أوهام المعرفة العربية… مقاربات في الجدوى والتداعيات

حجم الخط
2

لا يمكن لنا أن ندرك تفوق الغربي إلا عبر مقاربة واحدة تنهض على ثنائية المعرفة – والقوة، التي باتت من المقولات الشّائعة، حيث شكلت منبع التفوق الغربي، فالمعرفة مفهومياً تعني الوعي بالحقائق أو الظروف عبر التجربة أو التأمل.
فالعلم والمعرفة تبعاً لفرنسيس بيكون تعني القوة، ولهذا فإنه ما من مشروع استعماري، بدءاً من عصر النهضة إلى يومنا هذا، إلا كان نتاج العلماء والفلاسفة والشعراء والدارسين، الذين سعوا لاختبار كل شيء، جغرافياً ولغوياً وثقافياً… ومن هنا فلا بد من التأمل في التكوين المعرفي العربي وفاعليته، الذي يحتاج إلى البحث والاستقصاء، بهدف تقدير القيمة الحقيقية لوجود هذه المعرفة، أهدافها وغاياتها.
إن النظر في المعرفة بوصفها أداة لمعرفة الشيء لا يمكن أن يستقيم من دون أن تستند عملية إلى التفكير العقلي، وهو نهج اختبرته أوروبا خلال النهضة، وعصور التنوير، حيث تم الإجهاز على البعدين الأسطوري الغيبي، كما القيمة الكهنوتية للأفكار القائمة، وهذا بلا شك أسهم في تنظيم الأنساق الأوروبية بوصفها منظومات قومية، ودولا تأسست على مفهوم السياسي، والدولة تبعاً لتنظيرات كارل شميث المعرفية. لا شك أن الغرب اختبر المعرفة من كافة مناحي التفصيل الدقيق لاكتناه العالم برمته، وهو مما يعني خروجاً عن القيم الطفولية للحضارة، وتحديداً بوصفها البدائي والطقسي والغيبي، وهنا ينبغي أن نقرأ معمقاً تحليل يورغن هابرمس للدين في المجال العام، وارتباطه بالسياسي حيث أفاض في بيان ذلك التعالق بين التكوينين.
المعرفة- إذن- تثمين مطلق للتخلص من إرث ما هو بدائي، وغير منطقي، وكي نتعالى على العالم الغامض والسحري والعجيب، لا بد من تفكيكه والإجهاز على كل محاولة نكوصية، أو غنوصية، وتحديداً تلك التفسيرات اللامنطقية، وهنا نقع على تقدير وافٍ وعميق، وشديد الصلابة للطبيعة الاصطلاحية للمعرفة، أي تلك الحدود اللامتناهية لمتتاليات من التكوينات الطقوسية التي تم تجاوزها، انطلاقاً من السكولائية إلى العقلانية والتجريبية، وغيرها، التي أدت إلى قيم تفسير شديدة التعالي للعالم برمته. إنه انشغال بفهم العالم، بالتوازي مع عقلية انتقادية تفكيكية تعمل بوصفها متلازمة معرفية، فديكارت دعا إلى عدم التعويل على الإدراكات الحسية فحسب، إنما بإنجازات الذاكرة أيضاً.
ولعل المنظومة الغربية بتكوينها الاستعماري، تنهض على الانشغال، ودراسة كل ما يحيط، بدءاً من الملبس والمأكل، والجغرافيا والثقافة، والدين واللغة، وهكذا فلا عجب أن أوروبا تمتلك أرشيفاً هائلاً، ومنظماً بعناية شديدة، وهذا يشمل كل ما هو خارج النطاق الغربي، حيث تنشط مراكز الأبحاث الأوروبية ذات الطبيعة الاختصاصية في مسرحة وسرد وتصنيف ونمذجة كافة المعارف التي تختص بالشعوب الأخرى، ولا سيما تكوينها الثقافي، بشقيه البدائي والمتقدم، ولهذا فإن لدى الجامعات الغربية تعدّ مراكز بحثية متخصصة، وهي لا تتوانى عن توفير، واستثمار أبناء الشعوب الأخرى، الذين على معرفة عميقة بأصولهم وثقافتهم كي يقوموا بتوفير فهم معمّق لتلك الشعوب والثقافات.
ومع ذلك، فإن الغرب ليس منظومة من التقنية الآلية الجافة، إنما هو منظومة من التثمين المبالغ فيه للمعرفة التي تنهض على احترام تقدير مبالغ فيه للعلوم الإنسانية والاجتماعية، كما الإنسان، وحقوقه بوصف ما سبق المنصة التي يمكن أن تقود إلى ارتقاء فكري حضاري، وعقلي حقيقي، وهو ما يمكن أن نطلق عليه عقدة التفوق، فالغرب منفتح على كل ما هو قادر على رفد المؤسسة بالقيم المعرفية، ولهذا نجد أن معظم الدارسين والمؤثرين في التفوق الغربي قدموا من أوروبا الشرقية، وحتى من ألمانيا النازية، ومؤخراً بات لوجود علماء من الهند والصين، وحتى العرب حضور مؤثر في تشكيل المعرفة الغربية بحدودها المتسعة والشائعة. إن رواد مدرسة فرانكفورت، وحلقة براغ، والكثير من النقاد ودارسي الأدب، والعلوم التطبيقية الذين فروا من أوروبا، شغلوا مراكز متقدمة في الأكاديميات الغربية التي كانت تنظر للمعرفة بوصفها أداة للهيمنة والارتقاء والسبق، ولكن الأهم من ذلك أن هنالك قيمة هي فعل التأمل للذات المعرفية الجمعية في الغرب بوصفها مؤسسة، منظومة متتالية، ينبغي أن تعيد النظر لنفسها ونقدها في ضوء المتغيرات ومستجداتها الجديدة.
ولعل المتأمل يواجه مقابل هذا التنظيم المعرفي للثقافة الغربية بمعرفة عربية هزيلة، لا يمكن إلا أن توصف بأنها مياه راكدة، أو شكلية، فمتتالية الأكاديميات العربية عبارة عن تنظم مؤسساتي قائم على توفير مدارس مصغرة لتفريخ خريجين، فنحن لا نجد توجهاً حقيقياً نحو المعرفة بالمفهوم المطلق، أي تلك المعرفة الراغبة باكتشاف الآخر، أو الأنا والحدود، ولكن الأهم من كل ذلك افتقادها لفكرة التأمل، والمراجعة الذاتية، أي وجود الأهداف، وتوفير السّبل لاستغلال الطاقات الكامنة، وهنا نقع على مفارقة بأن المؤسسات العربية لا تحسن استثمار طاقاتها التي تتبخر في ظلال هيمنة النخب، وحالات النفاق، والمجتمعات القبلية والرعوية، التي تعدّ شديدة التأصل بمختلف بقاع العالم العربي، وهنا نقع على هوة عميقة بين قدرة الغرب على صهر، واستثمار كل الطاقات المعرفية بالمنظومة الغربية، في حين أن المؤسسات العربية تعمل على تبديد طاقاتها، سواء كانت بشرية أو مادية أو حتى مؤسساتية في مشاريع لا تستهدف إلا تكريس مظاهر المعرفة، لا قيم المعرفة.
ولعل أول حدود تقدم المعرفة، الاعتقاد بأن القيم المعرفية في بعدها الدنيوي والحياتي والغيبي باتت منجزة، ولا حاجة بنا لإعادة النظر، والتأمل بما هو منطقي ومنجز، وهذا مما يخالف الفهم المعرفي الذي ينبغي أن يبقى في فعل تساؤل ومستمر، وهنا لا يمكن لوجود بداهات أو منجزات معرفية، فالغرب أصبح منشغلاً بنظرية المعرفة، في حين أننا ما زلنا لا نمتلك زمام المعرفة، فعلى سبيل المثال لا يمكن لمؤسسة أكاديمية عربية أن تبدأ بالتساؤل، واختبار صدقية بعض المنظومات المعرفية البدهية لكونها تخجل من أن تبحث في ما أثبته الغرب، في حين أن المعرفة تستوجب عدم تقبل أي معرفة، أو فكرة من دون إخضاعها للتجربة والتمحيص، وهنا لا بد أن نعيد قراءة التاريخ ببعده الكلاسيكي، والنهوض على أن الموروث العربي، كان أكثر معاصرة، وانفتاحاً، حيث خرج بنصوص واصفة، متسائلة ومتشككة، وهو كان في طبيعته صديقاً لكافة القطاعات، بل أن فعل التوليد المعرفي لم ينشا إلا في ظلال ذلك الصراع الفكري الذي انبثق في العصور العربية الوسطى، التي كانت أشبه بسلسلة تشابه ما كان لدى أوروبا التي أفاضت بمنازعات وتحليلات النسق الهيجلي، أو الكانطي، أو الديكارتي.
وهكذا نستنتج بأن المعرفة العربية هي عبارة عن بقية معرفة، موروثة إسلامياً، أو منقولة باختصار من الغرب، أو أنها نتاج بدائي ومتخلف ومحلي، ولهذا فإنها أشبه بمياه راكدة لا تنطوي على روافد، ولا تحتمل أي إضافة، فهي صامتة وساكنة ومكرورة، بيد أن اللافت للنظر أننا ما زلنا نستعيد مقولات التأمل في معظم الأكاديميات العربية، ولكنها لا تتجاوز أن تكون نسقاً منقولاً من دون فهم لقيمه. إننا بحاجة للتأملات، لا لكونها موضوعة شكلانية إنما لكونها تعيد هيكلة المعرفة، وآلية العمل، وهنا لا بد أن نعتمد على معنى التشكك، والنظر بعين الريبة لكل المعطيات الغربية التي تتبدى بوصفها حالة مكتملة، فالغرب يسير ضمن منطقه الذي ينهض على تراكمية معرفية تقليدية، قوامها قرون من التأمل، في حين أن معرفتنا لم تبلغ بعد حد الفطام، وكي نتمكن من التقدم معرفياً ينبغي أن نتجاوز كل ما يمكن للغرب أن ينصحنا به لأن منظوره، وخبرته متقدمة، أي أنها تسبقنا بقرون، ولهذا إننا بحاجة لتأمل إشكالياتنا بوصفها عوامل نكوص، والعمل على خلق قيم جديدة، تعتمد مبدأ التوافق والاحتكام للقانون المطلق بغض النظر عن مرجعياته.
الإنتاج الأكاديمي يكاد يكون بطيئاً مترهلاً، فمعظم البحوث الصادرة هي ذات طبيعة انتقائية، وشارحة، بل هي فعل تجميع، وتلخيص كما هي أبحاث طلاب المدارس، وهي ليست ذات طبيعة تأملية بمقدار ما تمثل نشاطاً خارجيا، وظيفة، أو واجبا، ولعل الخلل لا يعود إلى الباحث فحسب، إنما يكمن في فهم فلسفة البحث بتكوينها المطلق، والوظيفي، ولهذا فإن بحوثتنا هي نتاج البيروقراطية، وفي معظم الأحيان هيمنة الثيوقراطية على أنماط تفكيرنا، علاوة على هيمنة منظومات من الأفكار الرعوية، والأنساق القَبَليّة، لا ريب أن المعرفة تتسم بأنها ينبغي أن تكون بلا حدود، فهي لا تؤمن فقط بالموجود إنما تتطاول لتبحث عن ما هو غير متوفر، أو غامض أو غير مكتشف، ولننظر في البحوث العربية المعاصرة، ومدى قيمتها، أو جدواها المعرفية في الإسهام الحضاري، وهي ذات طبيعة متواضعة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية الترجمة باعتبارها منصة تنافذية لتكوين المعرفة، غير أننا نشهد تراجع الترجمة حيث تبدو شديدة التأخر عن اللحاق بمستجدات العلوم باختلاف تمظهراتها، وربما الإشكالية، والنتيجة لهذا الوضع تكمن في غياب مفهوم الاستثمار، كما الإدارة، أو لغياب الرؤية، والمنظور، إنها طفولة معرفية عربية، أو مراهقة حضارية، لم تبلغ بعد إدراك عمق الأزمة التي لا يمكن أن تحل ببعض المؤتمرات، وترجمة بعض الكتب كما في إنشاء بعض المؤسسات، إننا نحتاج إلى فلسفة عميقة الجذور، وأهمها الإيمان بقيمة بناء مناخ ديمقراطي فاعل كي نتخلص من تراجعنا إنسانياً حيث بتنا بلا تأثير إيجابي، إنما نحن في خانة الأقوام السلبية، التي تتوق إلى الهجرة نحو الديمقراطية الغربية كونها تحترم الإنسان، وتصون حقوقه، ولكننا في أوطاننا لا نقبل إلا أن نكون سلبيين، قمعيين، ولهذا بتنا في فعل إبحار، وهروب إلى الغرب، نموت على شواطئه هرباً من جحيم عقولنا.

كاتب أردني فلسطيني

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية