حسنا… تماما مثل ما يحصل في زامبيا هذه الأيام وفي كل دول العالم «النايم»… جزء من الشعب يحتفل بالرئيس الجديد وجزء آخر يحتج.
محطة «الجزيرة» ركزت على جزئية المظاهرات في واشنطن وبعض المدن الأمريكية خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترامب حتى أن مذيعي البرامج وجهوا سؤالا حول الموضوع لكل الضيوف المعقبين… كذلك القناة الثانية للتلفزيون السعودي.
هي حفلة بكل الأحوال تحصل عند الجيران بالنسبة لي كمواطن عربي محتار في تخيل شكل الحياة والعالم مع الرئيس ترامب، وإن كانت حيرتي لن تقدم ولن تؤخر في الأحوال كلها، فكل القادة العرب المرتابين الراجفين من ترامب وأفلامه سارعوا لتهنئة الرجل ببرقيات خاصة مغرقة في الود والوداعة!
لفت نظري أن ترامب قال شيئا عن الشعب الأمريكي، الذي اختار حكم نفسه لأول مرة في حياته… أساند الصديق جميل النمري في موقفه، فمثل هذه العبارة حتى القذافي – غفر الله له – «ما قدر عليها».
ترامب و«عاليها واطيها»
فقط عندنا في العالم العربي وفي بعض دول إفريقية يتخيل الزعيم أنه القائد الضرورة وأنه يمثل ضمير الشعب… كدت أصدق ذلك، وأنا أرصد ملامح مذيع نشرة الأخبار في تلفزيون الحكومة الأردني وهو يقفز من الشاشة ليبلغنا بأن ترامب صديق الأردنيين.
قبل ترامب أصر بشار الأسد على أنه يمثل الشعب وحده فقط، ومع استنساخ نمرة أمريكية من زعيم بهذا التصور أستطيع أن أشعر الآن، وبعد نصف قرن من الاستماع لخطب الجمعة بأن السماء تنصف الدعاة لأن ترامب في ما يبدو سيقلب «عاليها واطيها»… على طريقة أغنية محمد عساف الشهيرة.
مع الألوان، التي يحبها الرجل، كما تعكسها الشاشات البشرية بانتظار «كتابها الأخضر الجديد» بعد نفاد الأول من الأسواق وموت صاحبه.
«آراب أيدول»… مسلسل تركي
تذكرت محمد عساف وحشرته في زاوية سياسية لأن النجمة المسبهلة المعطاءة أحلام، وفي الحلقة الأخيرة من المسلسل التركي «آراب أيدول» اعتذرت منه فجأة وهي توبخ المشارك الفلسطيني الجديد بخشونتها المعهودة، حيث منحته أقل من صفر من عشرة، فيما كانت النعّومة نانسي عجرم تتحدث عن «11 من 10».
عموما أحلام كانت قد هددت محمد عساف بالنجم الجديد، لكنها سحبت هذا التهديد على الهواء مباشرة بالتزامن مع تهديد ترامب بأن يقلب عاليها واطيها، كما في الأغنية الشهيرة، التي تحولت لنشيد وطني فلسطيني بعقل الجمهور.
ما بقي على ترامب بعدما هدد تقنيا وعمليا «كل العالم»، تماما، كما يفعل الخليفة أبو بكر البغدادي هو إدارة «الريمونت كونترول» على محطة «رؤيا» في فترة المنوعات ليستمع لأغنية «ويلك ياللي تعادينا… يا ويلك ويل»! ثم يقترح «بالله صبوا هالقهوة وزيدوها هيل».
ولأن شهاب الدين يحب شقيقه لاحظوا معي ما يلي: ترامب يلتزم علنا بالقضاء على «الإرهاب الإسلامي» فيصدر عن تنظيم الدولة تصريح يهدد بتدشين هجمات انتحارية في البيت الأبيض.
تلزيق وقص وتشفير
لا يريد الزملاء في الإدارة العليا للتلفزيون الرسمي الأردني تلقي الاتصالات أو الاتصال بأي جهة، خصوصا تلك الجهات التي تقوم بأعمال القص والتلزيق وتشفير الضيوف… هنا حصريا مربط الفرس فالأمر عندما يتعلق بكبار المسؤولين من «المتداخلين» بالعمل المهني والفني يترك الأمر للمدراء التنفيذيين.
كنت، للأسف أفهم العكس تماما، فعندما تختارني الدولة لإدارة مؤسسة إعلام رسمية -لاسمح الله – يتمثل واجبي في أن أقنع الجهات العليا والسيادية المتداخلة في عملي بسقفي وبمبادىء العمل الإعلامي البسيطة، حيث تندثر روايتك للأحداث كبلد ولا تجد من يشتريها عندما تترك الساحة لروايات الأخرين على قاعدة «سكن تسلم».
لا أحد من كبار المهنة في بلادي يريد أن تتغير الأوضاع حتى يشاهد الأردني بلده ونفسه وقصتها وحكومته على شاشته الوطنية بدلا من متابعة تقارير القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي.
حجم الأزمة التلفزيونية تختصره الملاحظة التالية: رئيس وزراء سابق من أهم السياسيين في الأردن سأل الزميل فهد الخيطان… متى تبدأ شاشتكم في تلفزيون المملكة يا رجل؟ استفسر الزميل فقيل له: نريد أن نتحدث ونظهر على شاشة وطنية حتى نتحدث عن البلد لأن تلفزيون الحكومة يمنع.
ببساطة شديدة مشكلة الليبراليين والمهنيين نفسها عندما تتورط بهم السلطة: يريدون الجلوس باسترخاء وتجنب الاشتباك وعدم تلقي تلك الاتصالات الهاتفية.
خطبة إسعاف الأردن
لكن شارة التلفزيون كانت حاضرة بقوة، وهي تنقل وقائع خطبة الجمعة الشهيرة التي تقدم بها الشيخ أحمد هليل، قاضي القضاة، في رسالته لأهل الخليج تحت عنوان «إسعاف الأردن»، مستعرضا خبراته العريضة في الإنشاء الديني السياسي.
إحترت كغيري من المواطنين في قراءة خلفيات هذه الخطبة.
لكن أيضا، وللمرة الثانية لاحظوا معي ما يلي: رسالة الدولة الأردنية للسعودية وللنادي الخليجي يُرسلها قاضي القضاة ورسالة الدولة للنظام السوري يوجهها رئيس الأركان… ما الذي يحصل في بلادي؟ أين الحكومة ووزارة الخارجية والمستوى السياسي؟
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين