هناك سبيلان يمكن ان تنتهي بهما مسرحية رعب داعش في أوروبا: الأول هو نهاية الإرهاب، والثاني هو نهاية الديمقراطية. في الخيار الأول: بعد جهد استخباري ووقائي طويل ومعقد، يترافق وسياقات اجتماعية وثقافية بعيدة الاثر، ينجح الاوروبيون في ان يلفظوا من دواخلهم الاعشاب الإسلامية الضارة.
في الخيار الثاني: يفشلون ـ وتستبدل الانظمة الديمقراطية من جمهور نزيف، يائس خائف على مصيره، يطالب باستعادة القانون والنظام فورا.
يمكن الامل في السيناريو الاول، ولكن يجدر بنا الاستعداد لذلك.
الامن والديمقراطية مرتبطان ارتباطا وثيقا، ولكن هذا ليس تعلقا متبادلا. فالأمن لا يحتاج إلى الديمقراطية، اما الديمقراطية بالمقابل فتحتاج للأمن كالهواء للتنفس. لا توجد الكثير من القوانين التاريخية، ولكن هذا واحد منها: يمكن العيش بأمن، بل بازدهار بلا نظام ديمقراطي، ولكن لا يمكن العيش بنظام ديمقراطي بلا أمن. هذا لم يحصل في اي مكان، وهذا لن يحصل ايضا. وعليه تحل احيانا لحظات أزمة وجودية في حياة الديمقراطية، يضطر فيها المواطنون إلى الاختيار بين الاثنين، بل حتى التنازل عن الواحد مقابل الآخر. والاوروبيون يتقدمون نحو نقطة اللاعودة تلك.
معظم الديمقراطيات في العالم اليوم، حتى الأكثر ازدهارا، اجتازت مسارا مشابها. الارجنتين، تشيلي والبرازيل، تايوان، اندونيسيا وكوريا الجنوبية، اليونان، البرتغال وحتى اسبانيا: حتى قبل بضعة عقود كانت هذه الدول دكتاتوريات. على خرائب الفوضى السياسية، التهديدات الخارجية، الحروب الاهلية والدرْك الاسفل الاقتصادي قامت أنظمة عسكرية مطلقة الحكم مع تفويض واضح: اعادة النظام. أما الديمقراطية فجاءت بعد ذلك بكثير، بفضل الاستقرار الذي حققته الدول. طالما لا يمكن السير بأمان في الشارع لم يحلموا بالسير نحو الانتخابات. فحين لا تكون حماية للجسد، لا معنى لحماية النفس. الحرية، المساواة، العدل، هذه مشاكل أغنياء، في واقع يعيش فيه الناس على زمن مستقطع.
والنتيجة تكون مشابهة دوما: مثلما في أفلام هوليوود الغربية، تأتي مرحلة يتغلب فيها البقاء على القيم والسكان التواقين للقليل من الهدوء يقترحون كل شيء على صاحب المسدس الاسرع في اطلاق النار ـ المال، الشرف وحتى حريتهم ـ على ان ينقذهم من العصابات التي تفرض الرعب على القرية. ويستجدونه ان خذ كل شيء: تحمل أجسادنا فقط وتعيد لنا أمننا.
أوروبا تسير بخطى كبرى، واذا استمرت العمليات في القارة واشتدت، فان المواطنين الاكثر تنورا، ممن تربوا على قيم الحرية، المساواة والاخوة، من شأنهم ان ينسوها بسرعة، مثلما فعل الكثيرون من الفرنسيين الذين فكروا بها في أعقاب الفوضى والإرهاب اللذين رافقا الثورة الفرنسية. هكذا قام نابليون في فرنسا. هكذا قام موسوليني في ايطاليا، هكذا قام فرانكو في اسبانيا. هكذا قامت الدكتاتورية. ليس بسبب الاشخاص الشريرين، بل بسبب الاشخاص الخائفين. مثل أولئك الذين يعيشون اليوم في باريس، في بروكسل، في برلين، في لندن والآن في برشلونه ايضا.
يديعوت ـ 20/8/2017