أيُّ «إسلام» يضرب فرنسا ويتربص بالغرب؟

حجم الخط
2

■ دول الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، تتحسب منذ سنوات لهجمات يشنّها إسلاميون «جهاديون» في عمقها.
هي تعلم أن بعضاً من هؤلاء أسهمت أجهزة استخباراتها في تصديرهم إلى ساحات الاقتتال والقتل في سوريا والعراق، وان بعضهم الآخر سوف يعود ويرتدّ عليها ويضرب في عقر دارها. مع ذلك بدت فرنسا، كما غيرها من دول أوروبا، وكأنها فوجئت بالمجزرة التي نفذها الأخوان شريف وسعيد كواشي بحق محرري ورسامي صحيفة «شارلي ايبدو» في قلب باريس. هل هو عمى الألوان، أم ضغط المصالح الاقتصادية ما حجب رؤية الحكومات وأجهزة الاستخبارات الغربية وحال دون تمييز عدوها الرئيس وتفرعاته وخلاياه المنتشرة تحت كل كوكب؟
الاستخبارات الفرنسية، وقبلها الأمريكية، تعلم أن الأخوين كواشي مرتبطان بداعية أصولي هو أبو بكر حكيم في تونس الذي كان يقوم بتجنيد وتدريب «المجاهدين» من الفقراء والمهمشين والعاطلين من العمل ويرسلهم الى العراق وسوريا. ولعلهما يعلمان ايضاً أن الأخوين كواشي كانا في سوريا قبل ستة أشهر من هجومهما على الصحيفة.
اكثر من ذلك، الاستخبارات الفرنسية وغيرها من أجهزة الاستخبارات في امريكا واوروبا، تعلم أن بعضاً من «المجاهدين» الذين جرى إرسالهم الى ميادين «الجهاد» كانوا من أصحاب السوابق ممن قضوا في السجون اشهراً وسنوات.. مع ذلك، غضّت النظر بل سهّلت تصديرهم الى سوريا والعراق ليكونوا وقوداً لحروبٍ كان بعض دول الغرب يصبّ الزيت على نارها لتأجيجها، فتتخلّص منهم الى الأبد. وفي الواقع قضى بعض من هؤلاء فعلاً في الحرب، لكن بعضهم الآخر أفلت من الموت وعاد الى مسقط رأسه ومسرح نشأته في إحدى دول اوروبا التي يحمل جنسيتها. هؤلاء الناجون من الموت هم من يقوم بعمليات إرهابية ضد ما يُطلق عليه تنظيمُ «الدولة الإسلامية» تسميةَ «الغرب الصليبي».
ليس في وسع أجهزة الاستخبارات في الغرب إنكار معرفتها بما تنشره مجلة «دابق» أو «Dabiq» بالإنكليزية من توجيهات صادرة عن «الدولة الإسلامية» الى «الجهــــاديين» في دول الغــــرب، وفيها دعوة صارخة الى كلٍ منــــهم بأن يجاهد حيث هو ضد «الصليبيين» والأمريكيين والفرنسيين وحلفائهم بأن «يضرب رأس احد هؤلاء بحجر أو يطعنه بسكين أو يدهسه بسيارة أو يرميه من علٍ أو يسممه».
يبدو أن القادة السياسيين في امريكا واوروبا ادركوا، متأخرين، جسامة الخطر المحدق بدولهم وشعوبهم، لذا يعقدون اجتماعات على اعلى المستويات لوضع الخطط والترتيبات اللازمة لمواجهته، فبماذا تراهم يفكرون؟ هل بإعادة النظر بموقفهم، مثلاً، من سوريا التي اسهموا، وما زالوا، في دعم بعض التنظيمات «الجهادية» التي تستنزفها بلا هوادة منذ عام 2012؟
لا شك في أن فريقاً من القادة السياسيين في الغرب سيمانع في تعديل النهج المتبع منذ سنوات، مترسملاً على ردود الفعل الشعبية السلبية في دول اوروبا على الإرهاب و»الجهاديين» الاسلامويين فيميل تالياً الى وضع الإسلام والإسلاميين جميعاً في سلّة ( فئة) واحدة لمحاصرتهم والتضييق عليهم وتبرير ترحيلهم. هذا الفريق يتفق في الرأي مع بنيامين نتنياهو الذي عقّب على الهجوم الذي تعرضت له صحيفة «شارلي إيبدو» بقوله: «إن الإرهاب الذي يمارسه الإسلام المتطرف لا يعرف الحدود، ولذا يجب أن يكون التصدي له عابراً للحدود». بمن يتمثّل الإسلام المتطرف؟ يجيب نتنياهو: «يتمثّل بالإرهاب المتطرف الذي يمارسه كلٌ من حماس وحزب الله وداعش والقاعدة»…
نتنياهو لم يوضح كيفية التصدي لكل هذه التنظيمات المتناقضة في اهدافها وسلوكياتها وتحترب فيما بينها. لكن ما يدعو اليه لا يبدو غريباً عن الولايات المتحدة وتركيا، وكلاهما عضو في حلف «الناتو». ألم يعلن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية التركية قبل ايام أن تركيا والولايات المتحدة تسعيان لوضع اللمسات الأخيرة على برنامجٍ لتجهيز وتدريب معارضــــين سوريين «معتـــدلين» سيربو عددهم على 15 ألف مقاتل خلال ثلاث سنوات وذلك لمقاتلة «داعش» بالتعاون مع سائر فصائل «المعارضة السورية المعتدلة»؟ ألا يعني هذا التوجّه أن ثمة مَن لا يزال يعتقد في دول الغرب، رغم فشل تجربة «الجيش السوري الحر»، أن بإمكان «جيش» المعارضين «المعتدلين» الجاري تدريبه مقاتلة الجيش السوري النظامي و»داعش» في الوقت نفسه، وانه لن يهزم ليستولي مقاتلو «داعش» على اسلحته كما فعلوا مع «الجيش الحر»؟!
لا اعتقد أن عمى الالوان وضغط المصالح هما على درجة من الحدّة تحول دون احاطة قادة الغرب بوقائع الحرب التي تشنها «الدولة الإسلامية» ضد مَن تعتبرهم اعداءها في الشرق والغرب واعداء «إسلامها» المتطرف. ولا اعتقد أن قادة الغرب على درجة من السذاجة تحملهم على التمسك بسياسة المزيد من الشيء نفسه، أيّ وضع الإسلام والمسلمين جميعاً على تنوّعهم وتناقض سياسات حكوماتهم والصراعات الدائرة في ما بينــــهم في سلّة (فئة) واحدة وتكريسهم عدواً مركزياً للغرب على ضفتي المحيط الأطلسي. ولا اعتقد أن الغرب وحلفاءه في عالم العرب والمسلمين سيثابرون على تجاهل حقيقة ساطعة هي وجود تناقضات رئيسية واخرى ثانوية في العلاقات الدولية، وان الإسلام «الجهادي» المتطرف المعقــــود اللواء لـِ «الــــدولة الإسلامية» هو في حال تناقض صارخ مع الغرب وحلفائه في الحاضر والمستقبل المنظـــور، وان لا جدوى على الإطلاق من تجــــاهل هـــذه الحقيقة الساطعة والتمادي بوضع «حماس» وحزب الله مـــع «داعش» و«القاعـــــدة» في ســـلّة (فئة) واحدة ومحـــاربتهم مباشرةً أو مداورةً حتى آخر برميل بترول يملكه حلفاء الغرب في عالم العرب.
آن الاوان لأن تُدرك دول الغرب، كما حلفاؤها، ايَّ «اسلامٍ» هذا الذي يقاتلها. إنه «إسلام» يرفض الآخر المختلف عنه حتى لو كان من الملّة نفسها.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية