تعج معظم الفضائيات العربية التي تجاوزت في تعدادها حاجز الثلاثمئة محطة، متناثرة في عواصم العالم، بالدراما التلفزيونية الرمضانية التي استنفدت مئات الملايين من الدولارات من حيث الإنتاج والإخراج.
الكل يروج لبضاعته بإعلانات تنافسية مختلفة، فيوصم هذا العمل بالقوي والرائد، وذاك بالدولي والمتميز، فيتجند الملايين للالتصاق بالشاشات لمتابعة تلك الدراما، بينما يقف على بعد كيلومترات محدودة عالم من صواريخ القتل وآلة الحرب ودراما الميدان التي يقتل بفعلها مئات النساء والأطفال والشيوخ من أبناء جلدة المتفرجين وملتهم.
الموت في العالم العربي بات أمراً يومياً وعادياً وصور الأشلاء والدماء والقصف والدمار لم تعد غريبة، بل هي واقع يومي اعتاد المشاهدون والسامعون والمتابعون عليه، لدرجة أن القابعين تحت قدائف الفسفور والقنابل المسمارية لم يعودوا ينادون العرب والعروبة لنصرتهم والوقوف إلى جانبهم.
فما الذي يعنيه قتل الأطفال في غزة كما قال أحدهم فالعراق تشهد قتلاً يومياً وكذلك ليبيا وسوريا واليمن؟ ولو أنك سألت الداعي عن إسرائيل باعتبارها الفارق بين ما يجري في العواصم الأخرى وما يجري في فلسطين فستجده يحمل أمريكا وتواطؤ العرب مسؤولية التقاعس وتكرار مشاهد الموت التي باتت مملة.
لا ترى مظاهرات واعتصامات تذكر في مدن العرب، ولا تشهد حشودا تتدفق من عواصم العروبة لنصرة غزة والضفة والقدس، غير مبادرات يتيمة لم تعد تجمع إلا العشرات وربما ومع بعض الحظ بعض المئات أيضاً.
العرب اعتادوا على القتل اليومي وسئموا الصراع العربي الإسرائيلي، وشاهدوا حربين متواليتين في غزة، فتبنجت حميتهم فبتنا نتّرحم على الخليفة المعتصم الذي انتفضت جوارحه وشجونه فامتشق سلاحه وعتاده نجدة لامرأة مسلمة نادته في العراق.
هذا التوصيف لا ينطبق ولا يعمم على الجميع طبعاً، إذ أن هناك في العالم العربي من لن تغريه الدراما الفضائية فيؤخر هبته لنصرة فلسطين.
لكن العرب لا يتّحملون مطلق المسؤولية لثلاثة أسباب، أولها: اليأس وفقدان الأمل في الخلاص والاستقرار. وثانيها: الانقسام الفلسطيني الذي كسر شأفتنا ومزّق وفاقنا. وثالثها: تشهير البعض بالمقاومة وتطاول بعض الإعلاميين وتسخيرهم لفضائياتهم للحد من تلك المقاومة.
دراما التلفزيون في مقابل دارما الموت في غزة تحظى بالتفوق والحبور، بينما ستصرخ النساء بحثاً عن نجدة الأشقاء العرب فلن تجدها.
وبعيداً عن الخطاب العاطفي وجعجعة الشعارات والمزاودات، فإن حقيقة الوفرة التي يقدمها المذبح المرتبط بعواصم العروبة لم يترك مجالاً للناس إلا للهروب من دراما الميدان وجرائمه إلى دراما التلفزيون.
عواصم العرب التي انتفضت لنصرة فلسطين في الماضي القريب تقلصت اليوم، من خلال نشاطات مقّدرة لكنها قليلة مع هول الجرائم والمذابح التي تنفذها إسرائيل في غزة والضفة، الأمر الذي يعطي إسرائيل جرعة من المصادقة وجواز سفرٍ معنويا ومباركة مبطنة لقتل المزيد من الفلسطينيين.
لذلك وإن صدف وأن دّب الملل في صدور المشاهدين فإنني أذكرهم بأن هناك دراما قوية ومكلفة ومثيرة وعنيفة تدور رحاها في الشجاعية وعبسان ورفح وخان يونس والنصيرات بانتظارهم، ليس للمشاهدة فقط وإنما للدعم والمؤازرة.. فهل يستفيق أبناء جلدتنا، أم أن الموت المعنوي الذي تسببت به حلقات القتل المستمرة سيبقى سيد الموقف؟
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم