أي خلافة يقصدون؟

«ثم تكون خلافة على منهاج النبوة». هذه الكلمات النبوية القليلة التي جاءت في سياق البشارة، سوف تتحول منذ الربع الأول من القرن العشرين إلى ايديولوجيات مهمة وسوف تتسبب في الكثير من الفوضى، بسبب تفسير أهل الغرض أو الفهم الخاطئ لها.
في الواقع فإن هذا الحديث كان مثار جدل منذ القرون الأولى، أعني جدلاً في تفسيره وإنزاله على الواقع وليس جدلاً في صحته وثباته، ولكن ذلك الجدل تحول إلى صراع ممزوج بالعداء للآخر، بمن فيهم المسلم المخالف، بعد سقوط الخلافة العثمانية التي كانت المظهر الأخير للوحدة الإسلامية تحت رابطة الخلافة التقليدية. رغم أن الخلافة العثمانية، خاصة في سنواتها الأخيرة كانت محاطة بالضعف والعيوب، ورغم أنها كانت قد ابتعدت فعلاً عن أن تكون خلافة بالمعنى الأصيل، الذي يتساوى فيه المؤمنون ويكون للسلطان أو الأمير فيها حق الطاعة وواجب الحماية والكفالة، إلا أن إنهاء الحكم بالخلافة وإلغائها الرسمي كان خبراً صادماً للملايين من المسلمين حول العالم، وانبرى عدد من العلماء والأدباء لكتابة الخطب والكتب الداعية لعودة الخلافة الإسلامية إلى عاصمتها الأستانة أو اسطنبول الحالية.
إلا أن ذلك لم يكن ممكناً فقد سيطرت النخبة العلمانية المتشددة على مقاليد الحكم في تركيا وسعت إلى تحويل البلاد إلى نسخة أوروبية مكتملة لجهة الثقافة العامة، خاصة الثقافة السياسية المبنية على الوطنية والقومية والاهتمام بالشأن التركي. انتقدت هذه النخبة الجديدة الخطاب الديني وتضييع الوقت في الاهتمام بشؤون المسلمين في أي مكان حول العالم. بمفهوم اليوم كان ذلك يعني الاقتصار على رعاية المصالح التركية المباشرة، وخوض سياسة خارجية مبنية على المصلحة والبراغماتية وليس لغة المبادئ والوصاية، أو لغة الخطاب الأممي التي كانت سائدة في عهد الازدهار العثماني.
الدعوة إلى استعادة الخلافة عبر عودة الأستانة عاصمة للحكم الإسلامي، لم تجد أصداء واسعة في معظم الديار الإسلامية، فبالإضافة إلى النظرة السلبية التي كانت تربط بين الخلافة العثمانية والحكم التركي المتجبر والمتسلط، كانت معظم البلاد الإسلامية قد وقعت في قبضة الاستعمار أو استقلت بشكل ما عن سلطة الباب العالي، فلم يكن لسقوط الخلافة عليها أي تأثير فعلي. لكن التفكير القومي والوطني لم يقتصر فقط على الأتراك، حيث بدأت القيادات السياسية العربية تفكر بالطريقة ذاتها مدفوعة بمحاولة الرد على المنطق التركي، ومتأثرة بالأفكار الوافدة الحديثة كالعلمانية والليبرالية والديمقراطية.
في البداية ظهر الاتجاه الذي لا يعترض على الخلافة بوصفها طريقة إسلامية للحكم لكنه يقصرها على بلد أو منطقة معينة، وكان ذلك متماشياً مع الذهنية الشعبية حديثة العهد بتجربة الحكم على الطريقة الغربية. هذا الاتجاه حاول أن يمزج بين القومية والإسلامية، وأن يكسب السلطة الوطنية بعداً روحياً، بالدعوة إلى أن تكون الخلافة عربية وأن تكون إحدى تلك العواصم العربية (سيكون هذا محل خلاف) هي مقر الخلافة الجديد.
لن تتحقق حتى هذه الفكرة المتواضعة، وسوف تتقسم المنطقة العربية إلى مجموعة من الدول بعد اتفاق سايكس بيكو الشهير الذي سيجعل أمر الدعوة إلى خلافة موحدة، بل إلى أي نوع من الوحدة السياسية، أمراً شديد التعقيد.
وللتدليل على تعاظم أثر انهيار الخلافة يكفي أن نستحضر أن أحد الأهداف الرئيسة لجماعة كبيرة كجماعة «الأخوان المسلمين» كان استعادة مظلة الخلافة، وقد ربط كثير من المؤرخين بين تاريخ نشوء هذه الجماعة وتزامنه مع إلغاء الخلافة العثمانية. صحيح أن الجماعة، بنسخها المختلفة، قاستطاعت تغيير خطابها وحصر عملها داخل الأطر الوطنية، إلا أن تلك النقطة كثيراً ما كان يتم استدعاؤها في معرض انتقاد الجماعة ووسمها بحمل أجندة عابرة للأوطان. بالإضافة إلى جماعات وأحزاب أخرى كـ»حزب التحرير» الذي ظل يتعامل مع الدول القطرية المتواجدة حالياً مجرد ولايات تابعة لسلطة هي غير موجودة فعلياً.
لكن البشارة النبوية لا تكتفي فقط بإخبارنا بأنه ستكون هناك خلافة، ولكنها توضح أنها ستكون خلافة على منهاج النبوة، أي خلافة تحوي طريقة نموذجية للحكم بلا تعسف ولا ظلم ولا جبر، ذلك سيحدث في لحظة تاريخية فارقة تأتي في آخر الزمان، بحسب الحديث النبوي الذي يقدم التاريخ الإسلامي على أربع مراحل أساسية: النبوة ثم الخلافة على منهج النبوة ثم الملك العاض أي الملك الذي يحوي الكثير من الظلم، ثم الملك الجبري وأخيراً خلافة على منهاج النبوة.
وكما هو واضح فإن المرحلتين الأوليين لا خلاف عليهما بين عموم المسلمين، أي النبوة والخلافة الراشدة الأولى. لكن المتابع لأحداث التاريخ سوف يكتشف أنه وعلى مر العصور كان هناك من يخصص ملكاً معيناً بأنه هو العضوض المذكور في الحديث، أو أنه هو الملك الجبري الذي سوف تأتي بعده الخلافة الصحيحة. كلمات الحديث تصلح لشحذ الهمم وبث روح التفاؤل والصبر وانتظار الأفضل، لكن المشكلة تكمن حين نخصص وقتاً معيناً وحكماً معيناً بأنه هو المقصود.
من الدلائل على كون هذه الإشكالية مزمنة في التاريخ الإسلامي هو وصف عدد من العلماء الخليفة عمر بن عبد العزيز بأنه محقق الخلافة على منهج النبوة، استدلالاً بما كان قبله من ظلم وجبر، وبما حققه من أمان وعدل. أقول إنه لو كان التاريخ قد انتهى بحكم ذلك الخليفة لصح ما ذهبوا إليه، باعتبار أنه كان أعدل من حكم بلاد الإسلام بعد الخلفاء الأربعة. لكن الذي حدث هو أن التاريخ لم يتوقف ولم تستمر، بعده، تلك الخلافة على منهاج النبوة، حتى إن كانت ما تزال تسمى خلافة، فظهر الظلم والجبر والضعف النسبي الذي يزداد في بعض الأحيان وينقص بحسب الزمان والمكان.
أما في عصرنا الحالي فلا شك أن من يصرون على ربط الخلافة باسطنبول التركية فلا سند لهم ولا منطق. ليس فقط لأن لا دليل على كون هذه المدينة، على أهميتها وتاريخها، تشكل في وقت ما عاصمة أبدية للخلافة الإسلامية، ولكن أيضاً لأن ذلك إنما يبنى على ربط ساذج بين تركيا المعاصرة ذات الثقل الذي لا ينكره أحد، وتركيا العثمانية التاريخية التي كانت تسيطر لقرون على أكثر من ثلث العالم.
هذا النقاش يكتسب أهمية كبيرة اليوم فقد برزت جماعة تدعي أن هدفها هو إقامة الخلافة، وتحكم على جميع من لم يبايع خليفتها بأنه كافر أو مرتد. لا جدوى طبعاً من محاولة مناقشة ذلك التنظيم وأشباهه بمنطق العقل، فلو كانوا يعقلون لتورعوا عن كثير من أفعالهم المشينة التي أساءت وأضرت بالإسلام والمسلمين في كل مكان. لكنني أحب فقط أن أذكر اولئك ومن يتعاطفون معهم بأن هذه النبوءة التي يتخذونها شعاراً تتكون من جزءين لا يمكن فصلهما، جزء الخلافة وهو الجزء السهل الذي يمكن الحصول عليه من خلال السيطرة على أي بقعة أرض هنا أو هناك، ومنحها اسماً على شاكلة إمارة كذا، وجزء آخر هو أصعب بكثير وهو المتعلق بأن تكون تلك الخلافة «على منهاج النبوة» بمعنى أن تسير على طريق النبي، لا على طريق ملوك المغول أو غيرهم من الغزاة، الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.
كاتب سوداني

أي خلافة يقصدون؟

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية