أوروبا في مواجهة تطرفين

تقدم المعطيات الرقمية التي تجمعها مراكز وقاعدة بيانات وتقارير دولية تخص مؤشرات الإرهاب معطيات جد هامة عن الإرهاب في أوروبا، يسمح تحليلها وتفكيكها بتطوير معرفة علمية بمحددات الظاهرة الإٍرهابية في أوروبا ودراسة تحولاتها واجتراء نموذج تفسيري في مقاربتها. أول معطى توفره قاعدة البيانات هذه، أن الحالة الإرهابية في أوروبا ليست جديدة بالمرة، وأنها لم تنشأ مع بروز الجماعات الجهادية ذات الصفة الإسلامية، فمنذ سبعينيات القرن الماضي وعدد من الدول الأوربية تتلقى ضربات إرهابية من قبل جماعات قومية وانفصالية وأخرى يسارية ونازية، ونازية جديدة ويسارية وعمالية وجماعات دينية مسيحية متطرفة وأخرى لها علاقة بالمافيا كما هو الشأن في إيطاليا.
ثاني هذه الخلاصات التي استفيدت من معطيات تم تجميعها في قاعدة بيانات غطت ما يزيد عن أربعين سنة، أن الحالة الإرهابية الأكثر تهديدا لأوروبا من حيث عدد الهجمات خلال هذه الفترة هي ما كان يرتبط بالعنف السياسي، وأن الخطورة التي تميز بها إرهاب الجماعات الجهادية مؤخرا تكمن في استهدافها للأشخاص وتضخم عدد القتلى. ثالث هذه الخلاصات، أن الإٍرهاب الذي نفذته الجماعات الجهادية ذات الصفة الإسلامية في أوروبا لم تكن على نسق واحد، ولم تعرف مسارا مطردا لا في الزمان ولا في المكان. فقد عرف إرهاب تنظيم القاعدة في أوروبا أوجهه ما بين 2004 و2005 وبالتحديد مع تفجيرات مدريد سنة 2004 وتفجيرات الأنفاق في لندن سنة 2005، وأن مرحلة ما بين 2010 و2011 كانت الفترة الآمن التي لم تشهد فيها أوروبا أي تفجيرات تذكر، أي أن مرحلة الربيع العربي كانت بالنسبة إلى أوروبا بمثابة مخلص من الإرهاب بسبب ظهور أمل لدى الشعوب العربية في الديمقراطية وإمكانية التخلص من الأنظمة الاستبدادية وتحقيق تطلعات الشعوب العربية في الحرية والكرامة والعدل فضلا عن ظهور مؤشرات اندماج التيارات السياسية الإسلامية في النسق السياسي لاسيما منها الطيف السلفي، وأن الضربات التي تلقتها أوروبا من قبل تنظيم داعش لم تبدأ عمليا إلا مع سنة 2015 أي بعد تبخر حلم الشعوب في التحرر، وبعد إنشاء حلف دولي لمكافحة هذا التنظيم في سوريا والعراق.
رابع هذه الخلاصات أن منطقة شمال إفريقيا (وتحديدا تونس والمغرب والجزائر…) وكذا الدول الأوروبية التي تعرف مستويات عالية من المقيمين فيها من أصول شمال الإفريقية أضحت تمثل المجال الخصب للتجنيد إلى التنظيمات الجهادية.
خامس هذه الخلاصات التي قدمتها معطيات إحصائية تخص الأعمال الإرهابية التي قام بها أشخاص لم يعلنوا الانتماء إلى أي هيئة، أن الدافع السياسي يتصدر العوامل الأحد العشر التي في الغالب ما تكون حافزة على الفعل الإرهابي، وأن التطرف الإسلامي يأتي لاحقا بعد التطرف السياسي. يبدو في الظاهر من الصعب الجمع بين هذه الخلاصات الخمس في تركيب تحليلي بحكم استقلال كل خلاصة عن الأخرى، لكن عند التأمل والنظر يمكن بسهولة التماس الخيط الناظم الذي يجمعها.
يبتدئ التفسير بالإقرار بأن الإرهاب هو حالة أوروبية خالصة، وليس شيئا جديدا طارئا عليها قامت جهة أخرى بتصديره إليها. فائدة هذه البداية مهمة، لأنها تجعل النموذج التربوي والثقافي الأوروبي موضع المساءلة والنقد لاسيما ما يرتبط بالقدرة على التحصين. كما تسمح نقطة البداية هذه بمعالجة الظاهرة في فضائها الأوروبي، بما يعني ذلك من اعتبار الإسلام جزءا أساسيا من المجال الأوربي، وليس قضية تابعة لدول أخرى يرجى التنسيق معها لحل المشكلة، كما يعني ذلك التوقف عن الإعلاء من شأن المقاربة الأمنية في التعاطي مع الظاهرة الإرهابية، كما ولو كان الإرهاب لا يحتاج إلى أكثر من التنسيق الأمني مع الدول المصدرة له ومع دول أوروبا لتحصين الحدود وتفكيك الخلايا الوافدة.
يتلو هذه البداية النظر إلى المحدد السياسي في المقاربة، فالمعطيات تؤكد من جهة أولى أن الدافع السياسي بالنسبة للهجمات التي تصدر عن الأشخاص غير المنتمين إلى أي جهة يتصدر حوافز الفعل الإٍرهابي وذلك ما بين 2006 و2014، وتؤكد من جهة ثانية توقف الفعل الإٍرهابي مع انسياب رياح التغيير الديمقراطي في العالم العربي، وتؤكد من جهة ثالثة، عودته بقوة مع التواطؤ الغربي لإجهاض ربيع الشعوب العربية. تركيب هذه المعطيات يستعيد المقاربة التي قام النقاش طويلا حولها بين مراكز ومستودعات التفكير الأمريكية والأوربية بخصوص دور الدمقرطة في إدماج النخب وإشراكها في النسق السياسي فضلا عن إسهامها في معالجة قضية الثروة وتأمين الاستقرار. المعضلة الأمريكية والأوروبية تتكرر، وتبدو مغلقة ومستعصية على الحل: إنه لا حل للقضاء على الإرهاب ومحاصرة تناسل الجماعات الجهادية في العالم العربي إلا بالدمقرطة، وفي الوقت ذاته، فإن دعم الديمقراطية يحتاج إلى إيجاد حلفاء أو تنشئة حلفاء جدد، والفشل في هذا المسعى ينتهي بصعود الإسلاميين.
تجارب العقد الأخير تسجل هذه المعضلة، أي بعد حدة الجدل حول مقاربتين مختلفتين: الديمقراطية مدخل للأمن، والأمن والقضاء على الإسلاميين شرط سابق على الديمقراطية، وبعد تجربة الربيع العربي وتواطؤ الغرب لإفشاله، عادت الحالة الإرهابية بشكل أعنف، وتعقد مظهرها بشكل غير مسبوق.
بالأمس القريب كان الإرهابيون مجندين طارئين على أوروبا، أو في أحسن الأحوال مواطنين عربا ولدوا وترعرعوا في بلدانهم الأصل ثم هاجروا إلى أوروبا، أي مواطنين يعيشون أزمة الهجرة والاندماج بالتعبير الأوروبي التقليدي.
اليوم تغيرت بنية الحالة الإرهابية، فمنفذو الفعل الإٍرهابي أوروبيون ولدوا ونشأوا في أوروبا وتلقوا التعليم الأوربي في المدارس الأوروبية من المستويات الأولية إلى الجامعية ومنهم من أصبح من الكفاءات والأطر الفنية.
تغير البنية يعني أن الإرهاب الأوربي الذي يحمل الصفة الإسلامية صار هو الآخر جزءا من أوروبا تماما كان الفعل الإرهابي الأوروبي يساريا ونازيا وقوميا وانفصاليا ودينيا، وأن المقاربة أصبحت أكثر تعقيدا، إذ لم يعد مطلوبا فقط اليوم من أوروبا أن تعمل على دعم الديمقراطية في العالم العربي لكي تأمن من الفعل الإرهابي الذي يأتيها من الخارج، ولكنها أصبحت ملزمة بإضافة بعد جديد في المقاربة يخص دمقرطة الفرص بين المواطنين الأوربيين سواء الذين تتحدر أصولهم من أوروبا أو الذين تتحدر أصولهم من دول أخرى، كما أصبح المطلوب أيضا مراجعة المقاربة التي تسعى إلى تحديث الدين وتنويره في العالم العربي، لأن الأمر يتعلق بالإسلام في أوروبا وليس الإسلام في بلد آخر. مدخل المعالجة، بالإضافة إلى البعد الديمقراطي، سواء الذي يستهدف العالم العربي، أو الذي يخص ديمقراطية الفرص، هو أن يتم التعامل مع الإسلام كجزء أساسي من الهوية الأوربية، بما يعني ذلك تحمل الدولة الأوربية مسؤوليتها في تنظيم الحقل الديني، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية لمواطنيها الأوروبيين بما يضمن الانفتاح على اللغة العربية لتمكين المواطنين الأوروبيين من أدوات فهمهم للدين وتحصينهم من التطرف.
ستكون أوروبا في المدى القصير والمتوسط مضطرة إلى إدماج تدريس اللغة العربية في برامجها ومناهجها التعليمية في أوروبا كلغة اختيارية لأنها ستدرك أن التأخر في هذه الخطوة ستكون كلفته باهظة، بسبب الحاجة إلى تحصين الأوربيين ا المسلمين المزدادين في أوروبا من الوقوع في أحضان التطرف، كما ستكون مضطرة بدرجات متفاوتة بين دولها إلى الانكباب على مشكلة الفشل أو التعثر المدرسي لأبناء المسلمين المقيمين في أوروبا، لأن ما يدفع هؤلاء أو بعضهم على الأقل إلى الوقوع في دائرة التجنيد للفعل الإرهابي هو الشعور بتقلص الفرص الاقتصادية، وذلك يحصل بشكل حتمي مع الفشل المدرسي.
أوروبا، كما أمريكا، أعاقت تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، وفجأة شعرت بأنها محتاجة في مواجهة الإرهاب الذي تصدره هذه الدول إلى أن تدعم الديمقراطية فيها، لكنها بعد أن عجزت عن تحمل نتائج الديمقراطية فيها بسبب صعود الإسلاميين، تورطت مرة أخرى في إعاقة الديمقراطية وإجهاض ربيع الشعوب، فأصبحت محتاجة إلى مواجهة تطرفين، الأول القادم من الدول التي عبثت بمصيرها السياسي، والثاني الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من نسيجها الثقافي.

٭ كاتب وباحث مغربي

أوروبا في مواجهة تطرفين

بلال التليدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية