القاهرة: في نهاية العام 2011، كانت أحداث «محمود محمود» في أوجها. روح الثورة متأججة والآمال تصل إلى حد السماء. سمعنا في الميدان عن «دخيل» من جهاز الشرطة، هدفه تفريق المتظاهرين وشق صفوفهم. كادت الأيادي والأقدام التي تكيل الضربات واللكمات أن تميته في لحظات، لولا تدخل بعض «العقلاء»، وإدخاله إلى باحة مسجد «عمر مكرم»، حيث «بيت الله لا يُدنس بالقتل».
المسجد كان حياة جديدة لهذا الدخيل، لكن من بين الصفوف، خرج رجل ملتحٍ، يرتدي جلباباً قصيراً، لم يرد شيئاً غير ذبح هذا الدخيل. أثناه الناس بالقوة، وحاولوا أن يقولوا له «أفي بيت الله تقتل؟». الرجل الذي لا يبدو من عينيه أي رشاد، قال بصوت واسع: «أنا بقالي عشرين سنة في المعتقل بتعذب كل يوم، لازم أنتقم». حينها عرفنا كيف تتآكل الروح في أقبية السجون المصرية، حيث تنعدم الإنسانية.
مسارات الخروج
«إسراء على الإسفلت، يارا وسناء خرجتا، عمر إفراج»، عبارات لاقت سعادة ودموعاً من متابعي حالات الإفراج «النادرة» في العامين الماضيين، بعد حملات الاعتقال الواسعة التي قام بها نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خاصة بين الشباب. الغرض منها تفريغ الحالة الثورية مجازياً، وعلى أرض الواقع.
تم الإطباق الكامل على المجال العام السياسي في البلاد، وتحولت الآمال الـ»يوتوبية» للثورة إلى كوابيس صار طموحها الأكبر خروج المعتقلين، الذي قدر عددهم بـ 30 ألف معتقل سياسي، وفق احصاءات قانونية.
هؤلاء المفرج عنهم، تراوحت مساراتهم بين الخروج من البلاد كلياً، مثل الشاب الإخواني محمد سلطان، الذي أضرب عن الطعام، أو استكمال بعضهم المسيرة الحقوقية والسياسية مثل سناء سيف ويارا سلام، أو تحديد الإقامة مثل إسراء الطويل، فماذا عن البقية من غير المشاهير؟
«أ.أ» من هؤلاء الشباب الذي دخل المعتقل وخرج منه دون أن يتحول إلى أيقونة «افتراضية». (أ) تقريباً حبيس بيته. لا يغادره إلا للضرورة. كان الوصول إليه مشقة، والحديث معه مشقة أكبر، إذ أنه يرفض لأي تمثل لعلاقة اجتماعية ولو كانت «دردشة» بسيطة. والده موظف حكومي، يرى ما وصل إليه ابنه فيدمع في صمت ويحاول تخفيف الموقف المحرج، وهو يعلق: «معلش ما بيعرفش يتكلم بسهولة». ابنه الذي خرج منذ أكثر من عام وبضعة أشهر عاش أياما عصيبة في المعتقل. أقسى أيامه كانت في الشتاء حيث لم يكن يدفأ جسمه إلا بخرقة يسمونها مجازا بالـ»بطانية». يلتصق ببعض رفاق السجن وهو يأمل في تمرير الوقت. الأب يحكي و لا يستطيع غلب دموعه التي تحولت إلى بكاء بصوت ممجوج، «أنا ابني رجع لي نص بني آدم، لكن الحمد لله إنه رجع. لم أفقد الأمل».
المعتقل: «فشخ الخيال»
من القاهرة إلى مدينة المنصورة في وسط الدلتا، قابلت «ع م» الشاب المهذب ذا الثمانية وعشرين عاماً. دخل الشاب المعتقل «بالصدفة» أثناء مروره قرب تظاهرة، يضحك وهو يروي قصته: «أنا بقيت عامل زي أحمد راتب في فيلم البريء عدّى جنب مظاهرة نسوان ودخل، مش الواقع فشخ الخيال برضه». يتحول الضحك إلى صمت طويل وشرود باتجاه اللاشيء قبل أن يعود ليقول فجأة «أنا اتفشخت، وكل ما أتمناه أن اغادر البلد إلى أي مكان». أحاول دفع الشاب اليائس إلى الكلام عن تجربته، وكيف يراها الآن بعد خروجه، ليبادرني «الحمد لله إني خرجت وخلاص، أول شهر بعد ما خرجت كنت اتناول الطعام بشراهة. كل ما تعده والدتي، حتى الأكلات التي لم اكن اتناولها ولا احبها». أخبره أن كلمة «معتقل» أو «سجن» لا ترد على لسانه أبداً، فيمازحني ثانية «ياعم الحاجات دي بتيجي على السيرة، ربنا يعافينا».
حياة إسراء «المشهدية»
شهر تقريباً مضى في رحلة البحث عن هؤلاء الخارجين، باءت جميع دروبها إلى الفشل، إما لرفضهم الكلام مع الصحافة بشكل عام، أو لخروجهم من البلاد وعدم الرغبة في تذكر هذه المرحلة الأشد قسوة في حيواتهم، لكن من «بعيد» يمكن رصد بعد الحالات الشهيرة مثل إسراء الطويل.
إسراء مفرج عنها صحياً ومحدد إقامتها في البيت. تبدو في صورها ونشاطها على «فايسبوك» أكثر حيوية من كثيرين. إسراء عانت ظروفاً صحية قاسية في السجن، أدت إلى تفاقم حالتها بدت في الصور أكثر سعادة وهي تمارس طقوسها المنزلية. الطقوس التي أمست تفاصيل مشهدية في كتابات المطالبة بالإفراج عنها. غير أن أمر الإفراج المحدد بأماكن تحركها، وإثبات وجودها الدوري في قسم الشرطة التابعة له، إضافة إلى حالة ساقيها، جعل من الإفراج سجناً أقل وطأة، لكنه سجن في كل الأحوال، غير أن ما يبدو من حالة إسراء المزاجية والنفسية أفضل من كثيرين.
أي تأهيل؟
يفسر الطبيب النفسي، ابراهيم السيد، هذا التباين بين الحالات، في حديث مع «القدس العربي»، يقول إن «بعض المعتقلين لهم أيديولوجيات هي التي تقوّي شوكتهم وتجعل من قبولهم النفسي لهذه التجربة القاسية أكبر، لذلك نجد أن هؤلاء تحديداً إما يوغلون في التعصب لأفكارهم وقد تتحول إلى فعل عنيف، أو تتحول إلى إيمان شكلي وحذر من عنف الدولة الذي جربوه»، ويضيف ان «الذين ينغلقون على أنفسهم، ويعتزلون المجتمع فلا الأفكار ولا المعتقدات كانت قادرة على تجميع شتاتهم النفسي، ولم يلقوا كذلك دعما نفسيا واجتماعيا بل ربما تحول الأهل والدوائر القريبة إلى أدوات عقابية لائمة».
ويؤكد ابراهيم أن «مركز النديم وبعض الأطباء بشكل فردي يقومون بتأهيل الخارجين من المعتقلات وذويهم وأهاليهم ودوائرهم المحيطة، لأن الأثر النفسي لمثل هذه التجربة العنيفة القاسية ربما ينسحب على الأهل مثل المعتقل تماماً».
الباحث السياسي والحقوقي شريف محيي الدين، يتحدث عن أعداد الخارجين والإجراءات الحقوقية معهم، فيقول انه «لا توجد أعداد دقيقة لمن خرجوا. نحاول متابعة حالات منهم شخصياً، الكثير منهم سافروا إلى أوروبا وماليزيا وآخرين يقبض عليهم ثانية، الأغلبية بالطبع ممن خرجوا يعتزلون العمل العام لأن التجربة صعبة جدا ونحن نستمع إليها فما بالك بمعايشتها»
ويضيف محيي الدين: «لدينا ما يزيد عن أربعين ألف معتقل في السجون المصرية في الثلاثة أعوام الأخيرة فقط، والجمعيات الحقوقية مشغولة بهم بشكل أساسي، نعم يحتاج هؤلاء الذين خرجوا إلى عناية، لكنها مسألة شديدة الصعوبة من ناحيتنا ومن ناحيتهم أيضاً، حيث إنهم يفقدون الثقة في كل من له علاقة بالعمل العام، المشاهير الذين عادوا للمجال العام مرة أخرى، يعرفون جيداُ مصاعب وجودهم. إذ أن غالبيتهم منخرط في العمل الحقوقي أو السياسي منذ فترة طويلة ويعرف ضريبة المهنة جيداً».
أحمد ندا