أوروبا اختيار أم انتحار؟!

حجم الخط
2

أوروبا أرض الأحلام، أو هكذا صارت تسمى،عند معظم أبناء الشعب السوري، الذي ما لبث يعاني ضغوطا لا تعد ولا تحصى، منذ وصول الأسد للسلطة، بدءا من سياسة الحكم بالحديد والنار،وقمع الحريات وكم الأفواه، إلى سيطرة الأسد ومن لف لفهم من اقربائه على اقتصاد سوريا، وصولا إلى الكابوس الذي يجثم على صدر كل سوري والذي يقتل زهرة شباب الوطن وأحلى أيام العمر، وهو الخدمة العسكرية.
فكان دأب الشباب وهمهم الخروج من سوريا باتجاه دول الخليج،هربا من الخدمة الإلزامية، والحلم بحياة اقتصادية أفضل، وكانت الوجهة دائما، دول الخليج العربي، وفي أقصى احتمال ليبيا.
أما الهجرة باتجاه أوروبا فكانت ضئيلة جدا ومحصورة تقريبا بالأدمغة والعقول المفكرة، والمعارضين السياسيين.
وبعد اندلاع شرارة الثورة السورية، تغير المشهد كليا، فمع ازدياد الظروف المعيشية صعوبة، بدا استهداف النظام للمناطق المحررة وهدم البيوت وتهجير الأهالي، في سياسة ممنهجة ومدروسة، لإركاع السوريين والانتقام منهم.
وجد السوريون نفسهم في مهب الريح ، لا بيت ولا عمل ولا حتى أهل، فضاقت سوريا بما رحبت على الشعب السوري، و قرر الكثير من السوريين السفر إلى خارج البلاد، للبحث عن مكان آمن وحياة أفضل تتوفر فيها شروط العيش، وكالعادة توجه الناس إلى دول الخليج،في وقت أغلقت تلك الدول حدودها أمام السوريين،وهنا ازداد الضغط على السوريين في الداخل، وبدأت معظم الدول العربية بفرض تأشيرات دخول على السوريين وتكبيلهم بالشروط، في وقت يئس السوريون من منطقة عازلة تحميهم للبقاء والتشبث بالأرض.
فلم يكن من مهرب أمام الناس سوى التفكير في الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا من خلال تركيا، وبدأت رحلة الموت قصتها، فالسفر إلى أوروبا ليس بالأمر السهل إطلاقا، مع الطرق غير الشرعية، والطريق الطويل الذي يبدأ بتركيا، مرورا ببحر ايجة ’ إلى اليونان، ثم لا تعرف أين تأخذك الغابات، مع كذب المهربين وجشعهم واستغلالهم لحاجة الناس للوصول إلى ارض الأحلام، في ظل البحر الذي يبتلع المهاجرين في كل يوم أصبحت الرحلة، تسمى رحلة الموت.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة في دول اللجوء العربية (مصر، والأردن) تسارعت وتيرة الهجرة غير الشرعية للسوريين.
وهذا الأمر ليس حكرا على المعارضين لحكم الأسد، فمن يتتبع أخبار المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام،يلامس واقعا مريرا وهو انسداد الأفق في وجه الشباب، ومحاولة معظمهم الهرب إلى أوربا، وحتى بعض عائلات ضباط من النظام من أيقن نهاية الأسد عاجلا أم آجلا.
حتى أصبح موضوع الهجرة قصة للتندر في صفحات موالية للأسد،في لوحة كتب عليها،(ألمانيا كراجات)، بينما تملا كتب عن الهجرة وطرقها وكيفية الاندماج مع المجتمع الغربي، مكاتب و شوارع دمشق، لترى مواقع التواصل الاجتماعي قد غص بالصفحات التي تحكي عن الهجرة ومزاياها والطرق الى تأمين الهجرة للراغبين،فالهجرة شملت معظم أطياف المجتمع السوري بدون استثناء، فجمع القارب السريع (البلم) أطيافا من المجتمع السوري لم يستطع جمعها اكبر المؤتمرات.
فاختلفت الأسباب والموت واحد، فمن يهرب من الموت بقذائف الأسد، ومن يهرب من الالتحاق بالجيش، ومن يهرب من الجوع والفقر.
وفي الآونة الخيرة برزت دوافع للسفر إلى أوروبا وهي الحصول على جواز سفر وإقامة أوربية، في ظل معاقبة النظام المعارضين له من اصدار جواز السفر،ومنع معظم الدول للسوريين من دخول أراضيها إلا بإقامة أوربية أو خليجية.
والسؤال هنا هل من بديل ؟
معظم السوريين فقدوا المنزل ومصدر الرزق، وسدت الطرق في وجوههم وأصبحوا غير آمنين في بيوتهم، حتى بعد التحرير بسبب قصف الطيران،باعوا كل ما يملكون ليجمعوا مبلغا، يدفعونه للمهرب ليهاجروا من أرضهم مرغمين،وصار السوري يحتاج فيزا قبل التوجه إلى معظم دول العالم، ومنها كثير من الدول العربية.
في حين يقول سوري رفض الهجرة، لو أن هذا المبلغ نفسه الذي سيهاجر فيه، افتتح به مشروعا صغيرا يأكل منه هو وأهله، كان خيرا له من رحلة العذاب ومخاطرها، في وقت ندم الكثيرون ممن هاجروا باصطدامهم بأكذوبة أوروبا ارض الأحلام، وجد المهاجر نفسه ذو الـ 40 عاما يرجع على مقاعد الدراسة، ليتعلم لغة جديدة، وينخرط في مجتمع بعيد عن عاداته وتقاليده بعدا كبيرا، ليجلس ممنوعا من العمل إلى أن ينهي إجراءات اللجوء والدراسة، فانتقل من فضاء الوطن إلى سجن جميل.
مع كل الصعوبات في رحلة الموت، والأعداد التي تلقى حتفها في البحر كل ساعة،و ما زال السوريون يشدون الرحال، قاصدين أوربا، لأن الموت والحياة تساوا عندهم على أمل بالوصول إلى الفردوس المنشود… في غياب مؤسسات تعنى بالشباب السوري وتأمين فرص عمل له، في مشاريع تنموية، ومع إصرار دولي بعدم إنشاء منطقة عازلة، لا نستطيع أن نلوم كل من ترك الوطن وهاجر، ولو انه في معظم الأحيان انتقل من موت إلى موت، ومن عذاب إلى عذاب.
ستستمر الهجرة إلى أن يأتي الله بفرج قريب فالرحلة بالنسبة للكثيرين صارت إجبارا وليست خيارا.

محمد عمر الشريف
كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية