لو كانت إسرائيل دولة عدل ومساواة لكان وليد دقة تحرر من السجن قبل سنوات. ولو كانت إسرائيل دولة تحترم تعهداتها الدولية لكان قد تحرر قبل أكثر من سنتين، في الدفعة الرابعة. ولو كانت إسرائيل دولة انسانية لكانت منحت دقة الاجازات والسماح له باجراء المكالمات الهاتفية من السجن. ولو كانت إسرائيل تعرف كل ذلك لما كانت تحرض إلى هذه الدرجة ضد عضو الكنيست باسل غطاس. ولو كان غطاس يقوم بتهريب الهواتف المحمولة لسجناء صهيون أو لسجناء الخلايا السرية اليهودية لكان تم اعتباره بطلا قوميا.
ولكن كل ذلك لم يحدث. وكل ذلك ما كان يمكن أن يحدث في إسرائيل 2016، التي تكره العرب. فوليد دقة معتقل منذ 31 سنة في ظروف غير انسانية. وضابط الكنيست يتوجه إلى الشباك لاستيضاح «مدى خطورة» عضو الكنيست غطاس ـ رقم قياسي جديد في الاحتقار.
لقد حاول غطاس التخفيف من صعوبة ظروف السجناء الامنيين. وقد فعل ذلك بطريقة غير قانونية. ولو كانت إسرائيل تتعامل معهم بالشكل المناسب لما اضطر غطاس إلى فعل هذه الخطوة الشجاعة والغبية واليائسة. ايلانا همرمان وزميلاتها ايضا، اللواتي يقمن بتهريب الاولاد الفلسطينيين إلى شاطيء البحر، يخالفن القانون، واعمالهن هي اعمال بطولية. ولكن بالنسبة لجهاز التحريض الإسرائيلي ـ وهو تداخل قوى السياسيين مع وسائل الإعلام ـ فإن ذلك يعتبر إرهابا. وقد قال يولي ادلشتاين، رئيس الكنيست، إن غطاس هو شخص إرهابي.
إن مصير وليد دقة أكثر استفزازا. ففي العام 1986 أدين بعضويته في خلية خطفت وقتلت الجندي موشيه تمام، وقد نفى ما نُسب اليه. ولو كان يهوديا قد قتل فلسطينيا لكان تحرر بعد بضع سنوات، وهذا أصلا إذا تمت محاكمته. ولو كان فلسطينيا من المناطق، لكان تحرر في صفقة من صفقات التبادل. ولو كان قاتلا جنائيا لكان قضى في السجن 18 ـ 24 سنة وتحرر منذ زمن. ولكن دقة ليس مخربا يهوديا وليس فلسطينيا من المناطق وليس قاتلا جنائيا، بل هو سجين أمني عربي إسرائيلي.
ليس هناك أحد تم التمييز ضده في السجن الإسرائيلي مثل وليد، اضافة إلى 14 سجينا تم اعتقالهم قبل اتفاقات اوسلو. وهم لا يحصلون على تخفيض ثلث المدة ولا الاجازات ولا العفو ولا الهاتف ولا الصفقة ولا الخُلوة. 31 سنة. «لم يعد للهاتف قرص، ولا توجد لاطارات السيارات اطارات داخلية، نحن هنا قبل سقوط جدار برلين والزمن لدينا توقف في مكانه»، هذا ما كتبه دقة قبل 11 سنة، الذي توقف لديه الزمن منذ ذلك الحين.
في الاسبوع الذي كان من المفروض أن يطلق سراحه فيه في العام 2014، كنت في بيت عائلته في باقة الغربية: قاموا بشق طريق تقديرا له، والاولاد كتبوا «حرية» أمام بيته، وطبعت صورته وصورة أمه على مئات القمصان، واشتريت آلاف الشموع والمفرقعات والحلوى. وعندها قررت إسرائيل أن ذلك لا يناسبها. إن الزعزعة النفسية التي مرت عليهم لا يمكن وصفها. والآن تم اعتقال شقيقه أسعد بتهمة المشاركة في عملية التهريب الكبيرة. في نهاية الاسبوع الماضي اتصل معي أسعد وهو غاضب بسبب الاشتباه الخاطيء، حسب رأيه، بشقيقه الذي تم أخذه إلى الزنزانة.
إن دقة واصدقاءه السجناء الامنيين هم بشر، بعضهم محاربو حرية وبعضهم سجناء سياسيين وبعضهم سجنوا بدون محاكمة، وجميعهم تمت معاقبتهم بشكل مبالغ فيه. ويصعب ذكر ذلك في ذروة حملة التحريض ضدهم.
لقد التقيت مع وليد مرة واحدة في السجن. وهو انسان لافت، لكن ذلك ليس ذا صلة. عائلته ايضا هي عائلة مميزة، ووالدته فريدة (88 سنة) تحلم بعناق إبنها قبل موتها. وهذا لن يحدث كما يبدو. فهي على أبواب الموت، ولم يسمحوا لدقة بالاتصال معها ووداعها. وشقيقه كرس حياته من اجل اطلاق سراحه. ألا يستحق هؤلاء السجناء ما يستحقه كل قاتل في إسرائيل؟ هل ما فعله غطاس هو محاولة لتحطيم العزلة القبيحة التي تفرضها إسرائيل على هؤلاء السجناء؟ ألا يثير ذلك لدى الجمهور أي شيء من التفهم؟ أي شيء من الإنسانية؟ أي شيء؟
هآرتس 29/12/2016