رمزية كبيرة تكمن بالذات في انه في الذكرى الثانوية لـ 73 لاستسلام المانيا النازية وجدت اوروبا نفسها تقضم أظافرها انتظاراً لقرار رئيس أمريكي عن مستقبل الاتفاق النووي مع إيران. صحيح أن إيران لا تزال بعيدة عن ان تكون مشبهة بالمانيا النازية رغم أنه يمكن ايجاد اوجه شبه معينة بين الطرفين. غير أن المقارنة التاريخة الواجبة تتعلق بسلوك اوروبا حيال التهديدات الملموسة على السلام العالمي: في حينه واليوم، نهج التصالح والرغبة في ايجاد حل سياسي بكل ثمن، من أجل الامتناع عن مواجهة عسكرية، أدى ويؤدي إلى المصائب. في حينه واليوم، الولايات المتحدة هي التي أنقذت الغرب من الانهيار التام.
كان غريبا أن نسمع في الايام الاخيرة الرئيس الفرنسي، وزير الخارجية البريطاني، وزير خارجية لوكسمبورغ يحذرون من حرب شرق اوسطية جديدة تهدد اوروبا، إذا قرر ترامب استئناف العقوبات على إيران، فأدى بذلك إلى انهيار الاتفاق النووي. هل مستشارو أولئك المحذرين نسوا إطلاعهم على ان مثل هذه الحرب، بمشاركة إيران تدور رحاها منذ الان في العراق، في سوريا وفي اليمن، وآثارها تشعر بها أوروبا جيدا منذ الان؟
أحد الدوافع الرئيسة للتوقيع على الاتفاق النووي مع إيران كان الرغبة في تعزيز «العناصر المعتدلة» في النظام الإيراني. في هذا السياق من المهم الاشارة إلى أنه في السنوات الاخيرة حاولت محافل اوروبية تحقيق تفهم لمساعي إيران الوصول إلى استقلال نووي، وبالاساس سلاح نووي. اما كشف اسرائيل للارشيف الإيراني فلم يعلم الاوروبيون أي شيء جديد. فقد كانوا مستعدين لقبول إيران مع قنبلة نووية. هذه طبيعة نزعة المصالحة الاوروبية: سياسة النعامة.
عندما وقع الاوروبيون على الاتفاق النووي كانوا يعرفون جديا بانه بعد عقد من ذلك ستتمكن اوروبا بعد عقد من تطوير قنبلة نووية بسرعة. وبرعاية الاتفاق ادار الإيرانيون سيطرة على دول كاملة في الشرق الاوسط. واغمض الاوروبيون عيونهم عن علاقات إيران مع حزب الله وحماس. وبدلا من ان يلجم الاتفاق النووي إيران، سمح لها بالعربدة. يضع ترامب الاوروبيين في مكانهم، وهم لن يسارعوا إلى تحطيم الاواني مع واشنطن، لذات السبب الذي يجعلهم يغازلون إيران: الاقتصاد. كما منح ترامب الاوروبيين فرصة للعمل على تحقيق اتفاق مكمل مع الاوروبيين، يعالج كل ثغرات الاتفاق السابق.
لقد عرفت الاطراف بأن الاشهر الاربعة التي خصصها ترامب للمفاوضات لن تكفي. بأثر رجعي، تكتيك ترامب أعطى ثماره: في لندن، في باريس وفي برلين يعترفون بان الاتفاق النووي هو «اتفاق غير جيد».
وحتى وزيرة الخارجية الاوروبية، فيدريكا موغريني ـ التي كان الاتفاق مع إيران «الطفل المدلل» لمكتبها ـ تعترف اليوم بان الاتفاق بالنسبة للاوروبيين لا يقوم على اساس الثقة بالإيرانيين. اما الإيرانيون انفسهم فيطلقون منذ الان اشارات غير متصلبة حول الانسحاب الأمريكي من الاتفاق.
ويتبقى الآن أن نرى إذا كان الاوروبيون سيبلورون نظرة واقعية فينضمون إلى الولايات المتحدة في ممارسة الضغط على إيران وتحقيق اتفاق شامل، يحل محل «اتفاق فيينا». ضغط غربي مشترك يمكنه أن يغير قوانين اللعب. ولكن الماضي يعلمنا بأن الاوروبيين سيتمسكون بنزعة المصالحة لديهم.
اسرائيل اليوم 9/5/2018