تونس ـ «القدس العربي»: تعيش تونس على وقع حدثين ثقافيين هامين هما، افتتاح مدينة الثقافة التي وفرت للتونسيين فضاءات للإبداع الثقافي مثل قاعات الأوبرا والمسارح والسينما والمكتبات والمتاحف، وأيضا إنطلاق الدورة التأسيسية لأيام قرطاج الشعرية. ولعل الرابط بين الحدثين هو أن مدينة الثقافة الجديدة هي التي تحتضن المهرجان الشعري التونسي الجديد الذي يحمل اسم قرطاج، بكل ما فيه من عراقة تاريخية وحضارية. وتحمل فعاليات هذا المهرجان الثقافي، التي تمتد على مدى أسبوع، شعار «احتفاء بالشعر احتفاء بالحياة». وقد جاء انبعاث «أيام قرطاج الشعرية» وهو المهرجان الذي كان حلم شعراء تونس، ليؤكد أن للشعر مكانا في هذا الزمن مثلما قالت الشاعرة التونسية جميلة الماجري في الكلمة الافتتاحية. وهو ما يؤكده أيضا تخصيص بيت الشعر التونسي في مقر ضمن مدينة الثقافة الجديدة. لقد أثث الأمسيات الشعرية للمهرجان، والتي هي أساس العروض المبرمجة، شعراء تونسيون لهم باع في الكتابة ولإلقاء، وأيضا شعراء من مختلف أنحاء العالم عربا وعجما. ومن الدول المشاركة لبنان والسعودية ومصر والسودان والأردن وفلسطين وسلطنة عمان وسوريا والجزائر والمغرب والإمارات والعراق وإسبانيا ومالي وتركيا وكولومبيا وفرنسا.
ولئن كان برنامج المهرجان يركز على الأمسيات الشعرية، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود أنشطة أخرى سعى المنظمون لأن تكون موجودة. ومن بين هذه الأنشطة موائد مستديرة حول أهم قضايا الشعر وندوات فكرية إضافة إلى الموسيقى التي حضرت في هذا المهرجان الذي حاول أن يجمع شعراء من مختلف الأنماط والاتجاهات مثلما أكدت على ذلك الشاعرة جميلة الماجري. ومن بين الأنشطة اللافتة في مهرجان قرطاج الشعري ورشات العمل التي تم تخصيصها لكبار التونسيين مثل أبي القاسم الشابي ومنور صمادح والصغير أولاد أحمد. كما اهتمت هذه الورشات بشعراء عرب منهم نزار قباني وبدر شاكر السياب وغيرهم، وكذلك أجانب كالألماني غوتة والروسي بوشكين والفرنسي بودلير وآخرين. أما الجوائز فهي عديدة، وأهمها جائزة الإبداع الشعري جعفر ماجد، وهو أحد كبار الشعراء الذين تركوا بصمة في الشعر التونسي. وجائزة العمل الشعري البكر ومسابقة المخطوط الشعري الأول للشعراء الشبان ومسابقة أحسن قصيدة للشعراء الشبان، وجميع هذه الجوائز مالية ما سيشجع الشعراء الشبان على وجه الخصوص على الإقبال على هذا المهرجان.
قطب ثقافي
ويرى الصحافي والكاتب التونسي مختار التليلي، أن بعث أيام قرطاج الشعرية هو حدث في غاية الأهمية ويقيم الدليل على أن الشعب التونسي ورغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها هو شعب مثقف يعشق الثقافة ويتنفسها ولا تحول بينه وبينها لا مشاكل اقتصادية ولا حتى أمنية. فتونس في رأيه هي قطب ثقافي مغاربي وعربي، وهي أرض للثقافة والمثقفين عبر التاريخ ومنذ ما قبل الحقبة القرطاجية التي عرفت فيها أوج نهضتها الفكرية والمعرفية والسياسية، وبالتالي فالاهتمام بالثقافة في تونس له جذوره وليس أمرا مستجدا. ويضيف: «إن التأسيس لمهرجان شعري قرطاجي تونسي هو تتمة طبيعية لمهرجانات أخرى تعنى بمختلف الفنون مثل مهرجان قرطاج الصيفي الذي يقام في المسرح الأثري بقرطاج ومهرجان قرطاج السينمائي وقرطاج المسرحي ومهرجان الموسيقي وأخيرا أيام قرطاج الشعرية. ويقترح البعض أيضا بعث مهرجان قرطاج التشكيلي لتكتمل حلقة اهتمام إحدى أهم حضارات المتوسط بالفنون على اختلافها خاصة وأن فضاء مدينة الثقافة الجديد ضخم وكبير ويتسع لكل الأنشطة الثقافية ووجب استغلاله الاستغلال الأمثل وعدم تركه مقفرا. فهذا الفضاء الجديد، أي مدينة الثقافة، هو مكسب لا مثيل له إن من حيث الهندسة المعمارية وفخامة البناء أو من حيث توفره على فضاءات قادرة على تطوير الفعل الثقافي في تونس مثل مسرح الأوبرا وقاعات العرض السينمائية وقاعات التدريب والندوات والمكتبة والمتحف وغيرها. هذا إضافة إلى أن هذا الصرح الجديد احتضن بيت الشعر والمركز الوطني لفن الدمى والعرائس وغيرها، وهو ما سيمكن من أن تتحول مدينة الثقافة إلى قطب جامع للمثقفين من مختلف الفنون، والبداية كانت بأيام قرطاج الشعرية».
ولمهرجان أيام قرطاج، قناديله الشعرية التي تضيء مدينة الثقافة وتحييها بأصداء من مروا من شعراء وأدباء. تقول سامية رمّان الكاتبة التونسية والمكلّفة بهيئة البرمجة والتّنسيق لجلسات وملتقيات قناديل شِعر، ان هذا الملتقى هو ضمن فعاليات أيام قرطاج الشعرية، وتضيف لـ «القدس العربي» ان أيام قرطاج سيضيف لمكانة الشِّعر بين أكناف المجتمع من خلال الحوارات واللقاءات لإبراز حضور الشِّعر في الكتابة. فالشِعر يعلو الأروقة ويقنع الوافدين والمنظّمين بضرورة الفِعل الشِّعريّ وبسكون الكلمة الهادفة. وتوضح ان فلسطين حاضرة في كل العروض والمعلقات والمضامين الثّقافيّة باعتبارها امتدادا لهويتنا. لذلك كانت حاضرة من خلال طرح قضايا كونية بأسلوب شعري نضالي. وقد حل شعراء وكتاب فلسطينيون ضيوف شرف على المهرجان منهم الشّاعر الفلسطينيّ غسّان زقطان. وتضيف: «هذه الدّورة تركتنا نحلم مع الشِّعر بغد ثقافيّ أفضل ومنحت الشِّعر شرف تدشين أوّل مهرجان دوليّ في مدينة الثقافة في تونس العاصمة. فبالشِّعر نصنع المقاومة الرّوحيّة في عالم متحوّل».
روعة قاسم