إن الجهد المحرج تقريبا من اجل ايجاد «مسلمون معتدلون» قد بدأ قبل أن نعرف الإسلام المتطرف بكثير. «محرج تقريبا»، ليس لأنه لا يوجد مسلمون معتدلون بل لأن معايير اعتدالهم كانت احيانا سخيفة. ولأن دوافع الباحثين كانت مشبوهة.
في الاسبوع الماضي رأى الهنود رئيس حكومتهم، نرنادرا مودي، القائد القوي والاكثر كاريزما الذي تعرفه الهند منذ أكثر من نصف يوبيل، إنه حسب تعريفه لنفسه «قومي هندي» وجاء من حزب أساس قوته يوجد في اليمين الديني، وجذوره الفكرية بنيت على العداء للإسلام والمسلمين. معروف أن مودي يحب وضع القبعة والوشاح وغطاء الرأس التي تلائم كل طائفة هندية عرقية يذهب اليها. ولكن قبل أن يصبح رئيسا للحكومة رفض بشكل علني وضع غطاء رأس قدمه له رجال دين مسلمون اثناء وجبة إفطار احتفالية في أحد ايام رمضان.
في الاسبوع الماضي كان مودي مدعوا لافتتاح مؤتمر للمسلمين المتصوفين. وهناك أعلن أن الإسلام «هو دين سلام» والدليل على ذلك أنه «من بين اسماء الله الـ 99 ليس هناك اسم يرمز للعنف».
كانت هذه لفتة تصالح استثنائية مهمة. ويمكن القول إن الكلمات لم ترضِ الايديولوجيين اصحاب النفوذ الذين شقوا طريق مودي إلى السلطة (شبكة الحركة المعروفة بالاحرف الهندية آر.اس.اس منتشرة في ارجاء الهند) فاجأت مستمعيها لأنه منذ صعد مودي إلى السلطة قبل عامين زاد التوتر بين الهندوس وبين من يرغب الهنود بتسميتهم «الاقليات».
ليس صدفة أن رئيس حكومة الهند اختار منتدى للصوفيين. فلدى الصوفيين في الهند إرث طويل من التعايش والسعي إلى السلام. لذلك يبدو أن التطرف الإسلامي في القرن العشرين في الشرق الاوسط وجنوب آسيا يرتبط بشكل مباشر بضعف الصوفيين.
الصوفيون يختلفون عن السنة والشيعة. الصوفية تعبر هذا الفصل بين الاثنين. ولا يمكن تعريفها بشكل قاطع. وخلال ألف عام منحت الإسلام طابعا روحانيا خفيا، الامر الذي سمح بانتشارها وتدخلها في المناطق التي كانت تتبنى قناعات الجاهلية. لم تطلب الولاء من المؤمنين. وكانت مستعدة لأن تستوعب وليس فقط أن تفرض في اوقات مختلفة وفي مناطق جغرافية مختلفة، منحت الصوفية الالهام لتقبل الآخر، الامر الذي دفع منتقديها إلى اعتبار ذلك كفر. الشعراء الصوفيون غنوا للنبيذ ولحب اللحوم. وهناك من بالغوا إلى درجة الفردية في العلاقة بين المؤمن والله. الحجيج إلى مكة، كما قال أحد المشهورين منهم، ليس بالضرورة أن يحدث فيزيائيا. إن مكة فكرة وليست هدفا جغرافيا.
المتطهرون ـ «الوهابيون» أو «السلفيون» ـ يريدون استئصال السوء من الإسلام. يقرأون القرآن كما هو. ويرفضون أي «تجديد» ويريدون مركزة الايمان بدون صيغ محلية وبدون انفتاح.
بين الصوفيين توجد ألوان وألوان، ومدارس يسمونها «طرق». منشأ المدرسة الاكثر تأثيرا في الهند هو عيرك، وهي مدينة صغيرة في افغانستان التي نعرفها في ايامنا باسم «تشيشت» كما ظهرت في القرن العشرين. حكماء التشيشت هم مفسرون معتمدون للسنة النبوية في نظر مؤيديهم. حيث يطلبون منهم دائما الابتعاد عن القوة السياسية حتى لا تلوث ارواحهم. بلغة ايامنا، ارادوا الفصل بين الدين والدولة. وهذه الفكرة غريبة عن الاخوان المسلمين والجهاديين.
«الصوفيون» كما اعلن منظمو المؤتمر في دلهي هم «الضحايا الاساسيون» للإرهاب الجهادي. وقد أنهوا المؤتمر بدعوة للمجتمع الدولي لمساعدة الصوفيين.
هذه الفكرة سبق وخطرت ببال مراكز ابحاث في الغرب حيث حاولت تسويق ذلك للحكومات واجهزة الاستخبارات بقدر مختلف من النجاح. حاولت روسيا الاستفادة من خدمات الصوفيين اثناء حربها في القفقاز منذ منتصف القرن التاسع عشر. لكنها اكتشفت اكثر من مرة أن الصوفيين ليسوا «معتدلين» من حيث الجوهر. بل العكس، الصوفيون بادروا إلى التمرد الكبير ضد الاحتلال الروسي في القرن التاسع عشر، وتمرد الصوفيون ضد روسيا في التسعينيات من القرن العشرين.
الصوفيون يدافعون عن أنفسهم في الشرق الاوسط منذ الربع الثاني من القرن العشرين. شهادة على حجم وجودهم وتأثيرهم توجد في قبور الشيوخ. إن عادة الذهاب إلى قبور الصديقين في اجزاء من اليهودية، تحمل ختما صوفيا عميقا. لا يجب أن يشعر أحد بالاهانة. الأنهار تختلط ببعضها البعض حينما تذهب إلى البحر والخلط يساهم في الاغناء. في الهند يجد المسلمون والهندوس أنفسهم أمام نفس القبور وأمام القديسين أنفسهم ويصلون من اجل نفس الخلاص.
هل التعددية بروح الصوفية تستطيع العودة للتأثير على الجاليات الإسلامية؟ يصعب الايمان بذلك. حب الغير واللامبالاة السياسية لا تشكل عملة صالحة للتاجر في المجتمعات الإسلامية في الاجيال الاخيرة.
النهضة النهائية هي فكرة جميلة، ويبدو أنها ذهبت منذ زمن. يحتاج الإسلام إلى الاصلاح مثل ذلك الذي هز المسيحية في القرن السادس عشر فصاعدا. لكن يجب أن نتذكر أن الاصلاح لن يتحقق بفعل الورود واغاني الحب، بل بفعل السيف.
غلوبوس 27/3/2016
يوآف كارني ـ نيودلهي