بعد 100 سنة من قرار جورج بيكو ومارك سايكس حول كيفية تقسيم الشرق الاوسط بين فرنسا وبريطانيا في نهاية الحرب العالمية الاولى، عقد رئيس الحكومة الفرنسي فرانسوا اولاند في باريس مؤتمر شارك فيه 29 وزير خارجية، في محاولة لفرض خطوات على دولة إسرائيل تؤدي إلى تغيير قسري لخارطة الشرق الاوسط عن طريق اقامة دولة فلسطينية.
في الوقت الذي كان فيه باستطاعة سايكس وبيكو الاعتماد على قوة الجيوش البريطانية والفرنسية لتطبيق الخطوط التي رسموها على الخارطة، فان اولاند لا يملك قوة كهذه. إنه يأمل أن يقوم مؤتمر السلام الدولي الذي من المفروض أن يتم بعد لقاء وزراء الخارجية بالضغط الدبلوماسي والاقتصادي على إسرائيل كي تقبل الشروط التي يعتبرها ضرورية من اجل تطبيق حلم «الدولتين». كل هذه الخطوات يتم اتخاذها تمويها للادعاء بضرورة تشجيع وجود المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين بغطاء دولي.
خلال ما يقارب ألفي سنة اضطر اليهود للانصياع لأوامر الآخرين. وقد انتهت هذه الاوقات دون رجعة مع اقامة دولة إسرائيل. إسرائيل ستعمل بناء على مصالحها وكما ستحدد من قبل حكومتها المنتخبة بشكل ديمقراطي. وحتى اولاند مع 29 وزير خارجية إلى جانبه، لا يستطيعون اجبار إسرائيل على التصرف بشكل مختلف.
نشأت المشكلة الفلسطينية بسبب الهجوم الذي بادرت اليه الجيوش العربية على إسرائيل في أيار 1948، ولم تُحل منذ ذلك الحين بسبب طلب تحقيق «حق العودة» ـ هذا الطلب الذي تتحدث به كل أذرع الكيان السياسي الفلسطيني الضعيفة، والذي يؤيده العالم العربي والإسلامي. اللاجئون الفلسطينيون، كما يقولون، يشملون كل أحفاد الـ 650 ألف فلسطيني الذين تم اقتلاعهم من بيوتهم في الحرب، ويصلون في أيامنا إلى حوالي 5 ملايين شخص. «عودتهم» إلى دولة إسرائيل ستؤدي إلى زوالها.
من يؤيدون هذا الطلب يعرفون ذلك جيدا. ففي نهاية المطاف هذه هي العقبة الحقيقية التي تمنع وجود مفاوضات جدية بين إسرائيل والفلسطينيين. لذلك فان الخطوة الاكثر نجاعة التي يستطيع اولاند ووزراء الخارجية الذين اجتمعوا في باريس في نهاية الاسبوع، اتخاذها، هي دعوة الفلسطينيين ومن يؤيدونهم في العالم العربي والإسلامي للتنازل عن هذا الطلب، وبذلك تمهيد الارض للمفاوضات المثمرة مع إسرائيل.
من اجل اجراء مفاوضات كهذه، هناك حاجة إلى ممثلين فلسطينيين لهم صلاحيات وقادرين على التعهد بتطبيق التزاماتهم بعد توقيع الاتفاق. يجب أن يكون واضحا للجميع أنه في السنوات الاخيرة لم يظهر قائد كهذا. الفلسطيني الوحيد الذي كانت له هذه الصلاحية والقدرة على فرض الامر على معارضيه، كان ياسر عرفات. لقد كان قائد منظمة إرهابية مسؤولة عن اعمال فظيعة. وكما تبين في النهاية، لم يسعى إلى التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل.
لا توجد لمحمود عباس صلاحيات من هذا النوع، وهو لا يمثل كل الفلسطينيين. خصمه، حماس، التي سيطرت على غزة، تستمر في السعي لتدمير دولة إسرائيل، وهي لن توافق على أي اتفاق سيتوصل اليه عباس معها. عباس يعرف ذلك جيدا، وهذا هو السبب الذي يجعله يفضل الخطوات الاحتجاجية في الأمم المتحدة أكثر من المفاوضات مع رئيس حكومة إسرائيل.
الآن يوجد لـ اولاند مبادرة، لن تؤدي إلى أي مكان. ولن تقرب الهدف ـ السلام في الشرق الاوسط ـ واذا كان وزراء الخارجية الذين اجتمعوا في باريس يعتقدون أن موجة الإرهاب التي أصابت اوروبا في الاونة الاخيرة ترتبط بالمشكلة الفلسطينية، فهذا يعني أنهم لا يفهمون أبدا اسباب العنف المنتشر في الشرق الاوسط في السنوات الاخيرة.
هآرتس 7/6/2016