لندن ـ «القدس العربي»: صدر حديثا للشاعر نبيل ياسين سيرته الثقافية والفكرية بعنوان «أوجاع الوردة» عن دار صفصافة في القاهرة.
جاءت «الأوجاع» في تسعة فصول عن الحياة والمدينة والشعر والتاريخ والأسطورة والعائلة والبلاد التي كانت وراء القصائد التي كتبها الشاعر، وكانت المراجع الحياتية لقصائده. فمن «أمطار الليل» الفصل الذي يتحدث بلغة شعرية وأسطورية وواقعية عن الميلاد إلى بغداد سيدة نساء العالمين، التي يهيم بها وفيها الشاعر في ليلها ونهارها ودجلتها وبناتها وأساطير وخرافات ساكنيها، يتحدث الشاعر عن المسرات والآلام وعن ندى التي ألهمته قصائد ورؤى عن المدينة التي اقترنت بالأم:
«وفي اللحظة التي فارقت فيها أمي، ذلك الفجر البعيد، فارقت بغداد، ظلت أمي على هيئتها تلك، لم تستطع تحمل رحيلي، فهوت على إسمنت المدخل وتحجرت إلى اليوم بثياب حدادها على أبي، وصارت تبدو منذ ذلك المشهد الفجري على هيئة تمثال لكاهنة سومرية تحيطها هالة من عتمة الفجر الشتائي الرمادي البارد، وبغداد ظلت على هيئتها تلك، متيبسة راكعة على ضفاف دجلة الرمادية في ذلك الفجر، بثياب حدادها على شعب كامل. وقد خلطت، في ما بعد، بين بغداد وأمي وكل النساء اللواتي عرفتهن ومررن في طريق رحيلي الطويل:
الملح في اليدين
الخبز في اليدين
والماء في العينين
جئت إلى بغداد
أحمل هذا الزاد
في خرجيَ المنسوج من أهداب امرأة
(افتتاحية قصيدة مرثية بغداد 1969)
بغداد
فمن «أمطار الليل» الفصل الذي يتحدث بلغة شعرية وأسطورية وواقعية عن الميلاد إلى بغداد سيدة نساء العالمين، التي يهيم بها وفيها الشاعر في ليلها ونهارها ودجلتها وبناتها وأساطير وخرافات ساكنيها، يتحدث الشاعر عن المسرات والآلام وعن ندى التي ألهمته قصائد ورؤى عن المدينة التي اقترنت دوماً بالأم. «دهاليز بغداد القديمة، وبيوتها المكونة من إيوان تطل عليه شبابيك الحجرات، في الحيدر خانة، والسنك، وجديد حسن باشا، والكريمات، والكاظمية والصالحية والشواكة، وسراديب بيوتها الباردة، قادتني إلى البحث عن عصور قديمة، كنت اسأل: هل هذا ما تبقى من بغداد، من عصر ازدهارها العباسي كعاصمة للعالم؟».
ندى
ومن بغداد ينتقل الشاعر إلى الحبيبة في فصل: ندى، قمر بني هاشم حيث المرأة والمدينة والأسطورة شخص واحد: «لقد انعكس ذلك منذ الأيام الأولى للدراسة في الجامعة، ووقعت ندى هي الأخرى، ضحية للاستبداد، لأنها أحبت شاعرا مثلي، على الرغم من أنها لم تمارس سياسة ولم تنتم إلى حركة، مثلي أيضا، وبقي الحب يجمعنا ويرتب لنا أفكارنا المشتركة في الحرية التي كنا ننشدها مع ملايين البشر مثلنا، اليوم أحاول أن أتذكر تلك الخطى التي مشيناها معا في أيامنا الأولى، في أروقة الجامعة، أو في الطريق إلى المكتبة، أو في الطريق إلى تلك المقهى الوحيدة القريبة من الجامعة والتي كانت شيئا ما بالنسبة لجيل من العشاق لا يجد كثيرا من الأماكن المفتوحة لهم، كل قصة حب بين اثنين هي قصة حب بالنسبة لمئات غيرهم، تلك كانت صورة تلك الأيام الخوالي، وكأن اؤلئك المئات كانوا يجدون صورتهم في كل عاشقين، هكذا لم يكن غريبا أن يكون قيس وليلى وجميل وبثينة صورتين لمئات من العشاق الصامتين في نجد وتهامة والعراق:
وأشهق في صلاة الشوق، أحمل وجه أحبابي
وأركب مهرة الأحلام من بلد إلى بلد ِ
وفي رأسي قصائدُ من شجون، بعد ُ لم تلد ِ
مدائن الخوف والصلاة 1968
ولم تكن عشتار سوى إعادة خلق المرأة كل يوم في صورة آلهة تقدر مصائر رجل، واقف في سلم زقورة سيكون معراجه إلى ذلك الفيض الأنثوي الشامل، في تلك السنوات.. في سنوات ما بعد منتصف الستينيات، كنت أقوم بزيارات طقوسية إلى بناية المتحف العراقي في ساحة المتحف في جانب الكرخ، هناك كنت أدور في القاعات السومرية والبابلية والآشورية، بحثا عن نساء ورقم طينية وآلات موسيقية وأوان ورقى وتعاويذ وحلي تزينت بها نساء بلاد ما بين النهرين وتركنها في مخادعهن قبل آلاف السنين، كانت ثمة تماثيل حجرية وأخرى من الصوان لنساء بنهود نافرة وأعجاز ممتلئة وشعور طويلة تتهدل على أكتاف مثل كثبان رمل ناعـــــم، تماثيل صغيرة وأخـــرى كبـــــيرة تركها ذلك النحات الرافـــديني القديم، وهو يجسد للملك وللكاهن أماكن الخصب، بينما يجسد لنفسه في تلك التماثيل مواطن الرغبة والخلق، ومرات كثيرة كنت أقف أمام تلك القيثارة السومرية لأتخيل عشرات الأنامل الرقيقة التي حركت أوتارها في مطلع موسيقى البشرية التي صدحت في قصور ملوك عصر السلالات، أو ناحت على قبورهم في مقابرهم الملكية، وهم يسوقون خلفهم قرابينهم البشرية التي تحمل أكواز مائها، لكي لا تعطش حتى تصل درجات العالم السفلي، وتحمل مباخر بخورها لتطرد الشياطين من أنفاق ذلك العالم، كما تحمل معها ناياتها ومعازفها وقيثاراتها لتقيم طقوسها، هناك أيضــــا بين يدي الآلهة التي كانت تحرس أور وأريدو وأوروك ولجش وبابل وغيرها من مدن ذلك الزمان المغرق في القدم، ولكي ينسجـــــم ذلك الإنسان الرافــديني مع نفسه ورغــباته خلق آلهة من نساء يقبل أيديها الناعمة وأقدامها الحافية الرقيقة ويضع رأسه على صدرها المليء بالعافية والدفء والحنان…
التحول الثقافي
وينتقل نبيل ياسين لكتابة سيرة قصائده وسيرة رأيه إلى فصل باسم (مهرجانات صعود المسرة) حيث يتحدث عن نهوض الحركة الثقافية في العراق، كما يتحدث في فصل (رايات وقبائل الستينيات) عن فترة التحول الثقافي والاجتماعي الكبير في المجتمع العراقي وعلاقة ذلك التحول العراقي بالتحول العالمي، بعد ثورات الطلبة في فرنسا ودول أوروبية أخرى.
في «اوجاع الوردة. سيرة قصيدة .. سيرة رأي» تختلط الأسطورة الرافدينية بواقع العراق وتختلط الآلهات بالبشر والمدن والأشعار في سيرة كتبت بلغة شعرية ورؤى أشبه بالأسطورة منها بواقع معاش.