«أوتيلّو» أورسون ويلز: مسرح شكسبير وفتنة السينما

حجم الخط
1

باريس ـ «القدس العربي» سليم البيك: عرضت سينماتيك تولوز قبل أيام، وفي أمسية واحدة، فيلمين للمخرج الأمريكي، وأحد أفضل المخرجين في قرنين من عمر السينما، أورسون ويلز، صاحب فيلم «المواطن كين» الذي تصدّر قائمة مجلة «سايت آند ساوند» لأفضل الأفلام في تاريخ السينما منذ عام 1962 حتى 2002 (إذ تصدُر القائمة كل عشر سنين)، قبل أن يتراجع إلى المرتبة الثانية، ويحتل محلَّه فيلم البريطاني ألفرد هيتشكوك «فيرتيغو». نمرّ هذا الشهر بذكرى ميلاده (1915- 1985)، فعرضت السينماتيك لذلك نسختين مرمّمتين من فيلمي «أوتيلّو» (1952) و «لمسة شر» (1958) وسنحكي هنا عن «أوتيلّو».
الفيلم من إنتاج ويلز، وقد عمل ممثلا في أفلام أخرى كي يموّل فيلمه ويدفع أجور الممثلين، فكان التصوير متقطّعا واستغرق أربع سنين. كما أن ويلز مثّل بنفسه دور أوتيلّو، الشخصية الرئيسية. تراوحت أماكن التصوير خلال السنين الأربع بين المغرب وإيطاليا، لأسباب متعلقة بالميزانية المحدودة، قد يشير إلى ذلك تقشّفُ الديكور والإكثار من اللقطات المقرّبة. إلا أنّه، أخيرا، صار أحد أفضل الأفلام التي تنقل عملا شكسبيريا إلى السينما، وقد بدأ بتصويره قبل أن ينهي مونتاج فيلمه الشكسبيري الأوّل «ماكبيث».
مع هذا الفيلم سيخطر لنا أنّ السينما أقدر على تصوير النّص الشكسبيري من المسرح. اشتغل ويلز كثيرا على الظلال في فيلمه، على زوايا التصوير المُزاحة عمّا يُتوقّع أن تكون عليه، الجانبيّة والعلويّة والسفليّة، وهو أسلوب تصوير ممتد على عدة أفلام لويلز. بدأ الفيلم بمَشاهد لنهاية الحكاية، حيث أوتيلو محمول في نعشه وإياغو في قفص للعقاب، ثمّ يعود الفيلم إلى حكاية المسرحية من أوّلها. كتب ويلز السيناريو الذي حافظ فيه على نصوص الحوارات المختارة، مضيفا إليها شرحا مقتضبا بين فترة وأخرى، بصوت من خارج الإطار (فويس أوفر).
تُعتبر شخصيات المسرحية أمثلة سيكولوجيّة وأدبية أحسن الفيلم في نقلها. أوتيلو، قائد حربي أسمر، يُرسل إلى قبرص لصدّ هجوم محتمل للأتراك، يتزوّج ديزديمونة التي تخالف رغبة أبيها بذلك، في البداية، ويقتلها غيرة في النهاية. مستشاره، إياغو، وهو شخصية شكسبيرية تمثّل قمّة المكر والخبث، يدبّر مكائد ويقنع أوتيلو بأنّ ملازما في الجيش، كاسيو، يقيم علاقة مع ديزديمونة، وبدأ يدبّر مكائد لإثبات كذبته، لا يقتنع أوتيلو بسهولة، لكن مكر إياغو يودي أخيرا إلى مقتل كل من كاسيو وديزديمونة، التي يخنقها أوتيلو، وانتحار الأخير حين يعرف بما ارتكبه وبحقيقة كذب إياغو، وهي كذبة تكشفها زوجته الخادمة المخلصة لديزديمونة.
تتناول المسرحية مسائل إنسانية ستبقى دائما معاصرة كالحب والغيرة، الإخلاص والتوبة، وكذلك الولاء والعنصريّة، وصارت مرجعا أدبيا وسيكولوجيا لها.
بسبب الصعوبات الماليّة التي أدّت إلى إعادة تصوير لبعض المشاهد، وإيقاف التصوير كلّه لأشهر، واستبدال بعض الممثلين، وقصور في تأمين الديكورات والأزياء، وانتقال متعدّد في مواقع التصوير، اشتغل ويلز على المونتاج، كمخلّص له من أي خلل قد تتسبب به تلك التغييرات، وقد يكون ذلك لصالح الفيلم الذي خرج أخيرا بتقطيعات للمَشاهد وعمل مونتاجيٍّ بديع، إذ يمكن اعتباره فيلمَ مونتاج قبل أي شيء آخر، وذلك إضافة إلى حضور لافت لاستخدام الظلّ والإضاءة، حيث يكون التعتيم شبه تام لزوايا داخل الإطار وتتركّز الصورة على جسم محدّد داخله.
قد لا تكمن قيمة الفيلم، في الصعوبات التي واجهها، ولا في اسم ويلز أو شكسبير عليه، وهما اسمان عملاقان، الأول في السينما والأخير في المسرح، إنّما في أنّه، أي الفيلم، المثال الأفضل للطرح القائل بأنّ السينما أشدّ فتنة في نقل النص المسرحي من المسرح، وهنا أظهر ويلز جماليات يمكن للكاميرا فقط أن توصلها، جماليات تُحصر في إطارات المَشاهد، ومن بين العديد من الأفلام التي نقلت مسرحيات شكسبيريّة، فإن «أوتيلو» ويلز هي الأجمل والأبقى. نال الفيلم الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي، ما صارت تُسمى لاحقا بالسعفة الذهبية، وهو اليوم من كلاسيكيات السينما العالمية، وذكرى ميلاد ويلز هذا الشهر وميلاد شكسبير الشهر الماضي مناسبة لمشاهدة، أو إعادة مشاهدة الفيلم.

«أوتيلّو» أورسون ويلز: مسرح شكسبير وفتنة السينما

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية