تعرف أيام قرطاج السينمائيّة بأنّها أعرق مهرجان سينمائي متواصل في القارة الافريقيّة، لكنّ ميزتها الأهم هي انحيازها المعلن للسينما العربيّة والافريقيّة والجنوبيّة بصفة أعم. حيث تنحصر المسابقة الرسميّة في الأفلام الافريقيّة والعربيّة، ويكرّس جزء واسع من عروضها للسينما الآسيوية أو الأمريكيّة الجنوبيّة فيما تعرض مختارات من السينما الغربيّة في قسم «سينما من العالم». على هذا النحو يغدو الجنوب في المهرجان مركزاً ويستحيل الغرب إلى هامش.
بدايات المهرجان
يقف وراء التمركز حول دول الجنوب الطاهر شريعة (1927- 2010)، مؤسس المهرجان وأحد أبرز الفاعلين الثقافيين في ما يعرف بالعالم الثالث. وقد سرد شريعة سابقاً لصحيفة «الشروق» التونسيّة دوافع تأسيسه للأيام. يتمثّل دافعه المباشر في حنقه مما اعتبره انحيازا لمهرجان برلين السينمائيّ، في إحدى دوراته التي حضرها شريعة بصفته صحافياً، إلى صفّ إسرائيل من خلال عرض فيلم يصوّر المستوطنات على أنّها جنّة، ويرسم في المقابل صورة مهينة عن الفلسطينيّين والعرب. ففكّر شريعة، عند تعيينه مسؤولاً عن قطاع السينما في وزارة الثقافة التونسيّة، في بعث مهرجان لا يشبه أي مهرجان آخر، ينطلق من تونس ويمتد عربيّاً ثمّ يتوسّع افريقيّاً.
يمكن تصنيف رؤية الطاهر شريعة لطبيعة وهويّة المهرجان ضمن الموجة العالم ثالثيّة أو موجة مثقفي المستعمرات السابقة التائقين لتصفية الاستعمار. إذ نظر مثقفو تلك الموجة إلى الاستقلال السياسيّ كخطوة أولى يجب أن تستتبع باستقلال ثقافيّ وعلمي، إلخ، أي أنّ مشروع أيام قرطاج السينمائيّة جاء لإعطاء التابع صوتاً أو فرصة لتمثيل نفسه خارج أنساق التمثيلات الغربيّة له. والمهرجان، في تصوّره الأصلي، هو فرصة لتجميع صناع السينما الجنوبيّين للتحاور حول ما يجب القيام به لخلق خطاب سينمائيّ ممثّل لقضايا وشواغل شعوبهم، وهو فرصة لتبادل الخبرات والمعارف السينمائيّة. بهذا المعنى، يمكن إعتبار المهرجان مشـــــروع نهضة سينمائيّة جنوبيّة. وإذا أضفنا إلى ما سبق الحــــضور الجمــــاهيريّ الغفير لعروض الأفلام، نستكمل قائمة ما يميّزه عن بقيّة التظاهرات والمهرجانات السينمائيّة قاطبة.
خمسينيّة المهرجان:
تحتفل أيام قرطاج السينمائيّة هذه السنة بخمسينيّتها. ورغم الانتقادات (الصائبة في أغلبها) الموجّهة لهذه الدورة على مستوى الشكل والتنظيم، حيث استعملت السجادة الحمراء والسيارات الفارهة في حفل الافتتاح، الأمر الذي اعتبره معلّقون حياداً عن التصوّر الأصلي للمهرجان، إضافة إلى سوء واضح في تنظيم وتنسيق العروض وبيع التذاكر، إلا أنّ المحتوى لم يتغيّر من ناحية التزامه بالانحياز لسينما الجنوب. حيث تكرّم الدورة السابعة والعشرون وجوها ترمز، علاوة عن قيمتها الفنيّة الجليّة، إلى هوية المهرجان؛ وهُم الإيراني عباس كيارستمي، والسينغالي جبريل ديوب مانبتي، إضافة إلى البوركينيادر يساودراوغو، والمصري يوسف شاهين، والتونسي فريد بوغدير.
أما بالنسبة للإقبال الجماهيريّ، فقد تجاوزت مبيعات التذاكر في الأيام الثلاثة الأولى 150 ألف تذكرة، وذلك على الرغّم من قلّة عدد دور السينما، وتركّزها حول الشارع الرئيسيّ في العاصمة تونس. ويقف الجمهور، وهو في أغلبه من طلبة الجامعات، ساعات في طوابير أمام شبابيك بيع التذاكر، التي تنفذ في أحيان كثيرة قبل بدء العروض المسائيّة. كما وتشهد الدورة الحاليّة انفتاحاً، وإن كان جزئيّاً، على الأحياء الشعبيّة والمناطق الداخليّة في البلاد، وهو انفتاح تصدّه ندرة قاعات العرض. إذ وقع برمجة عروض في بعض دور الشباب والجامعات والثكنات العسكريّة والسجون، فيما غابت عن السواد الأعظم من المناطق الداخليّة.
ورغم كلّ ما يمكن أن يقال في نقد أيام قرطاج السينمائيّة، يبقى المهرجان فسحة أمل في بلد هو جزء من جنوب عالميّ تتنازعه الحروب والمجاعات والفقر. إذ هي احتفال كما يطلق عليها روادها وحدث فريد تعرض خلاله أفلام غير تجاريّة من دول الجنوب لجمهور من الجنوب في قاعات ممتلئة تكاد لا تجد فيها مقعداً للجلوس.
تونس ـ حبيب الحاج سالم: