أوروبا المفلسة: «كوبا بدون شمس»!

من أسباب تأسّف بعض الساسة الأوروبيين على سقوط القذافي ـ ومنهم من يتباكى في وسائل الإعلام بشكل سوريالي فاضح للاستخفاف الماكيافيللي بكثرة الأسباب التي أدت بالشعب الليبي إلى ممارسة حق الانتفاض على القذافي بعد نفاد أربعين سنة من الصبر ـ أنه قد كان كافيا أوروبا شر الهجرة غير الشرعية، في إطار تفاهماته مع صديقه الديمقراطي جدا والليبرالي جدا سيلفيو برلسكوني على جملة مصالح متبادلة تضمنت منع إبحار أي من قوارب اللاجئين الأفارقة نحو السواحل الإيطالية. أما التأسف الروسي، فإنه متفوق على التأسف الأوروبي بصرامة منطقه الباعث على الإعجاب: منطق التمسك بعلوية «القانون الدولي» وبقدسية مفهوم «السيادة». وهو منطق مبدئي بالغ الرقي لا يمكن أن يكون له أي علاقة بخسران زبون اشترى من روسيا، على مدى العقود، كل ما لديها من خردة السلاح وسقط المتاع العسكري، ولا يمكن أن يكون له أي علاقة بميل فلاديمير بوتين إلى التضامن الأوتوماتيكي مع الزملاء الأعزاء من حكام المزاج الاعتباطي والتعسف القراقوشي، وبتحمسه المشهود للذبّ عن «حلف الاستبداد» ضد فساد القيم وشذوذ البدع التي تغرر بشعوب لا تعرف مصلحتها، أي ضد ما يسمى، اختصارا، بـ»الإرهاب».
وقد كنت في الماضي أستغرب كيف يخاطر «اللاجئون الاقتصاديون» الأفارقة (أي الذين لم يتركوا بلادهم هربا من الحروب وإنما بدافع الرغبة في الحصول على فرصة معيشة مادية أحسن أو أقل سوءا) بركوب قوارب الموت من السواحل الليبية أو المغربية أو التونسية رغم أن حياتهم غير مهددة بخطر داهم في بلدانهم. ولكن الزيارات الميدانية العديدة التي قمت بها لإفريقيا الغربية، وخصوصا للنيجر وبوركينا فاسو، فتحت عيني على واقع إنساني بائس يائس يبعث على المجازفة بالنفس ويهوّن ركوب جميع المخاطر. واقع كسير حبيس في فقر مطلق. فقر كأنه الكفر بشاعة وشناعة وإظلام مصير.
ومع ذلك، فإنك لا تتمالك عن السؤال. عندما يطالعك خبر إنقاذ خفر سواحل إيطاليا في يومين فقط، الأسبوع الماضي، ما لا يقل عن أربعة آلاف شخص يكاد يكون جميعهم من بلدان إفريقيا الغربية، لا تتمالك عن السؤال: هل يمكن لهؤلاء الناجين من الغرق، ولسواهم من الموجات البشرية التي تتوالى على سواحل شمال المتوسط منذ سنين، أن يصدقوا حقيقة ما ينتظرهم؟ هل يمكن أن يكون لديهم من سعة الخيال ما يمكّنهم من تصديق حقيقة أن أوروبا التي يحلمون بها منذ أن سمعوا، أيام كانوا أطفالا، بخيراتها ومعجزاتها ليست هي بالضبط أوروبا ذاتها التي كان يسمع بها أجدادهم؟
هل يمكن أن يصدقوا أن الجغرافيا التي سوف يسقطون متهالكين على بقاياها لم تعد متوافقة مع الزمن الذي ورثوا صورته وأسطورته عن حكايا الأجداد؟
هل يمكن أن يصدقوا أن البلاد التي أتوها، دون استضافة، ليست بلاد الزمن الذهبي الذي يظنون أنهم لاذوا بالفرار إليه وفازوا بالنجاة لديه؟ فقد كان الأجداد موقنين أن أوروبا هي «جنة الله على الأرض»، ولكنهم لم يكونوا بالضرورة مستعدين لترك أوطانهم المستعمرة، أو المستقلة حديثا، من أجل سواد (أو زرقة) عيون أوروبا البعيدة. وحتى عندما وقعت موجة الهجرة، فقد كانت في سياق استجابة لطلب أوروبي ملحّ فرضته إرغامات النمو الاقتصادي الاستثنائي أثناء «الثلاثين المجيدة»، من منتصف أربعينيات القرن العشرين حتى منتصف السبعينيات.
أما الأحفاد، فإنهم قدموا متوهمين أن أوروبا هي بلاد النعيم، بينما صارت هي ترثي لحال ذاتها منذ أدركت حقيقة سقوطها البطيء نحو ما يعتقد بعض مفكريها، بل وبعض ساستها أيضا، أنه مهاوي الجحيم.
تلك هي إحدى مفارقات عصرنا الكبرى: لقد تعاظم حلم أبناء العالم الثالث بالجنة الأوروبية بالتزامن مع بداية تصحر هذه الجنة! ومن أبرز العلامات على ذلك أن شبح الجوع وسوء التغذية قد عاد يخيم على بلدان مثل بريطانيا وفرنسا! لهذا أعلن رئيس الوزراء الفرنسي السابق فرانسوا فيون منذ عام 2007 أنه «على رأس دولة مفلسة»!
أما وزير الاقتصاد إيمانويل ماكرون فقد قال عن البرنامج الانتخابي لفرانسوا أولاند عام 2012 إنه بلا أمل ولا أفق: إنه بمثابة دولة «كوبا (ولكن) دون شمس»!

٭ كاتب تونسي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية