عمان ـ من آية الخوالدة: أوقعت الثورات العربية الكتاب في حيرة. اعتبرها البعض مساحة لمزيد من حريات الرأي والتعبير، فيما قال آخر ان الرقابة زادت، مع سلطات تتذرع بالفوضى.
ولفت الكثير منهم الانتباه في محاضراتهم ولقاءاتهم الأدبية، إلى خوف بعض الكتاب من الحديث عن هذه المنظمات الإرهابية، جراء تلقي عدد من الكتاب والشعراء تهديدات عديدة. اتجه بعضهم الآخر إلى مثل هذه الكتابات بحثا عن الشهرة. تنوعت الآراء والردود حول أثر التطورات السياسية الحاصلة على الرقابة، خصوصا في ظل عصر تكنولوجيا المعلومات والـ»سوشيل ميديا».
يرى رئيس رابطة الكتاب الأردنيين، زياد أبو لبن، أن «ما يحدث في الوطن العربي يدعونا للتفكير كثيراً، فهذه الثورات العربية حالات ملبسة، بل ما يحدث يوقعنا في الحيرة، خاصة أن هناك أوراقا سياسية تختلط بعضها ببعض، وإن حالات التعبير في الأدب، والتنظير بالفكر، دفعت الرقيب العربي للحد من حرية التعبير، بذريعة الفوضى التي تحدث في أقطار عربية وصراعات الطوائف والجماعات المضلِلة والمضللَة».
وأوضح أبو لبن أن «الثقافة العربية تعيش حالات مخاض صعبة، ولا تبشر بولادة طبيعية، بل ثقافة «منغولية» بمفهوم الإعاقة، وكل هذا بسبب الانقسامات التي يعيشها المثقفون العرب».
فيما ذهب الشاعر والروائي جلال برجس إلى أن ما يسمى بـ»الربيع العربي»، زاد في اتساع فضاء الحرية،موضحا «وبغض النظر، هل هو فضاء حرية كاف، أو يمتلك شروط الحرية الحقيقية، إلا أنه يمكننا اعتباره إرهاصاً أول لتطور ملحوظ على صعيد الحريات»، مشيراً إلى ان «الوعي العربي في الأصل بني على النمط الأبوي الفردي، الذي حد من امتلاك الفرد حريته وحيويته في عيشه، ابتداء من مؤسسة البيت، وانتهاء بالدولة كمؤسسة تدير شؤونه».
لهذه الأسباب سالفة الذكر، وأمام تنامي سلطة بعض المنظمات الإرهابية وصعود تيار تهديداتها، وقبالة بعض السلطات السياسية التي لا تقبل النقد المباشر، وفق برجس، فضل كثير من الكتاب المكوث على مبعدة من الخطوط الحمر، واختيار إما المساحات المحايدة في ما يكتبون، أو المساحات الصامتة.
من جهته، أوضح الاكاديمي غسان أبو لبن أن التحولات العاصفة التي أظلّها «الربيع العربي» أفرز ما يمكن تسميته «دولة تسيير الأعمال»، وهو نمط من الإدارة اليومية الآنية للأولويات قريبة المدى، وأضاف: «وفي ظل هذا الضرب من إدارة الأزمة تراجع كثير من الأولويات التي كان ينظر إليها بوصفها خطوطا حمراء؛ فتعالت أصوات المعارضة والموالاة السياسية شكلا ومضمونا، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما تعالت أصوات التطرف الديني الطائفي والمذهبي من جهة وأصوات التطرف اللاديني إلى درجة الإفصاح التام عن الإلحاد والمناداة الصريحة بالإباحية الجنسية».
وحول أثر العولمة و»داعش» على الدولة العربية الحديثة، أوضح أبو لبن «إذا كانت العولمة قد أظهرت مدى هشاشة الدولة العربية الحديثة وقابليتها للاختراق من خلال الشركات العابرة للقارات والحدود؛ وبوجه خاص شركات الاتصال التي رسخت شكلا جديدا من المواطنة الإلكترونية داخل الأوطان وشكلا جديدا من الولاء والانتماء لهوس الثرثرة، فإن تنظيم «داعش» أظهر ما يمكن أن تؤول إليه المنطقة وفقا لأسوأ سيناريوهات الأفلام الأمريكية المهووسة بتصوير الطور الأخير من الحضارة البشرية على وجه الأرض، حيث تختفي الدول لتظهر مجموعة من العصابات والشركات الإجرامية التي تتحكم بمصائر وأخيلة الناس».
الرقابة الآن، وبالمعنى التقليدي الذي كان سائدا في القرن الماضي، وفقا لأبو لبن، أصبح «غير مجد»، لأنها لم تعد قابلة للتطبيق في ظل طوفان المعلومات وتصاعد الاستخدام الفردي لتكنولوجيا الاتصال الحديثة، ولا ينفي ما تقدم اتجاه ما تبقى من أشكال الدولة العربية الحديثة لحظر كتاب أو اعتقال كاتب بتهمة التطاول السياسي أو الديني أو الأخلاقي من حين لآخر.
إسلام سمحان شاعر أردني، صدر له ديوان شعري «برشاقة ظل» الذي لم تجزه دائرة المطبوعات والنشر بسبب اقتباس من الآيات القرآنية وتضمينها في قصائد حب، يرى أن الرقابة ما تزال موجودة، وربما من قبل دول تجيش العالم لمحاربة الإرهاب، ففي حين يؤكد المجتمع الدولي على حرية الأفراد ويقود حربا ضد التطرف نسمع ونشاهد أحكاما جائرة وصادمة بحق شعراء وفنانين بتهم التجديف والتكفير. وأضاف سمحان «لو لمسنا تراجعا في التهم المتعلقة بقضايا التكفير مثلا أو المساس بالتابوهات المحرمة فذلك يرجع لشعور المبدع بالخوف من استهدافه المزدوج، سواء من الدولة التي تقمعه وتعتقله أو من الجماعات المتطرفة، وذلك يرجع بسبب ضعف المؤسسات الثقافية وانجرارها للأنظمة وغياب المثقف العضوي وغير العضوي عن المشهد السياسي والاجتماعي».