أولاد أشرار في مجموعة «الجرذان التي لحست أذني بطل الكاراتيه»!

حجم الخط
0

العناوين التي وضعها مازن معروف لقصصه لا يختلف مصدرها عن الأسماء التي أطلقها على شخصياته. ففي العناوين هناك «سكِند هاند رابيت» و»شوبر» و»كابوتشينو» و»جلو» و»كلب عيدان الكبريت» و»الجرذان التي لحست أذنيْ بطل الكاراتيه» (وقد احتُفل بهذا الأخير فعنون به الكاتب مجموعته كلها).
أما الأسماء فبينها «سميّة البندوق» (وهو اسم رجل!) و»الشبل» و»سينغل» و»غاندي المارلبورو» …إلخ. شيء ما يجمع بين هذه الأسماء وما كان يطلقه رجال الحرب على أنفسهم، أو يطلقها عليهم آخرون ومن بينهم، في بيروت: الكاوبوي، والكاديلاك، وأبو عبد الإلكترون… إلخ أيضا. يصعب بالطبع التدليل على ما هو مشترك بين هذه الأسماء وتلك، أو تعيين ما يجعلها مأخوذة من مصدر واحد، لكن ما ينبغي تصديقه هنا وأخذه في الاعتبار هو وقع تلك الكلمات على الآذان ونوع المخيّلة التي عملت على تأليفها، سواء في الحرب أو في كتابة القصص.
وما ألهمته الحرب ليس الأسماء وحدها، بل هناك الكثير من أدواتها جرى استحضاره في الكتاب، لكن ليوضع في أيدي شخصيات من صنف آخر. هناك الكثير من المسدسات والسكاكين والقنابل والعبوات، وضعت بين أيدي من هم أولاد أو من وصلوا بالكاد إلى أعمار مراهقتهم. «غاندي المارلبورو» مثلا كان يستخدم الأنشوطة التي تُعقد في طرف الحبل، على طريقة رعاة البقر الأمريكيين، وهو لذلك ربما سُمّي بالاسم – الصفة الذي عرفت به بلادهم. لكن هنا، في القصص، لم تقف الأسماء عند الحد الذي تثيره غرابتها، بل إنها، تذهب في ذلك إلى إدخال حيوانات منزلية وغير منزلية كشخصيات ثانوية غالبا، وهي تتحوّل ليصير ذلك الكلب مصنوعا من عيدان كبريت انفجرت في لحظة اكتمال حلولها في جسمه، وتطايرت مطلقة أضواءها كما في احتفال ضخم بميلاد أحدهم.
وفي أحيان يبدو كما لو أن أولئك الصغار يجعلون من لعبة الكبار، السابقين، لعبتهم هم، لكن بدلا من تفخيخ السيارات المتبادل بين «هنا وهناك» يفخّخ الأطفال دراجة بديناميت وضعوه في فتحتي مقودها، وذلك «ردا على انفجار دراجة في مدرسة أخرى خلف خطوط التماس»، لكن لا ذكر للضحايا هنا كأن ذلك إن حصل، سيتعدّى كونه لعبا، أو سيسقط في التدرّج العادي لجريان الأحداث، فيسقط قتلى وجرحى عاديون، موقفين بذلك الابتكار الذي ينبغي أن يكونوا صنيعته التامة. سكاكين ورصاص ومسدسات، بل وصعقات كهربائية لا نعرف إن كانت للتعذيب أم للدفع نحو مزيد من الجنون، وكواتم للصوت، لكن لا يسقط قتلى أو حتى جرحى. ربما في إحدى القصص قرأنا عن نزفٍ أو عن ضرب مبرّح يترك آثارا على الأجسام، سواء من خارجها أو في داخلها، لكن ما سعى إليه الكاتب هو اختراع مصائر اخرى تُحبك كأنما من مخيّلة مريضة، أو من عقل مصاب بأصناف مختلفة من السادية والمازوشية والجنون.
وها هو المحيط الخارجي مصاب كلّه بالمرض. في القصة التي عنوانها «جلو» سجن يعذّب فيه الأطفال بضربهم بالسوط حتى الإدماء، أما من يعذِّب، أو يشترك بالتعذيب فأم الصبيّ الراوي التي تخرج من البيت بمريولها الأبيض لكن المصبوغ بدمائهم. وهي تصطحب ابنها ذاك إلى عملها حتى أنه، بمساعدة من عريف السجن، يروح يعذّبهم بنفسه قبل أن يتحوّل إلى جلدهم بسوط من ورق يداعبهم بدل أن يؤذيهم. أما العريف فضيف في منزل العائلة، ملتبس بين أن يكون عشيق الأم أو زوجها، فيما الأب مركون في زاوية ما من المنزل، بما يمدّ خيطا من الذاكرة الفعلية على ذلك اللعب المبالغ في عنفه وقسوته.
ليست الحرب وحدها ما يُسترجع هنا، فدائما، إلى جانب عبث المخيّلة التي من قبيل ابتكارها الانتحار بإغراق الرأس في إبريق الجلو (الهلام الأحمر) هناك خيط من المرارة سيظل ممتدّا. لكن اللعب يظلّ يغالبه لينفيه زاعما أن ما يجري في عالم القصص هذا ليس إلا لهوا، وإن بدا محكم البناء ومتدرّجا بتسلسل يبديه خاضـــــــعا لمنطق دقيق. فالصورة تتولّد من سابقتها، وكذلك الفكرة، على الرغم من أننا في عالم من الغرابة لا يتوقّف عن تجاوز الغريب الذي حملته الجملة السابقة. كأن اللامعقول يجب ألا تتوقّف ديناميته، إذ ينبغي تجديده والتقدّم به نحو ما هو أكثر لامعقولية.
وهذا ما يجعل الكتاب محتشدا بما لا يمكن حصره من الصور والمواقف والأحداث الغريبة والمخلوقات، بل والسير الذاتية لأولاد ولمراهقين مبكّرين وإن مستعجلي الوصول، على طريقتهم، بل على طرقهم، إلى العالم الذي تحدث فيه جرائم الكبار. وهؤلاء سينضم إليهم آخرون ممن لم يحصل لهم أن ولدوا. «أطفال كثر (..) صنف آخر من الأطفال. صنف لم يفكّر فيه أحد، أو يتوقع رؤيته في يوم من الأيام. فهؤلاء هم الأطفال الذين كان يفترض بهم أن يولدوا، لكن ذلك لم يحدث أبدا، إما لأن الناس قذفوا داخل واق ذكري، أو تناولوا حبة لمنع الحمل، أو…
*»الجرذان التي لحست أذني بطل الكاراتيه» كتاب قصص لمازن معروف صدر عن دار «براءات المتوسط – إيطاليا» في 124 صفحة، 2017.

٭ روائي لبناني

أولاد أشرار في مجموعة «الجرذان التي لحست أذني بطل الكاراتيه»!

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية