أيها الفاسدون… مللناكم

حجم الخط
0

منذ الأزل كنت حساسا تجاه الفساد السلطوي، حساسية شددت عليها في أعقاب التفافة حدوة الحصان الكريهة التي نفذها ارئيل شارون في اقتلاع قطاع قطيف. تلقيت في حينه مثالا أليما على نحو خاص على السبب الذي يجعل محظورا تقديم تنازلات للزعماء الفاسدين حتى حين يكونون في طرفك السياسي.
إذ فضلا عن حقيقة أنه لا ينبغي إظهار التسامح تجاه الفساد نفسه، فإن الزعماء ذوي الأخلاق المهزوزة في شؤون المال والقوة لا يجدون مشكلة في أن يخونوا أيضا أيديولوجيا ناخبيهم.
ولكن مع السنوات تعلمت بأنه من الصعب جدا قبول حكم صحافتنا ونخبتنا حول ما هو الفساد. عندهم الفساد هو أمر نسبي ـ أداة، والأمور التي يرونها بالنسبة لزعماء من هذا الطرف من الخريطة السياسية، لا يرونها حقا بالنسبة لزعماء الطرف الآخر.
تذكر الأيام الأخيرة في الفترة التي سبقت انتخابات 1992، والتي أسقط فيها حكم الليكود برئاسة اسحق شمير، ولا سيما لأنه عرض كرمز للنفور.
بتداخل من قوى تتميز بها المعارضة من اليسار مع معظم الصحافة، أديرت معركة مكثفة ضد حكومة الليكود تحت شعار «أيها الفاسدون، مللناكم». وفي السنوات التي سبقت الانتخابات امتلأت العناوين الرئيسة بقصص تقشعر لها الأبدان عن رشوة ومحسوبية، فيما أنه لعب دور النجم في حينه وزير الإسكان ارئيل شارون ومقربه اوري شني. وأخذ الجمهور إحساسا بأن الفساد عام وطام، ومع تخفي اسحق رابين في صورة شامير ب. أسقط الليكود.
قضايا الفساد ضد شارون ومقربيه ولدت إدانة في مادة صغيرة واحدة ضد الأخرى، بينها وبين ما رسم في الصحافة يكاد لا يكون شيئا. ولكن حل محل شارون فؤاد بن العيزر كوزير الإسكان في حكومة رابين. عنده كان بالفعل سبب وجيه لتحقيق معمق وتقديم للمحاكمة.
أنا نفسي أجريت تحقيقا أظهر نتائج خطيرة للغاية في تلك السنين، ورسم الطريق المنكر الذي اتخذه بن اليعيزر ومقربوه، وعنيت النتائج ضمن أمور أخرى في تحويل ميزانيات وزارة الإسكان للمقربين ولمقاولي الأصوات. وعملت مراقبة الدولة على تقرير خاص لها في هذا الموضوع، وكان تحقيقي جاهزا للنشر في «معاريف» عوفر نمرودي، ولكن لسبب ما سحب.
وكادت لا تأخذ أي وسيلة إعلام أخرى التحدي فتنشر الأمر من جهتها. الإعلام والنخبة القانونية الإسرائيلية شعرت بأنه ليس من الصواب التحقيق أو الفحص في أفعال فؤاد في وزارة الإسكان في حكومة رابين ـ بيرس. من الصعب ألا نتذكر أن امنون ابراموفيتش، أيقونة طهارة المقاييس في القناة 2، هو الذي اشتق عبارة «اتروج» (حبة الفاكهة التي لا علة فيها)، كسياسة ينبغي تبنيها للدفاع عن عزيز الروح الجديد شارون في وجه ترهات مثل طهارة المقاييس والفساد. شارون كان هو شارون نفسه باستثناء أنه اجتاز الخطوط نحو حضن اليسار.
كما أنه من الصعب ألا نولي انتباهاً لمن يبرز في قيادة حملة الفساد الحالية، وفي المظاهرات أمام منزل المستشار القانوني للحكومة. فالحديث يدور ضمن آخرين عن ايهود باراك والشخصيات الأساس التي رافقته في حملة انتخابات 1999 مثل الداد ينيف واورنا انجيل. انتخابات الـ99 فاز فيها باراك من خلال حملة ذكية من الخداع والتي حسب مراقب الدولة ومسجل الجمعيات في حينه استخدمت قيادته جملة من الجمعيات الوهمية التي تجاوزت القانون بشكل فظ وحققت النتيجة: أسقطوا حكم نتنياهو. وعليه وفي المعركة التي تجري اليوم ضد نتنياهو من الصعب أن نجد طهارة رأي وأيادي. بالنسبة للكثيرين من المتصدرين لهذا الكفاح صحيح الشعار أيها الفاسدون مللناكم، اليوم يستخدمون الأحابيل ذاتها و وسائل التخفي ذاتها باسم طهارة المقاييس، فقط من أجل إسقاط المعسكر الوطني. ورغم كل شيء، حذار أن ننسى، إذا كان نتنياهو قد تجاوز القانون حقا، ويحتمل أن يكون هكذا هو الحال، ولا سيما في قضية الهدايا، محظور تقديم تنزيلات له أيضا.

معاريف ـ 9/8/2017

أيها الفاسدون… مللناكم
قيمة محاربة الفساد لا تسري لدى اليسار إلا على الطرف الآخر من الخريطة السياسية
نداف هعتسني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية