أيها السادة.. التلفزيون يمتعكم بأولى حلقات المسلسل التراجيكوميدي للحكومة العثمانية!

لم تمض سوى بضعة أسابيع على تشكيل الحكومة المغربية عسيرة الولادة، حتى بدأ مستواها الهزيل يظهر للعيان، ويتضح للمواطن «المنطق» الذي تحكّم في اختيار بعض الوزراء من لدن أحزاب الأغلبية، والبعيد كل البعد عن الاستحقاق والكفاءة. وكما يقول المثل العامّي المغربي «أمارة الدار على باب الدار».
وإذا كان النقل التلفزيوني المباشر لجلسات البرلمان سلاحا ذا حدّين، إما أنه يرفع من شأن المتحدّثين (وزراء كانوا أم برلمانيين)، أو يفضح ضعفهم وخواءهم، فإن ما حدث للوجه النسائي الوزاري الجديد في السياحة شكّل بجميع المقاييس «كارثة سياسية» تدشن بها الحكومة «العثمانية» دخولها البئيس، حيث أظهرت كاميرا التلفزيون الوزيرة الشابة، مثل تلميذة مبتدئة وحديثة العهد بالفصل الدراسي، تتهجّى وتتلعثم وتبحث عن المفردات التي لا تطاوعها إلا بصعوبة، وتقوم بحركات غريبة، في محاولة منها لتجاوز الارتباك الذي اعتراها.
هذا المشهد المضحك/ المبكي لم يقتصر على التلفزيون، وإنما انتقل بسرعة إلى فضاءات التواصل الاجتماعي الافتراضية، وصار موضوع سخرية وتندر من لدن الكثيرين، ولو أن البعض حاول تلمّس الأعذار للوزيرة، وهوّن من المسألة، مُبرِّرًا ما وقع للمعنية بالأمر بدهشة المواجهة الأولى أمام أضواء الكاميرات وعدسات المصورين. بينما السبب غير ذلك، إنه العجز اللغوي البيّن، فقد ظهرت الوزيرة غير قادرة على التحدث باللغة العربية، ولو في مستواها العامّي الذي يتحدث به المغاربة. فكيف لوزيرة تجهل لغة الشعب أن تكون ملمّة بواقعه وقضاياه ومشاكله؟ كما أن الوزيرة ليست الأولى أو الأخيرة من ضمن المسؤولين الحكوميين المغاربة الذين يعجزون عن التحدث باللغة العربية المرسّخة دستوريا وشعبيا، هي واللغة الأمازيغية. وفي المقابل، يناصرون التوجه الفرانكوفوني الذي يحاول تكريس هيمنة استعمارية جديدة، لغويا وثقافيا واقتصاديا.
تنتمي وزيرة السياحة إلى حزب «التجمع» الذي يرأسه عزيز أخنوش المقرب من الدوائر الاقتصادية والسياسية العليا، وهو ـ للتذكير ـ مَن كان سببا في تأخير تشكيل الحكومة وإبعاد عبد الإله بن كيران. وقد دخلت الوزيرة المعنية إلى الحكومة تحت مظلة الحزب المذكور، بمبرر الاستعانة بالكفاءات والخبرات. وهكذا، ظهر للمغاربة جليا أي خبرات تستعين بها بعض الأحزاب التي تُوصَف مقرّاتها بكونها مجرد دكاكين انتخابية، إذ تخلد لسبات عميق على امتداد الشهور والسنوات، ولا تستيقظ منه سوى خلال الانتخابات!

المناظرات التلفزيونية

بما أن اللوبي الفرانكفوني، الذي يتحكم في دوائر الاقتصاد والسياسة في المغرب مغرم بـ «ماما فرنسا»، فلماذا لا يحاكيها في أسلوب «المناظرة التلفزيونية» المعتمد هناك وفي بلدان أخرى أرست تقاليد ديمقراطية صلبة؟
لقد حفلت منتديات التواصل الاجتماعي في المغرب بالعديد من التعليقات التي واكب أصحابها أطوار الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وأسهبوا في الحديث عن المناظرة التي كانت قد جمعت بين المرشحين الخمسة الأوائل، وصولا إلى المناظرة التلفزيونية للشوط الأخير بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبان، وهي مناظرة أعطت الملامح الأولية للكفة التي ستميل إليها نتائج الانتخابات الرئاسية. وتتبع العديد من المغاربة هذا المسلسل الشائق، ولسان حالهم يقول: لو أن أسلوب المناظرة طبّق في المغرب لبدا جل السياسيين غير قادرين على الإقناع، خصوصا إذا وُضِع شرط التحدث باللغة الوطنية، ولنال أولئك السياسيون علامات متدنية توجب الرسوب في امتحان الاستوزار، وستكون وزيرة السياحة الجديدة على رأس قائمة الراسبين.
ولتجاوز هذا المطبّ، أقترح أن يخضع المرشحون للاستوزار إلى دورات تدريبية في التحدث بلغتهم الوطنية، قبل حمل الحقائب الوزارية، حتى تستأنس الحكومة التي يُفترض أن تكون منبثقة من الشعب مع لغة الشعب نفسه.

العروي والقباج

استمتعت، خلال الفترة الأخيرة، بحوارين تلفزيونيين راقيين مع مفكرين مغربيين من العيار الثقيل، الأول مع الدكتور محمد مصطفى القباج الذي استضافته قناة «ميدي1» في برنامج «في مواجهة بلال مرميد»، بصفته رئيسا للجنة دعم المهرجانات السينمائية. ورغم جرأة الأسئلة وطابعها النقدي القوي، فقد استطاع القباج تقديم توضيحات وتفسيرات دقيقة برؤية حكيمة. والحوار الثاني تمثل في استضافة قناة «سكاي نيوز ـ عربية» ضمن برنامج «حديث العرب» للدكتور عبد الله العروي بمناسبة اختياره شخصية العام الثقافية من طرف جائزة الشيخ زايد للكتاب، حيث تحدث عن الذاكرة والتراث، ودعا إلى تأويل جديد للنص القديم. كما تطرق إلى ثنائية الأصالة والحداثة، مبرزا أنه إذا كان مجال الحداثة هو المجتمع والسياسة العامة والمصلحة العامة، فإن مجال الأصالة هو الشعور الداخلي ومختلف التجليات التراثية والأدبية، ومؤكدا أن لا تناقض في الاهتمام بهما معًا.

تساؤل تونسي

وأختم بتدوينة للناشط الحقوقي التونسي عبد اللطيف الحناشي، تساءل فيها: أي ثقافة سياسية سيكتسبها المواطن التونسي وهو يتابع برنامج «لمن يجرؤ فقط»؟

كاتب من المغرب

أيها السادة.. التلفزيون يمتعكم بأولى حلقات المسلسل التراجيكوميدي للحكومة العثمانية!

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية