القاهرة ـ «القدس العربي» لا يزال اهتمام الغالبية من المصريين بالأحداث على حاله من دون أي تغيير يذكر، رغم أن الصحف الصادرة أمس الثلاثاء 24 يونيو/حزيران امتلأت بالكثير من الأحداث الجديدة. والاهتمام الوحيد كان لحكم محكمة جنايات المنصورة بالسجن المؤبد على أربعة وعشرين من الإخوان المسلمين بتهمة الاشتراك في ذبح محمد جمال الدين، سائق سيارة التاكسي والتمثيل بجثته وحرق سيارته، لأنه أيد وزير الدفاع وقتها، المشير عبد الفتاح السيسي، كما قاموا بتخريب محلات وممتلكات عامة وخاصة، ولأن هذه الحادثة تسببت في ضجة هائلة عند وقوعها. ولم تهتم الغالبية بالقضايا الأخرى رغم الضجة العالمية التي أحدثتها، وهي حكم جنايات القاهرة على عدد من مراسلي قناة الجزيرة المعروفة باسم خلية ماريوت، لوجود متهمين من بريطانيا وهولندا واستراليا وكندا، واستدعاء وزارات خارجيتها لسفراء مصر والاحتجاج على الحكم.
بينما استمر تركيز اهتمام الغالبية على مباريات كرة القدم في مونديال البرازيل والاستعدادات لشهر رمضان بعد أيام قليلة أعاده الله علينا بالخير واليمن والبركات، مسلمين ومسيحيين عربا.
وتأكيدات الحكومة أنها ستطرح في المجمعات وفي أسواق ستقيمها، اللحوم والخضراوات والياميش بأسعار أقل من السوق، كما بدأت في تشغيل فروع محلات زاد المملوكة لرجل الأعمال والنائب الأول للمرشد العام خيرت الشاطر بمعرفة وزارة التموين وصرف مرتبات جميع العاملين والاحتفاظ بهم. كما احتلت إعلانات البرامج والمسلسلات مساحات واسعة من الصحف، وسط قلق من استمرار ظاهرة انقطاع التيار الكهربائي وتأكيدات وزارة الكهرباء بأن الحالة في الشهر الكريم ستكون أفضل.
هذا وقد اخبرنا زميلنا الرسام الكبير في مجلة «صباح الخير» الحكومية محمد عز الدين، أنه شاهد بأم عينيه محصل كهرباء بائس في غرفة مواطن بائس مثله وهو يحمل له فانوس ويغني له وحوي يا وحوي ثم قال:
– فانوس هدية من وزارة الكهرباء ينور لما النور يقطع
كما تواصل الاهتمام بالجهود المبذولة لإزالة الاعتداءات على أملاك الدولة وغلق الباعة الجائلين عددا من الشوارع الرئيسية وسط المدن الكبيرة، واستمرار الشرطة في مهاجمة بؤر وأوكار العصابات الإجرامية وامتدادها إلى الصعيد، ومقتل العقيد إلهامي عبد المنعم رئيس فرع البحث الجنائي في سوهاج أثناء مهاجمة أحد الأوكار، ومقتل اثنين من المطلوبين. كما قتل نقيب الشرطة محمد جمال في أسيوط أثناء ضبط المطلوبين. وقتلت قوات الجيش والشرطة في شمال سيناء أكثر من ثمانية من العناصر التي وصفتها بأنها تكفيرية.
ومن الأخبار التي تحظى بمتابعة كبيرة، أخبار إلقاء القبض على المتحرشين بالنساء والفتيات، سواء بالألفاظ أو باليد، وسرعة إحالتهم للنيابة العامة والمحاكم. كما أمرت النيابة بالإفراج عن البعض لعدم ثبوت التهم عليهم، واجتماعات وزراء خارجية دول الاتحاد الأفريقي التي تمهد لاجتماع القمة الذي سيحضره الرئيس السيسي. كما لم تعد أخبار مفاوضات الكتل والأحزاب السياسية، استعدادا لانتخابات مجلس النواب تلقى اهتماما جماهيريا. والى بعض مما عندنا..
من يريد أن يعلق
لافتات وملصقات فليعلق
ونبدأ بمعارك الإسلاميين التي بدأت بظهور الملصقات التي تحمل عبارة «هل صليت اليوم على النبي؟» وما تلاها من تصريحات مسؤولين بوزارة الأوقاف ووزارة الداخلية بأن وراءها هدفا خبيثا، وتم تضخيم الأمر بطريقة ساذجة. صحيح أنه تم التراجع عن رد الفعل الأولي وترك الأمور تجري كما تشاء، من يريد ان يعلق لافتات وملصقات فليعلق، لدرجة أن أعدادا من أشقائنا الأقباط في بعض المناطق مثل الوراق وإمبابة بمحافظة الجيزة تبرعوا لمسلمين ليعلقوا هذه اليافطات لإحباط استغلالها لإثارة الفتنة.
وتوالت المقالات والتعليقات، منها مقال نشرته «التحرير» يوم الأحد كتبه محمد السعيد مشتهري، وهو ينتمي إلى جماعة القرآنيين التي أسسها صديقنا الدكتور أحمد صبحي منصور، الذي كان عضوا معي في مجلس أمناء المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وطالب بالاعتماد أساسا على ما جاء في القرآن الكريم لا الأحاديث، وتم فصله من جامعة الأزهر ثم غادر مصر من سنوات طويلة أثناء عهد مبارك وأقام في أمريكا وتعرض القرآنيون إلى حملات عنيفة وجهت إليهم شتى الاتهامات.
وبرز محمد سعيد مشتهري كأحد المناصرين لجماعة القرآنيين التي ضمت أيضا المرحوم المفكر الإسلامي جمال البنا، الشقيق الأصغر لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، ومحمد السعيد هو ابن المرحوم الشيخ الدكتور عبد اللطيف مشتهري الرئيس العام الأسبق للجمعية الشرعية للعاملين بتعاون الكتاب والسنة، وهي أكبر الجمعيات الدينية ونشأت عام 1912 على يد الشيخ محمود خطاب السبكي للدفاع عن السنة الصحيحة.
المهم أن محمد السعيد قال عن الأزمة التي أثارها ملصق «هل صليت على النبي اليوم؟»: «هل يعقل مثلا أن يكون البرهان على محبة النبي الذي حمل الآية القرآنية للعاملين هو أن نصلي عليه كلما ذكر اسمه، وإلا كنت كارها للنبي غير متبع لسنته؟ أنظر ماذا يفعل المسلمون عندما يذكر اسم النبي وحالة الوجد التي تظهر على وجوههم وأجسادهم، وقارن ذلك بأحوالهم عندما يذكر اسم الله تعالى!
في السياق القرآني تأتي الصلاة بأكثر من معنى يجمعها أصل واحد هو الصلة والاتباع، وهذه الصلة لا تتحقق بالأموال وإنما بالأفعال، وأول هذه الأفعال إخراج الناس من الظلمات إلى النور فيقول تعالى في سورة الأحزاب «يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا» (41) «وسبحوه بكرة وأصيلا « (42) «هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما»(43) . وعندما نتدبر الآية 43 نعلم أن صلاة الله وملائكته على المؤمنين، وفيهم قطعا النبي، هي لإخراجهم من الظلمات إلى النور ولكن كيف؟ تقوم على تفعيل آيات الكتاب في حياة الناس وطبعا يسبق هذا أن يتلقى النبي الكتاب من ربه وهذا التلقي يتم عن طريق الملائكة وفي مقدمتهم جبريل. إن عملية تلقي النبي للكتاب هي الصلاة التي وردت في قوله تعالى «إن الله وملائكته يصلون على النبي» (الآية 56) من نفس السورة. وقد ذكرنا هذا المعنى كما ورد في اللسان العربي فضل الله وملائكته على النبي، وهو إقامة الصلة بينه وبين الكتاب، وقطعا لن تكون للكتاب فاعلية في حياة المؤمنين إلا إذا قاموا بتفعيل الصلة بينهم وبين النبي، وهذا ما أمر الله به المؤمنين فقال بعد الجملة الخبرية «إن الله وملائكته يصلون على النبي». وقال «يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه» أي تواصلوا معه وأيدوه وانصروه.
ولأن تفعيل الكتاب في حياة الناس لن يتحقق فقط بالتواصل والتأييد والنصرة أمر الله المؤمنين بعدها أن يسلموا للنبي تسليما اي ان يخضعوا له ويطيعوا أمره فقال «وسلموا تسليما». لقد نجح الشيطان في تحويل حب الله ورسوله من حب قائم على تواصل إيماني دائم، وعلى تفعيل لنصوص الآية القرآنية المعاصرة لنا اليوم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور تحويل هذا الحب العملي إلى خطب منبرية وفتاوى تخاصمية وصراع على السلطة ودماء تسفك بسبب الهوية كما يحدث اليوم في العراق».
محمد أبو حامد: أدعياء
أرادوا أن يعطلوا عمل العقل
وسارع بالقفز إلى حلبة النقاش السياسي محمد أبو حامد، وهو إخواني سابق ثم انقلب عليهم إذ نشرت له «اليوم السابع» يوم الاثنين مقالا جاء فيه: «هذا الجدل أوجد عدة تساؤلات بين الناس في ما يخص علاقة المسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها الإجابة على سؤال مهم وهو، ما هي وظيفته وما الذي يجب أن يعصم من الخطأ فيه؟ فهذه القضايا من بديهيات الدين التي تعرضت للتحريف من أولئك الأدعياء المفسدين الذين زعموا أن النبي يجب أن يحيط علمه بكل شيء، وأن تؤدي إلينا رسالته كل شيء، وأن يعصم من الخطأ في كل شيء، فيتلو علينا الكتاب والحكمة ويدرس لنا اللغة والفلسفة ويعلمنا الصناعة والتجارة والزراعة والطب وكل ما يحتاجه الإنسان، وهو بكل ذلك عالم لا يسري إليه الخطأ والظن، ولا يبلغ منه الشك والوهم وأرادوا بذلك أن يعطلوا عمل العقل وهذا فهم غير صحيح.
والدلائل على أن عصمة النبي محدودة بحدود الوحي كثيرة منها، مراجعة القرآن في أمور وأحكام أجتهد فيها قبل نزول الوحي وأخطأ في اجتهاده، كما في قوله تعالى في سورة الأنفال آية 67 «ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم». وأصل ذلك أنه استشار صاحبيه أبا بكر وعمر في أسرى بدر فأشار أبو بكر بأخذ الفدية لأنهم العشيرة الأقربون، وأشار عمر بقتلهم ومال النبي إلى قول أبي بكر، فعاتبه الله في ذلك بالآية اعلاه. وكذلك عتاب الله سبحانه وتعالى له في مطلع سورة عبس في قوله تعالى «عبس وتولى. أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى..». كل هذه أدلة ظاهرة لا يشوبها الشك أن النبي لم يكن معصوما من الخطأ، إلا فيما يبلغ الله عز وجل، وأنه صلى الله عليه وسلم علم ذلك فوكل إلى الناس أمور دنياهم».
الصلاة على النبي
عنوان دين الإسلام
لكن في العدد ذاته «اليوم السابع» كان للدكتور كمال حبيب منظر جماعة الجهاد رأي آخر جاء فيه: «ليست الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم مسألة سياسية أو شعارا لجماعة أو حزب أو تيار، ولكنها عنوان دين الإسلام كله وعنوان تأكيد معنى شهادة «أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» التي نكون بها جميعا مسلمون، وهي بالتأكيد عنوان لمن خرج من وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف ليعبرا في صيغة مثيرة للدهشة أنهما قلقان من انتشار ملصق يذكر الناس بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن وزارة الداخلية ماضية في سعيها لمحاصرة الملصق ومنعه، فما كان إلا أن اعتبر الناس ذلك تحرشا بقدوتهم وأسوتهم وعنوان فلاحهم، فزاد تمسكهم بالملصق وزاد ترويجهم للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، متحدين سطوة وسلطة الداخلية التي كان من الأحرى بها أن تشتغل بما ينفع الناس، فتحقق لهم أمنهم واستقرارهم ولا تفتح على نفسها بابا لعدم الاستقرار، بتحدي تصريحات ممثلها وتأكيد أن ملك الناس الإنساني في العبادة لا دخل بالداخلية فيه، خاصة ان الصلاة على النبي هي جزء من الثقافة والتراث الشعبي المصري للمسلمين وغير المسلمين معا.
ولقد سمعت كلاما سخيفا لبعض مسؤولي وزارة الأوقاف في مداخلات إعلامية لتبرير حساسيتهم تجاه المنشور، أنه ربما تكون وراءه جماعة أو سياسة أو مثل تلك السخافات الغبية، دعوا الناس لا تحرمونهم من أشواقهم للدين، ومن أشواقهم للاستجابة للروح بالصلاة على خير الأنام، فهذا مسلك عبادي ذاتي لا دخل للدولة فيه، وإلا أصبحنا إزاء دولة فاشية تفتش على معتقدات الناس حتى تريد أن تشق ما في صدورهم».
جابر عصفور يطالب بإعادة
النظر في رفض عرض فيلم «نوح»
وإلى معركة أخرى مختلفة ذات طابع ديني ولها صلة بالأنبياء تسبب فيها صديقنا وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور بتصريحه الذي طالب فيه بإعادة النظر في رفض عرض فيلم «نوح»، الذي اعترض عليه مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر، وهو ما أغضب رجاله. ونشرت «التحرير» يوم الاثنــــين تحقيقـــا للجمــــيلة الشيماء عبد الله قال فيه وكيل الأزهر الدكــــتور عباس شومان: «ما قاله الدكتور جابر عصفور لا علاقة له بــــرأي الأزهــــر، ولا يمكن أن يغير موقفهم من الفيلم. مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء أنهيا الجدل الذي أقيم حول الفيلم وأن رأي الأزهر هو الرأي القاطع في مثل هذه القضايا، ولا يحق لأي جهة أو مؤسسة أو مسؤول أن يراجع الأزهر في هذه القرارات، لأن الأزهر يستند في كل آرائه إلى أسانيد شرعية.
وأن الشريعة الإسلامية وإجماع العلماء أكد حرمة تجسيد الرسل والأنبياء. إن مشاهدة الفيلم حرام شرعا وأن الذين يقولون إننا نمنع الفيلم بدون أن نشاهده يحاولون إيجاد أسباب لتمرير هذا الفيلم، وان قصة الفيلم معروفة. وقال الدكتور القصبي زلط عضو هيئة كبار العلماء ان عودة الجدل حول الفيلم أمر غير مبرر وان لحرية الإبداع حدودا عندما تتعلق بقدسية الأنبياء والرسل والصحابة. إن عرض الفيلم في دور السينما يجعل مشاهدة هذه النوعية من الأفلام أمرا عاديا عند المصريين، هذا الأمر خطر يهدد العقيدة في الشارع المصري عندما يعتاد المصريون هذه الأفلام والأعمال الفنية».
الصراع بين المثقفين
والأزهر لن ينتهي
أما الدكتور احمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء فقال، إن الصراع بين المثقفين والأزهر لن ينتهي في هذه الساحة، لأن المثقفين لهم وجهات نظر خاصة في الحرية، والأزهر وعلماؤه يستندون إلى الرأي الشرعي، خصوصا أن هناك قضايا لا يمكن الجدل فيها أو الاجتهاد. اننا في دولة تعتــــمد على الــــدين وعلى مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر رسمي.
والمعروف ان الأزهر هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن الشريعة الإسلامية وكل ما يتعلق بها والبت في أي أمور خاصة بالشريعة مسؤوليته، لذلك يجب عدم مراجعته في قراراته حتى لا تدخل البلاد في فتنة، في الوقت الذي نعاني فيه خطر الإرهاب والمتشددين، لاسيما أن مصر بدأت تستعيد قوتها وتسترد الدولة هيبتها، وعلى الجميع أن يمتثل لرأي الأزهر وكلمته في هذا الشأن».
بعد ثورة 1919 الشعبية
تم فصل الدين عن السياسة
وفي عدد «التحرير» نفسه اتجه بنا زميلنا في «الأهرام» مدير قناة التحرير الفضائية والقيادي في الحزب المصري الاجتماعي الذي يترأسه الدكتور محمد أبو الغار، عماد جاد وجهة أخرى لكنها مرتبطة بالمؤسسات الدينية عندما قال: «ثارت شعوب أوروبا وفصلت بين الدين والسياسة، ودعت رجال الدين إلى داخل الكنائس، فبدأ عصر النهضة وبدأ التطور الديمقراطي وازدهرت حقوق الإنسان، ولم تحقق أي دولة من الدول ولا شعب من الشعوب نهضتها ولا تطورها الديمقراطي إلا بعد الفصل ما بين الدين والسياسة، بين المقدس المطلق وهو الدين والوضعي النسبي وهي السياسة. وكقاعدة عامة جاء الفصل بين الدين والسياسة ليحفظ للدين قداسته واحترامه، ولرجال الدين هيبتهم ويجرد الحاكم من استخدام الدين كغطاء يبرر له الظلم والعدوان على حقوق البشر، جاء الفصل ليعيد إلى الدين مكانته في نفوس البشر والمؤمنين به من ناحية، ويفتح الطريق أمام النظم السياسية باتجاه الديمقراطية التي هي في جوهرها تمثل حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه. والحقيقة أن ما حدث في أوروبا خاصة بعد الثورة الفرنسية لم يكن فصلا بين الدين والسياسة، وإنما هو فصل بين الدولة والدين بحيث لم يعد للدولة دورا في الشؤون الدينية، أو اعتبار الدين من مكونات قيمها وكان ذلك بارزا في فرنسا، ثم امتد بدرجات مختلفة إلى الدول الأخرى حتى تخلصت أولا من تدخل بابا الكنيسة الكاثوليكية ثم التخلص من أي نفوذ للكنائس أو تدخل في الحياة المدنية، ثم جاءت الثورة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي لتلغي الدين أساسا. أما في مصر بعد الثورة الشعبية في مارس/اذار عام 1919 ضد الاحتلال البريطاني فقد حدث الفصل بين الدين والسياسة، أي منع الأزهر أو الكنيسة في السياسة فقط، وفي ما عدا ذلك فقد كان الدين يتم تدريسه في المدارس والدولة تساعد الأزهر ماليا وتصرف على المساجد، وتم وضع مادة دين الدولة الإسلام في دستور سنة 1923 وكل مواد الشريعة كان معمولا بها في القوانين في ما عدا الحدود وبعض مواد القانون التجاري . وقد حاول الملك فؤاد إحياء فكرة الخلافة الإسلامية وفشل عام 1927، ولقيت معارضة قوية من حزب الوفد، كما عارضها ملك السعودية وقتها الملك عبد العزيز آل سعود، ونشبت أزمة كتاب الشيخ علي عبد الرازق عن الخلافة التي أنكر وجودها السياسي وصودر الكتاب وفصل من الأزهر، ورد عليه الشيخ الخضر حسين بكتاب مضاد، والخضر حسين تونسي وعين بعد ثورة 23 يوليو سنة 1952 شيخا للأزهر».
المستقبل صفحة بيضاء
سوف نكتبها جميعا كما نشاء
وإلى المعارك والردود التي تتشابه هذه المرة بأن أصحابها من الناصريين مثل، صديقنا المحامي الكبير وعضو المكتب السياسي لحزبنا العربي الديمقراطي الناصري الذي تلاشى وجوده السياسي في الشارع وهو أحمد عبد الحفيظ وقوله يوم الأحد غامزا فريقا آخر من الناصريين يريد الاستحواذ على السيسي: «ليس من حق أي قوى أن تنسب السيسي إليها أو تختطفه لحيطانها، بعد أن نال هذا الإجماع الشعبي الذي يفوق استحقاقات جميع القوى السياسية مجتمعة، على الأخص أنه هو نفسه حسم نوع علاقته بجمال عبد الناصر كمثل أعلى تاريخي، كما حسم أمره على أن التاريخ لن يعود للوراء، ذلك البعيد المجيد الذي جسده عهد عبد الناصر أو هذا القريب البغيض الذي يجسده عهد مبارك، وأن المستقبل صفحة بيضاء سوف نكتبها جميعا كما نشاء. نعم من المفيد للسيسي وعهده استدعاء صورة عبد الناصر بما تثيره من معان عزيزة لدى جماهير الشعب، لكن كإطار لخلفية المشهد يزيد عمقه وجلاله، من دون أن يكون موضوعه استدعاء يؤكد أن علاقة السيسي بعبد الناصر والناصرية هي علاقة الوطنية الجامعة التي جسدها الشعب المصري في ثوراته المتتابعة طوال القرنين».
ما شاء الله.. ما شاء الله.. عبد الناصر هكذا غير مسبوقة بخالد الذكر ومن عضو مكتب سياسي للحزب؟
عهد السعي لرضا واشنطن انتهى
وثاني المعارك في اليوم التالي الاثنين في «التحرير» من ناصري آخر هو زميلنا وصديقنا نقيب الصحافيين الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للصحافة حاليا جلال عارف وقوله عن زيارة وزير الخارجية الأمريكي كيري لمصر وتبشيره بإعادة المعونات إلى مصر مما استفز جلال فقال غاضبا:
«حديث المعونة أصبح مقرفا سواء جاء من مسؤولين في الإدارة أو الكونغرس أو غيرهما من المؤسسات الأمريكية التي تعلم جميعها أن أمريكا هي المستفيد الأول من هذه المعونة، وأن خسارتها ستكون فادحة إذا وصل الأمر إلى طريق مسدود، وإذا اضطرت القاهرة في النهاية إلى أن تقول لواشنطن حسنا يا سادة نشكركم على ما قدمتم وفروا دولاراتكم وتحملوا النتائج. الأمر الثاني الذي يجب التوقف عنده هو هذا الحديث الذي لا يخجل أصحابه من ترديده عن شروط يجب الوفاء بها، واشتراطات على مصر لكي تنعم بالرضا الأمريكي، وهنا ينبغي على هؤلاء أن يفهموا أن عهد السعي لرضا واشنطن قد انتهى، وأن واشنطن نفسها تعرف ذلك وتعرف أنها لم تعد اللاعب الوحيد في العالم أو في المنطقة، وأنها أصبحت واحدا من لاعبين آخرين يتناقص دورها بينهم يوما بعد آخر، والأهم من ذلك أن على واشنطن بدلا من محاولة الضغط على مصر أن تراجع سياساتها في المنطقة التي لم تكن إلا انتقالا من فشل إلى آخر، على مدى السنين الأخيرة حتى وضعت المنطقة كلها ومعها مصالحها ومصالح العالم على حافة الكارثة».
ردود الأفعال على أمريكا
تعكس اتساع وعمق الكراهية لها
وقد تكالب الناصريون على كيري لمهاجمته هو وبلده، لأن زميلنا في «الأسبوع» محمد السيسي قال عنها يوم الاثنين ايضا: «نحن أمام فرصة تاريخية عظيمة لصياغة علاقات مصرية أمريكية، وفق معادلة سياسية متوازنة. وأرى أن التفريط في ذلك خيانة للمشروع الوطني ولإرادة الشعب المصري فلم يقدم المصريون الشهداء والتضحيات من أمنهم وقوت أولادهم ولا يزالون ليبقى وطنهم أسير الإرادة الأمريكية وصندوق النقد والبنك الدولي والرأسمالية العالمية ومجموعات المصالح التي عاشت على امتصاص دماء الشعوب. وهنا أوجه كلامي إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي فقد طفح الكيل ولم تعد أعصابنا تتحمل التدخلات الأمريكية المستمرة والتصريحات المستفزة شبه اليومية، التي تبدأ بالهجوم على أحكام القضاء ولا تنتهي بالمطالبة بإعادة الإخوان إلى الحياة السياسية .
السيد الرئيس أطرح جانبا حكاية العلاقات المصرية الأمريكية علاقات إستراتيجية، فلم يكن كذلك في يوم ما ولن يكون، فقد عاش المصريون قبل وبعد 25 يناير/كانون الثاني تجربة مؤلمة وقاسية مع الدوران في الفلك الأمريكي، أرفض المعونة الأمريكية المغموسة بالذل والقهر، واستند إلى شعبك الذي خرج بالملايين في 30 يونيو/حزيران و3 و26 يوليو/تموز في ثورة لم يشهد العالم مثلها من قبل. السيد الرئيس المصريون الذين خرجوا يطالبونك بالترشح واستجبت لرغبتهم هم أنفسهم المصريون الذين رددوا الهتافات المعادية لأمريكا وسياساتها في المنطقة العربية، وحرقوا علمها وداسوه بالأقدام ومستعدون للموت في سبيل استقلالهم».
لكن ورغم وحدة الاسم فإن الرئيس السيسي لا يمكن أن يرفض معونة غير مشروطة فهذا رزق، المهم ان ردود الأفعال على أمريكا ومواقفها تعكس اتساع وعمق الكراهية لها والشكوك فيها .
هيبة الدولة أمر غير مختلف عليه
وعن الدولة القوية التي فقدها المواطنون الذين يطالبون الآن باستعادتها كتب لنا عمرو خفاجي مقاله في «الشروق» عدد امس الثلاثاء قائلا: «منذ اللحظة التي بدأت تتصاعد فيها الدعوات التي تطالب الفريق أول (في ذلك الوقت) عبدالفتاح السيسي للترشح لرئاسة الجمهورية، بدا واضحا حالة الاستدعاء الشعبي الجامحة من أجل عودة الدولة، وتحديدا الدولة القوية التي فقدها المواطنون، أو على الأقل هذا ما شعروا به، فقد كانت الفوضى تحاصرهم في كافة مناحي حياتهم، وفقدوا إحساسهم بالأمن، هنا في حالة الاستدعاء هذه، لم يفكر أحد من الذين طالبوا بعودة الدولة وعودة القوة، في شروط هذه الدعوة، على خلاف كل ما كان يفكر فيه الجميع في فبراير/شباط 2011 عقب نجاح الثورة والإطاحة بنظام مبارك، في تلك اللحظة كانت الأحلام كبيرة بدولة قوية حديثة وعصرية تحترم الحريات، وتصون الكرامة الإنسانية، لكن هذه الأحلام تبددت مع انطلاق صراع الهويات في مارس/اذار من العام نفسه.
ما يحدث منذ حفل التنصيب يضفي إحساسا عارما برغبة الدولة في العودة، وما يحدث الآن في الشارع من محاولات لفرض سيطرة الدولة وتسييد القانون، يؤكد ذلك، والأهم أن مشروع عبدالفتاح السيسي ينبني أصلا على فكرة الدولة القوية، وقد لمح لذلك مرارا وتكرارا، وقالها صراحة أكثر من مرة، أنه لا توجد أي سلطة في مصر سوى سلطة الدولة، وأنه لن يسمح لأي قوة أن تفعل ذلك أو حتى تعلن عنه، وهو ما يؤكد أن الدولة ماضية في هذا المشروع حتى نهايته مستفيدة من الموافقة الشعبية عليه، والترحيب بكل ما تفعله الدولة، لكن ما لا أعرفه حقا هل تدرك الدولة وهي تسير في هذا الطريق أن فكرة سيادة الدولة التي كانت سائدة قبل 25 يناير/كانون الثاني 2011، لم تعد مقبولة في 2014، حتى لو لم تعبر القوى المجتمعية المهيمنة على المشهد عن ذلك، خاصة أن نقاشات سيادة الدولة وهيبتها تسير في اتجاه واحد، منذ انطلقت، نحو الشعور بالدولة في كل مكان وقدرتها على الفعل والسيطرة.
هيبة الدولة أمر غير مختلف عليه، ولكن ما نختلف عليه جميعا ثمن ذلك وحجم تكلفته، ومن سيتحملها، إذا كانت هذه الهيبة تعني احترام القانون والخوف من عقوباته، مع مراعاة حقوق الإنسان، ومن دون استثناءات، ومن دون مخالفة قانون من أجل تطبيق آخر، وهو ما كان يحدث كثيرا من قبل، فإننا نكون على طريق صحيح نرغبه ونتمناه لمصر الجديدة، أما إذا كانت الهيبة ستأتي على حساب حريات وكرامة المواطنين، وفرضها بقوانين لا تطبق على الجميع، وتخالف قوانين من أجل إقرار هذه الهيبة، فنحن بذلك سنعيد الدولة المستبدة بامتياز، وهو ما أعتقد أنه لن يكون مقبولا على المدى البعيد، حتى لو كانت شواهد الحاضر وأدلة اللحظة ترحب بهذه الهيبة وتحتفي بها».
حسنين كروم