لندن – «القدس العربي»: كشف تحقيق لصحيفة «أوبزيرفر» عن الدور الذي لعبته شركة تحليل بيانات على صلة مع المستشار السابق للرئيس دونالد ترامب بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقامت الشركة بأكبر اختراق لحسابات شركة فيسبوك حيث جمعت ملايين من المعلومات الشخصية عن الناخبين الأمريكيين وقامت ببرمجة المعلومات من أجل التكهن والتأثير في خياراتهم. وكشف أحد المتعاونين معها والذي يصف نفسه بأنه من قام بخلق الحرب النفسية لستيفن بانون كيف قامت شركة «كامبريدج أنالتيكا» والتي يملكها المستثمر في الصناديق الوقائية روبرت ميرسر، والذي يعد من أهم المتبرعين لحملة دونالد ترامب، باستخدام المعلومات التي تم الحصول عليها بدون إذن في الإعـلانات الموجـهة بشـكل شخـصي والتـأثير السـياسي.
وعمل كريستوفر وايلي، الكندي البالغ من العمر 28 عاماً مع أكاديمي من جامعة كامبريدج للحصول على المعلومات. وقال لصحيفة «أوبزيرفر»: «لقد قمنا باستغلال فيسبوك لجمع ملايين المعلومات الشخصية وبناء نماذج واستغلال ما نعرفه عنهم واستهداف نزعاتهم الداخلية، وقد كان هذا هو أساس الشركة التي قمنا ببنائها». وتظهر الوثائق التي اطلعت عليها صحيفة «أوبزيرفر» وأكدتها شركة فيسبوك ببيان أنها علمت في نهاية عام 2015 عن عملية جمع المعلومات الشخصية وعلى قاعدة غير مسبوقة. إلا أن الشركة فشلت في ذلك الوقت بتحذير المستخدمين ولم تتخذ إلا إجراءات محدودة لاستعادة وتأمين المعلومات الشخصية لأكثر من 50 مليون شخص.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن نسخاً من المعلومات التي حصدتها «كامبريدج أنالتيكا» لا تزال موجودة على الإنترنت واطلع فريقها على البيانات الخام. وتم جمع المعلومات من خلال تطبيق thisisyourdigitallife، والذي صممه ألكسندر كوغان، الأكاديمي في جامعة كامبريدج. وقام من خلال شركته»غلوبال ساينس رسيرتش» وبالتعاون مع «كامبريدج أنالتيكا» بامتحان مدفوع الأجر لمئات الألوف من مستخدمي الفيسبوك كي يوافقوا على المشاركة في فحص شخصي وعلى استخدام المعلومات التي يقدمونها لإغراض أكاديمية. إلا أن الفحص الذي جرى على أشخاص جمع في الطريق معلومات عن أصدقاء صفحة الفيسبوك التابعة للمشارك بشكل أدى للحصول على عشرات الملايين منهم. ومع أن سياسة فيسبوكتسمح بجمع المعلومات عن الأصدقاء لتحسين تجربة مستخدم التطبيق إلا أنها تحظر بيع المعلومات الشخصية لإغراض الدعاية.
الحملة الانتخابية
وتقول «أوبزيرفر» إن اكتشاف عملية «حصاد» البيانات واستخدامها في أغراض معينة تطرح الكثير من الأسئلة حول الدور الذي لعبته شركة «فيسبوك» في استهداف الناخبين أثناء حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2016. وتأتي بعد أسبوع من توجيه المحقق الخاص روبرت موللر اتهامات لـ 13 روسياً والذي قال المحقق إنهم استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي للقيام بـ «حرب معلومات» ضد الولايات المتحدة. وتضيف الصحيفة أن شركة «كامبريدج أنالتيكا» و «فيسبوك» كانا محل تحقيق لمكتب مفوض المعلومات البريطاني، وبشكل منفصل لمفوضية الإنتخابات التي تقوم بالتحقيق في الدور الذي لعبته شركة «كامبريدج أنالتيكا» في استفتاء البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست».
وقالت المفوضة إليزابيث دنام: «نقوم بالتحقيق في الظروف التي تم فيها الحصول على بيانات فيسبوك واستخدامها بطريقة غير قانونية» و «هي جزء من تحقيقنا في استخدام وتحليل البيانات لأغراض سياسية. وقمنا به للبحث فيما إن كانت الأحزاب السياسية والحملات الإنتخابية وشركات تحليل البيانات ومنابر التواصل الاجتماعي في بريطانيا تستخدم وتحلل المعلومات الشخصية للإفراد لاستهداف الناخبين».
وأعلنت شركة فيسبوك في يوم الجمعة وبعد أربعة أيام من محاولة «أوبزيرفر» الحصول على تعليق منها حول الخرق الذي جرى قبل عامين، إنها ستقوم بتعليق حساب شركة «كامبريدج أنالتيكا» و كوغان بانتظار الحصول على معلومات جديدة بشأن اساءة استخدام المعلومات.
وحذرت في الوقت نفسه الصحيفة بأنها تقوم بنشر «أخبار كاذبة وتشهيرية» وتحتفظ والحالة هذه بحق الرد القانوني. وأعلنت النائبة العامة لماساشوسيتس ماورا هيلي، عن فتح تحقيق بعد الكشف عن دور فيسبوك. وقالت في تغريدة:» يستحق المواطنون إجابات سريعة من فيسبوك وكامبريدج أنالتيكا». وقال السناتور الديمقراطي مارك وورنر إن «حصاد» بيانات على قاعدة كهذه يعني حاجة لفرض الكونغرس سيطرته. ودعا لتشريع ينظم عمليات الإعلان وطريقته على الإنترنت. وقال إن الإعلان السياسي على الإنترنت هو «الغرب الأمريكي المتوحش». وسواء سمح للروس بشراء إعلانات سياسية أو استهداف المستخدمين فبقاؤه بدون تنظيم يعني تعرضه للخداع وغياب الشفافية.
ونفى مدير شركة «كامبريدج أناليتكا» الكسندر نيكس في جلسة أمام لجنة في البرلمان البريطاني أن استخدام شركته أخباراً مزيفة. وكذا سايمون ميلنر، مدير فيسبوك – بريطانيا الذي كان حاضراً في الجلسة والذي قال «ربما فقدت بيانات ولكنها ليست بيانات من مستخدمي فيسبوك، وقد تكون بيانات على الفيسبوك وعن أشخاص جمعوها بأنفسهم ولكنه لم تقدمها لهم شركة فيسبوك».
ولكن وايلي، الخبير في مجال البيانات بخبرة مع الحزب الليبرالي الكندي قدم للصحيفة بيانات عن إساءة استخدام كل من «كامبريدج أنالتيكا» وكوغان لها وكيف قاما بإعداد خطة للاستفادة من المعلومات. وتثير الملفات التي قدمها وايلي إلى وكالة الجريمة الوطنية في بريطانيا أسئلة حول شهادتهما. وتضم الملفات رسائل ألكترونية وفواتير وعقوداً وتحويلات مصرفية تكشف عن جمع معلومات تخص 50 مليون ناخب أمريكي. وقالت شركة فيسبوك إنها تعلق استخدام وايلي لمنبرها حيث تريد القيام بتحقيقاتها الخاصة. وفي وقت حدوث الخرق كان وايلي يعمل مع شركة «كامبريدج أنالتيكا» إلا أن الشركة تقول إنه يعمل لصالح شركته «أيونيا تكنولوجيز» التي أنشأها بنفسه بعد مغادرته رب عمله السابق عام 2014. وتشمل الأدلة التي قدمها وايلي للسلطات البريطانية والأمريكية رسالة من محامي شركة فيسبوك وصلته في آب (أغسطس) 2016 تطلب منه تدمير الأدلة التي بيده وجمعتها الشركة التي أنشأها كوغان. وتم إرسالها بعد أشهر عدة من كشف «غارديان» عن الاختراق وقبل الإعلان عن تعيين بانون مديرا لحملة ترامب الذي جلب معه شركة «كامبريدج أنالتيكا». ومع أن جمع المعلومات عن مستخدمي فيسبوك يحتاج في بعض الولايات الأمريكية لإعلام في حالة اختراق البيانات ومنها ولاية كاليفورنيا حيث تعمل شركة فيسبوك إلا أن الشركة تتمسك بحصول شركة كوغان وكامبريدج أنالتيكا على المعلومات بطريقة قانونية وعبر الطرق الصحيحة «إلا أنه لم يتمسك لاحقاً بقواعدنا» ولأنه مرر البيانات لطرف ثالث. وقالت فيسبوك إنها أزالت التطبيق عام 2015 وطلبت من شهادة من كل شخص لديه البيانات أنه قام بتدميرها، مع أن الرسالة لوايلي لم تصل إلا عام 2016 وقال بول غريوال، نائب مدير الشركة في بيان «نحن ملتزمون وبشدة في تطبيق السياسات وحماية المعلومات المتعلقة بالأشخاص». وحصل كوغان الذي أقام علاقة لم يكشف عنها مع جامعة روسية ومنح روسية للقيام بأبحاث على رخصة من فيسبوك لجمع البيانات ولكن لأغراض البحث فقط. وعندما برزت المعلومات في أغراض تجارية خرق الاتفاق. ويؤكد كوغان أن كل ما عمله كان قانونياً وأنه أقام علاقة وثيقة مع فيسبوك وهي التي منحته الرخصة لاستخدام التطبيقات. وشاهدت صحيفة «أوبزيرفر» عقد مؤرخ في 4 حزيران (يونيو) 2014 بين شركة كوغا وشركة أخرى تابعة لكامبريدج أنالتيكا من أجل جمع البيانات فقط والحصول على معلومات فيسبوك. وأنفقت شركة «كامبريدج أنالتيكا» مبلغ مليون دولار على جمع المعلومات والتي «حصدت» لها بيانات عن 50 مليون شخص وبعد ذلك استخدمت النتائج وبيانات فيسبوك لبناء نظام من الحلول الحسابية قادر على تحليل شخصية الفرد على فيسبوك وتحديد ملامحه الشخصية وتصرفاته. وكان هذا وسيلة سياسية قوية سمح للحملات الانتخالبية تحديد الناخبين في الولايات المتأرجحة وغمرهم برسائل تناسب مشاعرهم. وشكل الـ50 بياناً شخصياً ثلث مستخدمي فيسبوك في أمريكا الشمالية وربع الناخبين الأمريكيين.
لايكات
وتذكر الصحيفة أن الشركة اعتمدت على وسيلة سهلة ولا تثير الشبهة وهي «لايكات» بحيث توصلت الشركة لكم كبير من المعلومات الشخصية وما يحب الشخص ويكره وتوجهاته بحيث تم توجيه رسائل خاصة له. وبالتحديد للناخبين الأمريكيين في الولايات التي يطلق عليها الولايات المتأرجحة. وتقدم الاسئلة حول جنس المشارك، رجلاً أم إمرأة وفيما اذا كانا يعيشان معاً أم انهما منفصلان صورة جيدة لدارسي توجهات الرأي العام. وبعض المعلومات التي تم غمر المستخدمين لفيسبوك تبدو وكأنها «لايك « أكثر من كونها تعبيرا عن حملة سياسية متقنة. وقبل خمسة أعوام كشف الباحثون النفسيون أن هناك فرصة لاستنباط مظاهر سلوك معقدة من اللايكات أكثر من تقييم شخصية الفرد بطريقة معقدة. فعندما يحب أحدهم نوعاً من البطاطا المقلية فإن هذا يكشف عن مستوى عقلي وتوجه سياسي خاصة عندما يحب شيئاً معيناً.
كما أن الاستيقاظ من قيلولة في مزاج متعكر يشير إلى الطبيعة الجنسية. وحسب ورقة علمية قدمت في عام 2013 إلى الأكاديمية القومية للعلوم الأمريكية فإن قلة من مستخدمي منابر التواصل الإجتماعي تعبر «لايكاتهم» عن مميزاتهم الشخصية مثل أن يرتبط شخص مع جماعات للمثليين على صفحات الفيسبوك. وحصلت الشركة من 1.000 مشارك في البداية على 160.000 بيان شخصي. وكان عقد كوغان مع فيسبوك هو الحصول على معلومات خاصة من أجل البحث وليس لأغراض تجارية. ومع أن فيسبوك سمحت بالحصول على معلومات عن أصدقاء المستخدم إلا أنها سمحت بهذا لإغراض داخلية. فبيع البيانات أو استخدامها لإغراض اخرى، سياسية مثل كامبريدج أنالتيكا محظور بشدة. ومن الواضح أن المشروع خرق قوانين حماية البيانات البريطانية والتي تحظر بيع او استخدام المعلومات الشخصية بدون إذن. ويؤكد كوغان أن كل شيء عمله كان قانونياً.
حس المسؤولية
وخصصت الصحيفة افتتاحيتها للقول إن الكشوفات عما اسمتها «أوراق كامبريدج انالتيكا» تعطي صورة عن أن شركة مارك زوكربيرغ لا تملك حساً للمسؤولية. وقالت إن شركة «فيسبوك» تحب تقديم نفسها على أنها شركة تكنولوجيا ولكنها تبدو في معظم الأحيان كشركة دعاية وإعلان تستخدم التكنولوجيا الرقمية من أجل إدارة الأعمال فمستخدمي المنبر الذين يصل عددهم ملياري شخص والبيانات الشخصية المتوفرة تسمح للمعلنين لإرسال دعايات معيرة للأشخاص الذين يمكن أن يتأثروا أو يقتنعوا بها. ومع أن الهدف كان هو بناء نظام آلي لإرسال الرسائل التجارية إلا أنه اصبح من الواضح لاحقاً أنه يمكن استخدام التكنولوجيا لنقل رسائل سياسية للناخبين، وهذا ما حدث على ما يبدو في الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي وفي الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وتتساءل الصحيفة عما يعني هذا بالنسبة لفيسبوك ومسؤوليتها السياسية والجدية. وتقول إن الكشف الذي صدر من التحقيق الذي قامت به صادم لأنه يوضح الطريقة التي تم فيها استغلال النظام الدعائي لفيسبوك واستخدامه لأهداف سياسية عام 2016. ولم تكن العملية في الحقيقة قرصنة أو سرقة معلومات عن أرقام بطاقات الإئتمان فالمعلومات التي يحتفظ بها منبر فيسبوك عن مستخدميه مهمة في نسبة 98% منها بما فيها هواياتهم وعاداتهم وميولهم الجنسية ومواقفهم السياسية وآمالهم ومخاوفهم.
منابر اجتماعية
وقد كشف الباحثون الأكاديميون أن المعلومات التي تحتوي عليها «لايكات» مدهشة عن مستخدمي المنابر الاجتماعية لأنه يمنح مساحة للتأثير لا يمكن تخيلها. وتشير الصحيفة إلى مزاعم فيسبوك أن الغرض من المعلومات لم يكن إلا للأغراض التعليمية وعبر «القنوات الشرعية والمناسبة» ولكن المشكلة هي أن الشخص الذي تم توقيع الاتفاق معه لم يلتزم بشروط العقد مع أن التحقيق يظهر الكيفية التي تم فيها «حصاد» المعلومات على قاعدة واسعة ومعرفة الشركة بالأمر عام 2015.
وترى الصحيفة أن عدم اهتمام السيلكون فالي بتداعيات التكنولوجيا هو جزء من أسلوبها حيث يعتبر الشعار لديهم «التدمير الخلاق» ويبدو أنها علامة هامة من عمل فيسبوك. فعندما طفت التقارير عن استغلال لاعبين سياسيين ومنهم روسيا كان رد مديرها زوكربيرغ هو النفي وأن التكنولوجيا لا يمكنها ترك هذه الآثار الخبيثة. وتعتقد أن التكنولوجيا الجديدة أصبحت مثل مخلوق ماري شيلي «فرنكشتاين» ويكتشف العاملون فيها وبشكل متأخر تداعياتها. وتقول إن التحقيق الذي نشرته وأعدته كارول كادوولدر يجب أن يكون صرخة تحذيرللحكومات كي تصحو من سباتها لكي تقوم بتنظيمه. ويمثل فيسبوك نوع من القوة التجارة التي أصبحت معالمها واضحة اليوم. فالأداة الآلية التي برمجت لاستهداف أشخاص من أجل أهداف تجارية تبدو اليوم أداة صالحة لاستهداف الناخبين وتمرير رسالة سياسية لهم. وفي الوقت نفسه تثير القلق والتحيز وتزيد التحزب وتساعد على التضليل ونشر نظريات المؤامرة. ويتم عمل كل هذا تحت رادار الأنظمة الديمقراطية.