشرق الاوسط حول كيفية حل الازمة السياسية في سوريا. ولكن خطته في هذه المرحلة هي محاولة انتاج حل يتضمن ايضا رحيل الاسد ـ الخطوة التي يلتزم بها ـ وكذا حرب منسقة اكثر، تضم ايضا الروس، والان، بالطبع، الفرنسيين ودول اوروبية اخرى ايضا، ضد داعش.
لقد أعرب أوباما عن الصدمة، وهي حقيقة بلا شك، من العمليات في باريس ونتائجها. ولكن احد نتائجها بالذات يخدمه جيدا: فهو رئيس منذ سبع سنوات يصر من حفظ أمريكا عن غريزتها في أن تكون الشرطي الحصري لمشاكل العالم. سنوات طويلة من الحرب في العراق وفي افغانستان أتعبت الجمهور الأمريكي ورفعت أوباما إلى الحكم. والرئيس يتذكر ما وعد به ويعتزم الايفاء به: فهو لن يورط أمريكا في حرب اخرى لا يؤمن بها، سيمتنع عن كل تدخل أمريكي يستوجب تواجد عسكري دائم، مستنزف ونازف للدماء على ارض الشرق الاوسط، وهو سيجتهد، بأفضل ما يستطيع، كي لا يمارس القوة الأمريكية دون أن يكون شركاء حقيقيون في الحرب. وبتعبير آخر: أمريكا أوباما لن تحمل حروب العالم على ظهرها.
هذه سياسة لها بالطبع نواقصها: فهي تسحق صورة القوة الأمريكية وتدفع الخصوم والحلفاء للتساؤل في قدرتهم على تحدي القوة العظمى ـ او الاعتماد عليها عند الحاجة. فقد ادى هذا بروسيا بوتين إلى الاستنتاج بان بوسعها ان تعمل بحرية اكبر مقارنة بالماضي. اما الاسد فقد أتاح هذا بقاءه في الحكم. فقد وافق أوباما على المشاركة في اسقاط نظام معمر القذافي في ليبيا ـ الخطوة التي ليس واضحا أي خير بالضبط نشأ عنها ـ ولكنه قرر بان الولايات المتحدة «ستقود من الخلف» هذه المعركة. أي: ستسمح للاخرين بالقيام باساس العمل. وفي سوريا ايضا رفض، المرة تلو الاخرى، تعميق التدخل الأمريكي.
اذا خرجت قوات برية أمريكية إلى المعركة، فهي بالتأكيد ستنتصر على داعش، كما يقول رجال الرئيس. ولكن ماذا سيحصل بعد ذلك؟ من سحافظ على المنطقة؟ من اللحظة التي تنتصر فيها الولايات المتحدة يكون عليها ضغط لضمان المنطقة التي احتلتها، وعندها سيكون عليها ضغط للبقاء، لحماية السكان، وعندها ستبدأ العمليات ضدها فضطر إلى ارسال المزيد من القوات للحماية. المنحدر السلس يوجد كل الوقت في الافق، وهو لا يريد أن يقترب منه. هو لن يقترب منه.
ملء الفراغ
على أي حال، تسمح العمليات بتصور سيناريو أكثر واقعية، تقرر فيه دول اخرى ان تأخذ على عاتقها اكثر مما اعتادت عليه في اطار النظام العالمي الذي أمريكا فيه هي التي تأخذ على عاتقها معظم المهام. ولا بد ان للفرنسيين مصلحة الان في المشاركة في معالجة مشكلة داعش. وفي عواصم اوروبية اخرى ايضا، شاهدت في منتصف الاسبوع بدهشة، كيف تغلق استادات كرة القدم لديها، مقدسات الجمهور، الواحد تلو الاخر، سيجرى تقدير من جديد لمدى الاستثمار اللازم والوسائل التي تبدي أوروبا الاستعداد للمساهمة بها كي تهزم داعش. وها هو بالتالي ضبط النفس لدى أوباما كان مجديا بالطبع بهذا المعنى: دول اخرى سضطر لملء الفراغ الذي لا تكون أمريكا مستعدة لملئه.
وبالطبع، تبقى على حالها مسألة إلى اين سيقود الجميع كل هذه النية الطيبة. في هذه اللحظة أسهل على الاوروبيين وعلى الأمريكيين معا شد براغي منظومة الدفاع الدولية ضد الإرهاب. القبض على المشبوهين، اجتياح منازل المشبوهين، نقل القوات إلى الساحة، توثيق الرقابة على الحدود، زيادة ميزانية الاستخبارات ويقظتها. كل هذا بسيط. المعركة لهزيمة داعش ـ هذا هو الهدف الذي قرره الأمريكيون ايضا ـ اكثر تعقيدا. من الذي سيهزم، كيف سيهزم، اين سيهزم؟ واشنطن مستعدة لان تتبرع بالوسائل، قوات مساعدة، تدخل نشط لا يعرض للخطر قوات أمريكية اكثر مما ينبغي. في هذه الاثناء، ليس أكثر من ذلك.
كل هذا كفيل بان يتغير بالطبع إذا ما ضرب داعش ايضا أمريكا نفسها، فيحول حذر الرئيس إلى متعذر أكثر في ضوء رد الفعل الجماهيري الغاضب. هكذا بحيث أنه إذا انتظر أوباما إلى أن يفهم باقي العالم بان هذه المرة أمريكا لن تقود ولن تأخذ على عاتقها مهمة الحسم ـ يحتمل جدا أن يكون باقي العالم ينتظر الان إلى أن تفهم أمريكا بانها إذا لم تعمل بتصميم اكبر فانها هي ايضا ستقع ضحية الإرهاب الفظيع لداعش.
من هو الكاسب عندما ينتظر الجميع؟ على هذا السؤال لا حاجة لاعطاء جواب.
معاريف 22 /11/2015
شموئيل روزنر