أي تحديات تعترض الأسرة اللبنانية في عصر العولمة والانترنت؟

حجم الخط
0

 

بيروت ـ «القدس العربي»: مما لا شكّ فيه انّ الأسرة في لبنان لا تستقيم إلاّ على أسس العدالة الاجتماعية والاقتصادية والمساواة بين المواطنين، إلا انّ هذه الأسس باتت مهدّدة بسبب الأوضاع الاقتصادية الضاغطة والتفاوت الطبقي والاجتماعي، وما يزيد الطين بلّة تقّلص فرص العمل ولاسيّما في صفوف الشباب الذين يضطّرون مرغمين إلى ترك أسرهم والهجرة إلى الخارج بحثاً عن العمل لتأمين عيش كريم ولائق لأهلهم وأسرهم.
وتزامناً مع هذه التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية هناك أخطار متنامية تجعل الأسرة في مواجهة تحديات العصر بناءً لما يشهده المجتمع من تحوّلات وتغيرات فكريّة ومادية وسلوكيّة وأخلاقية وتربوية بسبب اتساع وتيرة العولمة والانفتاح مع اتساع نطاق الثورة التكنولوجية والمعلوماتية.
الطبيبة النفسية والاستاذة المحاضرة في كلية التربية في الجامعة اللبنانية كلير الحلو قرقماز فنّدت لـ «القدس العربي» مدى انعكاس الضغوطات الاقتصادية والنفسية والاجتماعية على الأسرة التي تواجه بشكل مباشر تحديات عصر العولمة عبر عوامل منها اقتصادية واجتماعية ونفسية.
وبشأن العوامل الاقتصادية اعتبرت قرقماز «انّ الثقافة التقليدية تتّجه نحو الامتياز في التحصيل الدراسي وهذا يتناسب فعلاً مع بعض الأسر التي تتّكبد العناء والتضحيات للوصول بأولادهم إلى أعلى الشهادات، غير اّبهين بالضغوطات التي يواجهونها». لافتة في الوقت عينه إلى «وجود مردود اقتصادي سيئ لهذه العملية لان المتميزين غالباً ما لا يجدون فرص عمل في الوطن فيهاجرون وتستفيد منهم ومن خبراتهم معظم البلدان الأخرى الحاضنة، حارمين الاقتصاد الوطني من استعادة ما قد أنفقه عليهم».
وأوضحت «في ضوء المتغيرات الأخيرة تتفاقم مشاكل البطالة والفقر، والشباب هم أبرز ضحاياها وخاصة الذكور منهم». وطالبت في هذا المجال «بضرورة وضع سياسة تربوية للتعليم المهني والتقني، وتأمين الضمان الاجتماعي لجميع التقنيين والحرفيين».
وبشأن العوامل الاجتماعية فأكدت «أنّ العولمة تؤّثر في ميدان التعليم والتأهيل المهني للفتيات والشباب كي تتماشى مع التطور المعرفي والحضاري، حيث لم يعد التعليم التقليدي هو المصدر الوحيد للعلم والمعرفة، وأصبحت المعرفة في هذا العصر في متناول الجميع، وصار استخدام الانترنت ليس فقط لإغناء المعلومات انما للتــواصل والدردشة وحتى التأثير العاطفي والنفسي والاجتماعي».
ولم تخف قرقماز «مدى التأثيرات المختلفة لاستخدام الانترنت على الشباب وأبرزها، إهمال الوضع الشخصي وضعف العلاقات والتواصل في المحيط الاجتماعي ومشكلة العزلة النفسية والاجتماعية واضطراب علاقات الشباب الاجتماعية بعائلاتهم وتأجيج الحسد والغيرة، وعدم الرضى بالواقع وبالتالي الشعور بالغبن والاحباط والانتفاضة والثورة، واستخدام الألعاب التي باتت ظاهرة خطرة تؤدي إلى الإدمان وانعدام المسؤولية».
وإلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية هناك عوامل أسرية أخرى ضاغطة منها التفّكك الأسري وبعد المسافة بين الزوج والزوجة وبالتالي ضعف العلاقات الأسرية وترك مسؤولية الأولاد وتربيتهم على عاتق الزوجة، وتفشي ظاهرة العنف في المدارس والجامعات واستخدامه بمختلف أوجهه اللفظّي والمعنوي والمادي.
ودقّت الطبيبة النفسية ناقوس الخطر إزاء «ما تتعّرض له العائلة اللبنانية من ظروف صعبة وما أكثرها في هذه الأيام وأبرزها على الإطلاق، تأمين لقمة العيش والتعليم للأولاد، والطبابة والاستشفاء، وتأمين التعليم الجامعي، والحدّ من هجرة الشباب في مقابل البطالة المستشرية وتنافس اليد العاملة، والتحوُّلات الاجتماعيَّة الناتِجة عن العَوْلَمة والتغيُّرات التي أحدثتها في أنماط السُّلوك والتبدُّل الحاصِل في سلّم القِيَم».
ودعت إلى «مواجهة التحديات الأسرية عبر تدعيم شبكات الأمان الاجتماعي والعمل على زيادة تغطيتها وتقديماتها بمساعداتٍ مباشرة، وإعطاء قُروض صغيرة تُمكِّن الأُسر المسْتفيدة من بِناء مشروعات مُدِرّة للدخْل، وإزالة عدم المساواة من تَشريعات العمل، وفي السوق، والفوارق في الأجر، والبطالة، والحماية».
كما طالبت «بتوفِيّر الأسرة المتماسكة بيئة حاضنة ومحفِّزة لأفرادها، تَقيهم شرّ التفلُّت الأخلاقي والسلوك الانحرافي وتحدّْ من التفرُّد والأنانية، وتشكل الأسرة خط الدفاع الأوّل في تأمين الدعم النفسي الاجتماعي والتربية والإرشاد والمساعدة والوقاية من الانحراف والسلوكيَّات الخطرة».
وشددّت على «ضرورة تطوير برامج تستهدف الشباب بشكل خاص وتعمل على تعزيز قدراتهم ومهاراتهم وفرصهم في المشاركة وتنفيذ السياسات التي تستفيد منهم كعنصر أساسي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والوطنية للحدّ من هجرتهم، فضلاً عن اعتماد خريطة فقر شاملة تعكس الواقعين الاجتماعي والديموغرافي من شأنها أن تحدد ميزات الأسر التي قد تستحق الاستهداف عبر التحويلات النقدية أو الدعم المدرسي أو الصحي أو أي أشكال أخرى من الدعم الاجتماعي».
وختاماً رأت «وجوب التأكيد على الحقّ بالرعاية الصحية النوعية لجميع الأفراد والأسر من خلال التخطيط الرشيد للخدمات الصحية وتحقيق العدالة في الحصول عليها وتفعيل نوعية وجودة الخدمات الرعائية التي تقّدمها المؤسسات والإدارات الرسمية الصحية من أجل تقليص الفوارق بين المناطق وتحسين المؤشرات الصحية».

أي تحديات تعترض الأسرة اللبنانية في عصر العولمة والانترنت؟
الطبيبة النفسية كلير الحلو قرقماز لـ «القدس العربي»: الشباب أبرز ضحايا البطالة والفقر
ناديا الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية