«أوبزيرفر»: الحرب الأهلية السورية فشل عالمي ذريع وحالة إرهاب تقف على أبواب أوروبا

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: اعتبر المعلق سايمون تيسدال قرار الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عدم معاقبة النظام السوري على استخدامه السلاح الكيميائي بمثابة لحظة مهمة نقلت الحرب الأهلية السورية إلى مرحلة من الفشل الذريع. فقد واجه الرئيس أوباما معضلة في كيفية التعامل مع الأزمة خاصة أنه اعتبر قبل عام أن استخدام السلاح الكيميائي بمثابة «خط احمر» ولو استخدمه نظام بشار الأسد، فسيكون خرقاً يدعو لتدخل عسكري. وكانت قوات الأسد قد شنت هذا الهجوم قبل 10 أيام في منطقة الغوطة الشرقية قرب العاصمة دمشق وقتل فيه أكثر من ألف شخص بينهم عدد كبير من الأطفال. وفي 31 آب (أغسطس) 2013 كان المراسلون الصحافيون الذين اجتمعوا في روز غاردن يتوقعون إعلاناً للحرب لكن أوباما تردد. وقد أدهش قراره المستشارين المقربين له. وكان على ما يبدو متأثراً بالقرار غير المتوقع في مجلس العموم البريطاني قبل يومين، 29 آب (أغسطس) عندما رفض البرلمان خطة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون نشر القوات البريطانية في سوريا بهامش قليل من الأصوات.
ويرى تيسدال أن قرار أوباما كان متأثراً أيضاً بمخاوفه من عدم تكرار أخطاء سلفه في العراق منذ عام 2003 ومحاولة تجنب الغرق في حرب أخرى بمنطقة الشرق الأوسط. ومن ناحية قانونية لم يكن أوباما بحاجة إلى موافقة من الكونغرس إلا أن قرار مجلس العموم البريطاني منحه ورقة التين لتغطية تردده. وبعد إلغاء الرئيس قراره والنقاش الذي أعقبه بدا واضحاً أن الرأي العام الأمريكي كان معارضاً لمغامرة جديدة في الشرق الأوسط. ولكن قبل أن يتخذ أوباما قراره فاجأت موسكو واشنطن عندما قالت إن حليفها السوري مستعد للتخلص من ترسانة السلاح الكيميائي التي يملكها لمنع استخدامها مرة ثانية. وعندما وافق أوباما في النهاية كان كمن يمنح مهمة إدارة الحرب لموسكو.
ويقول تيسدال أن قرار أوباما كان بمثابة لحظة مفعمة بالنذر الرهيبة. فقد فسرت موسكو وطهران ودمشق وبقية العواصم العربية عدم احترام أوباما لـ «الخط الأحمر» الذي رسمه لنفسه بمثابة تحول رئيسي واعتبرته دليلاً على ان أمريكا في مرحلة ما بعد العراق تتخلى عن دورها كشرطي العالم. ومنح تردد أوباما في اتخاذ قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثغرة كانت مناسبة لأجندته الرئيسية وهي: إعادة بناء التأثير الروسي في الشرق الأوسط وجعل روسيا دولة عظمى من خلال استعادة مجد الإتحاد السوفييتي السابق. ولا أحد يعرف نتائج تدخل أمريكي عام 2013. فلربما فاقمت متاعب المدنيين السوريين بدون الإطاحة بنظام الأسد أو حدت من مدى الحرب. ولربما زادت من وتيرة الحرب مع أن الوضع الآن أسوأ حتى لو تدخلت أمريكا. إلا أنه عندما تخلى عن مسؤوليته كان أوباما يرسل رسالة لحلفائه البريـطانيين وغـيرهم أن القوة العظمى الأولى ليـست مسـتعدة للدفاع عن سـوريا ديمقـراطية أكثر مما دافعت عن الربيع العربي حيث حاولت فـي ليبـيا عام 2011 ولكنـها تراجعـت بسـرعة.

مكافحة الإرهاب

ويضيف تيسدال إن الغرب الذي رضي بدور مسالم على الهامش محددا مهمته بمكافحة الإرهاب والدعوات الواهنة للسلام وفشله بمعاقبة مجرمي الحرب فإنه قام وبشكل عملي بتقويض ميثاق الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية والقانون الدولي. وفي نفس الوقت أدى التردد الغربي والإنقسامات والإهمال إلى تقوية الحكام الشموليين من موسكو وبيجين إلى أنقرة والرياض. وشجع في الوقت نفسه على نشوء الجماعات الإسلامية الإرهابية.
فعندما قررت الولايات المتحدة وبريطانيا التدخل مباشرة في العراق وسوريا لم يكن لوقف الحرب الأهلية ولكن ضمن تحالف دولي شكل عام 2015 لمحاربة التهديد المباشر الذي مثله تنظيم الدولة عليهما وليس للدفاع عن القيم العالمية التي تؤمن بها الدولتان ظاهريا. وبالمحصلة فالقرارات التي تم اتخاذها في عام 2013 أدت إلى كارثة استراتيجية لا تزال تداعياتها ظاهرة حتى اليوم. مع أن هناك أسباب جوهرية تجعل من النزاع السوري الذي بدأ كحركة مدنية في مدينة درعا ثم تحوله إلى حرب ذات ابعاد مهمة في زمننا. فقد كان من الخطأ الإعتقاد ترك الحرب السورية كما هي، فنتيجة لتعقيداتها وطولها وصفتها العابرة للحدود فقد غيرت العالم وبشكل دائم.

الحرب مستمرة

ويؤكد تيسدال إن فكرة خفوت الحرب بعد سبعة أعوام من الخراب أصبحت عملة متداولة في عام 2017 مع أن الأدلة على الأرض تقول غير هذا. فبحسب البيانات الباعثة على اليأس التي أصدرتها الأمم المتحدة الأسبوع الماضي فقد وصل مستوى المعاناة إلى درجات قصوى حيث منع وصول المساعدات عن 3 مراكز سكانية وبلغ عدد النازحين حوالي 13 مليون نسمة وأكثر من 500.000 شخص قتلوا منذ بداية الحرب ولكن القتل يتواصل بدون توقف. وتطالب الأمم المتحدة بوقف لإطلاق النار مشيرة إلى أنه لم تتم الإستجابة ولا لطلب من طلبات التوقف عن القتال قي المناطق التي تعرضت لضربات قوية منذ بداية هذا العام. فقد أصبح استهداف المدنيين من الجو أكثر وحشية وروتينية في الأشهر القليلة الماضية. ففي الغوطة الشرقية، مسرح استخدام غاز السارين، عام 2013 قتل على الأقل 200 مدني بفعل الغارات الجوية وفي مدى أيام قليلة من الأسبوع الماضي. وسقطت اعداد أخرى من القتلى نتيجة للحرب المستمرة على محافظة إدلب حيث تم تشريد أكثر من 300.000 مدني منذ كانون الأول (ديسمبر).
وفتحت جبهة جديدة في عفرين ، شمال غربي سوريا حيث توغلت القوات التركية يدعمها مقاتلو الجيش السوري الحر. وفي الوقت نفسه ورغم اتفاق تفكيك السلاح الكيميائي السوري في عهد أوباما لا تزال التقارير تتوالى عن حالات من استخدام غاز الكلور ضد المدنيين. فمنذ نيسان (إبريل) 2017 حيث تم استهداف خان شيخون الذي سقط فيه أكثر من مئة شخص تم تسجيل حالات استخدم فيها غاز الكلور مرة أخرى. وقيل إن الغوطة الشرقية تعرضت لثلاث هجمات على الأقل. وتجد الأمم المتحدة نفسها عاجزة أمام الكارثة الإنسانية السورية والتي ترافقت مع فشل مريع في جهود السلام. فلم تحقق المحاولات المتعددة منذ عام 2011 أية نتائج وجمع الأطراف في المعادلة السورية للاتفاق على حل سلمي للأزمة. فقد انهارت محادثات جنيف مرة أخرى في كانون الأول (ديسمبر) وذلك بسبب عملية سلمية مافسة رعتها روسيا وإيران وتركيا. وفشلت هذه العملية الشهر الماضي عندما قررت جماعات المعارضة السورية مقاطعة مؤتمر سوتشي. وتم بحث عدد من المبادرات والخطط لتخفيف المعاناة الإنسانية لتنهار فيما بعد. فالمحاور الآمنة والممرات الإنسانية كلها فشلت في الخروج للعلن.

فشل «خفض التوتر»

أما اتفاقيات خفض التوتر التي رعتها روسيا وإيران وتركيا فلم تنجح بسب الخرق المستمر لشروطها. فمن المفترض أن تكون الغوطة الشرقية واحدة منها إلا ان النظام المدعوم من روسيا واصل قصفها وبشراسة. ويعتقد تيسدال أن فشل المجتمع الدولي بإنهاء الحرب أدى إلى تدمير سمعة المؤسسات الدولية التي شكلت العالم منذ العالم 1945. وغيرت الحرب ميزان القوة الإستراتيجي بطريقة دائمة وبالضرورة غيرت العالم الذي نعيش فيه.
فمن الناحية النظرية يعتبر مجلس الأمن الحارس والمحكم بين أعضاء الأمم المتحدة ولكنه يعاني اليوم من أزمة مصداقية بسبب استخدام روسيا المستمر للفيتو ضد قراراته، وهذا هو جزء من المشكلة. فعدم فعالية المجلس نابعة أيضا من الخمسة الكبار فيه: الصين، أمريكا، بريطانيا، روسيا وفرنسا والتي عادة ما تصوت ضد قرارات لا تخدم مصالحها بدلا من التفكير في الصالح العام. فعندما أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهجوم صاروخي العام الماضي بعد هجوم خان شيخون فقد فعل هذا بدون أي موافقة من مجلس الأمن. فقد أصبح تجاوز أو التخريب على الأمم المتحدة ممارسة عادية تقوم بها القوى الدولية بعد الحرب غير المشروعة التي قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق عام 2003.
كما أن فشل نظام الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية في محاكمة مجرمي الحرب والذين لم يلتزموا بميثاق الأسلحة الكيميائية الصادر عام 1993 أدى لضرر كبير. وكان هذا مدعاة لاستقالة كارلا دي بونتي، المدعية في جرائم الحرب حيث كانت عضوا في مفوضية التحقيق التابعة للأمم المتحدة في جرائم الحرب السورية. فقد عرقلت روسيا البحث عن العدالة . وقالت إن قرارها «كان كله بسبب عجز مجلس الأمن.. ولو نظرت إلى كل التقارير التي نشرناها فإننا لم نحصل على شيء وهذا أمر لا يصدق».

التدخل الروسي

وبعيداً عن الثمن الإنساني إلا أن التدخل الروسي في سوريا عام 2015 كان ناجحاً بالنسبة لبوتين وهزيمة للغرب. وكان التدخل هو الأثر المنطقي لتردد أوباما قبل عاما وعمل لصالح النظام، كما وأكد العمل العسكري الروسي على بقاء دائم في سوريا وأدى إلى عودة روسيا كلاعب مؤثر في المنطقة العربية وأثر سلباً على علاقات الغرب مع اللاعبين الرئيسيين في المنطقة مثل تركيا وإيران ومصر. ولم تعد الدول الغربية التي قبلت بفكرة بقاء نظام الأسد تطالب بالإطاحة به. ومن هذه تركيا التي يقول تيسدال إنها حليف للغرب «على الورق». ففي السابق طالب رجب طيب إردوغان «برأس الأسد على طبق»، واستقبل عدداً كبيراً من اللاجئين إلا أن سياسته باتت مرتبطة بمتطلبات الأمن القومي. فلم يعد الإهتمام بين جارات سوريا بحياة السوريين ولا وحدة وسلامة التراب الوطني أو الهوية الوطنية ولا الحكم الديمقراطي. وكل ما يهم الرئيس التركي الآن هو احتواء الخطر الكردي على الحدود الجنوبية لتركيا. ويزعم الكاتب أن هجوم تركيا على حلفاء الولايات المتحدة في سوريا يعتبر تحد لأهم مدماك للأمن الأمريكي والناتو.
لكن يجب أن لا يكون هذا مفاجئا فالذنب في النهاية هو ذنب أمريكا التي ترددت في سوريا وأدت إلى أفعال متحدية لها. وبالنسبة للناتو فقد جعلته أزمة سوريا كما هو الحال مع أوكرانيا 2014 لاعبا غير مهم. وأصبحت المواجهة بين القوات التركية والأمريكية في مدينة منبج إمكانية قائمة.

…استفادت منها إيران وإسرائيل وحكاية هزيمة تنظيم «الدولة» أخبار مزيفة

ويرى الكاتب أن الحرب كانت من صالح عدوين كبيرين في المنطقة وهما إسرائيل وإيران. فقد استفادت طهران من الحرب بتوسيع تأثيرها وربط قواتها مع حلفائها اللبنانيين – حزب الله والفلسطينيين في المناطق المحتلة. وأعطتها الجرأة لضرب السعودية في اليمن.
أما إسرائيل فقد قامت حكومتها المتطرفة باستغلال ذكي للتهديد الإيراني وتوسعه في سوريا بالحصول على دعم الرئيس ترامب وتهميش مسألة الإستقلال الفلسطيني وتأمين تحالفات غير رسمية مع دول عربية وتأكيد مواقفها من أن الإتفاقية النووية عام 2015 كانت خطيرة وخطأ. وفي الوقت نفسه أدى الفراغ السوري إلى مواجهة قريبة بين القوات التي تدعمها إيران والقوات الإسرائيلية وأدت إلى إسقاط طائرة أف-16 إسرائيلية نهاية الأسبوع. ويمثل الحادث صورة عن الطريقة التي تقوم فيها الدولة الأجنبية باستخدام سوريا كساحة حرب بالوكالة.
وكان الفشل السوري بمثابة كارثة أمنية ودبلوماسية وسياسية على الإتحاد الأوروبي المنقسم على نفسه. ورغم ظهوره بمظهر اللاعب الدولي إلا أنه بدا عاجزاً وبدون قوة. فقد اختلف أعضاء الاتحاد حول ماهية العمل العسكري وكذا انقسموا حول الطريقة المثلى لمواجهة التدفق الهائل للمهاجرين السوريين ما بين 2014- 2016 ولا يزال الخلاف قائماً، حتى في ظل ملامح موجة هجرة جديدة. وتواجه ألمانيا وبريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوروبي وبقية دول الاإتحاد عقبة في طريقة التعامل مع المشهد السياسي الجديد والمتأثر بزيادة المشاعر المعاية للمهاجرين. وعلى العموم فليس هذا خطأ الساسة في أوروبا، فتراجع ضغط الرأي العام عليهم لعمل شيء مع استمرار الحرب كان عاملا في الطريقة التي تعامل فيها الغرب مع الأزمة السورية. وبدا الرأي العام غير مبال مع حالة الحرب السورية والذي ترافق بحس من العجز وغياب الحراك لدى جماعات مثل «أوقفوا الحرب» التي عادة ما تركز على أهداف سهلة مثل مواجهة العدوان الأمريكي وتصرفات الرئيس ترامب.
ولو كان هناك أمل لدى الأوروبيين بقيادة أمريكية في سوريا فإن أملهم خاب لأن الضربة الأمريكية العام الماضي على هدف سوريا كانت مرة واحدة ولم يظهر ترامب أي اهتمام بوقف الحرب السورية. وقضى ريكس تيلرسون، وزير الخارجية وفريقه عاما كاملا لكي يكشف عن استراتيجية غامضة ضد سوريا.
وفي الوقت الذي ظلت الولايات المتحدة ناشطة في الحرب الجوية إلا أنها تجنبت وبدأب مستمر المواجهة على الأرض. مع أن المواجهة في الأسبوع الماضي التي قتلت فيها عدداً من المقاتلين التابعين للنظام تشير إلى أن أمريكا تورطت عميقاً في الحرب. وما يهم ترامب هو الحرب ضد تنظيم الدولة التي يقول إنه ربحها. ولكنها «أخبار مزيفة»، فالمقاتلون في العراق وسوريا يعيدون تنظيم انفسهم، صحيح أن الغرب استعاد الرقة والموصل إلا أن تنظيم الدولة لم ينته ويقوم باستغلال الفوضى العميقة وينظم نفسه من جديد في ديالا والموصل والأنبار فيما يقوم تنظيم القاعدة الصاعدة ببناء قوته في شمال-غرب سوريا. ولم يختف الجهاديون بعد، بل ويحلمون بموجة جديدة من الجهاد. وهذا أيضا نتاج جانبي لفشل المجتمع الدولي وقف المأساة السورية.
ففقدان المؤسسات الدولية والقانون الدولي مصداقيتهم، ضعف القيادة الأخلاقية الغربية، تقوية الإنظمة الديكتاتورية، الأنظمة اليمينية، الفوضوية، الحروب المتعددة الأوجه والمعاناة المستمرة التي يعيشها الملايين وهي كلها أسباب تدعو لاعتبار سوريا بأنها فشل ذريع في عصرنا. ومع ذلك فالخوف لا يزال قائما من تهشم سوريا إلى إقطاعيات فوضوية تسيطر عليها قوى أجنبية.
ومع استمرار الحرب بدون رقابة فالنتيجة التي لا يمكن تجنبها هي أن تردد الدول الغربية في القتال من أجل القيم الأوروبية واالديمقراطية وإعاة ولادة الأمة السورية فإنها أدت إلى نشوء حالة من الإرهاب على أبواب القارة الأوروبية.

«أوبزيرفر»: الحرب الأهلية السورية فشل عالمي ذريع وحالة إرهاب تقف على أبواب أوروبا

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية