لندن«القدس العربي»: يطمح إبراهيم التاجوري، الليبي الأصل، لأن يكون أول مسلم يفوز بمقعد نيابي لحزب الديمقراطيين الليبراليين في بريطانيا. فإبراهيم، المرشح انتخابه لمنطقة وسط برنت، شمال غرب لندن، يحمل للبرلمان عدداً كبيراً من القضايا التي تتعلق بالهجرة وبناء المجتمع السليم وتحسين فرص التعليم للأطفال وهي، في مجملها، قضايا كان قد بدأ في الإجتهاد فيها منذ سنوات شبابه الأولى.
على مدى السنوات الـ 15 الماضية، عمل إبراهيم لصالح عدة جمعيات خيرية في لندن كان آخرها لحزب الديمقراطيين الأحرار، كما عمل في جمعيات خيرية تعنى بشؤون الأطفال المهمشين وتقدم لهم فرصا تعليمية أفضل. وعلى المستوى الوطني، يلتزم بتحسين المعايير التعليمية ومحاربة الفقر من خلال الإصلاح الضريبي بالإضافة إلى حرصه على الدفاع عن الحريات المدنية، سواء في الداخل أو الخارج.
وفي ما يخص موقفه من القضايا الدولية والعربية مثل القضية الفلسطينية والحرب في العراق وسوريا، يقول إبراهيم أنه يسعى، في حال تم إنتخابه، للتأثير على سياسة بريطانيا الخارجية في الشرق الأوسط من خلال حثها على المساهمة في تحقيق السلام وبناء المجتمع ومساندته في الدول التي تشهد حروباً بدلاً من الإنخراط في تدخلات عسكرية لا تحمل معها أي دور إصلاحي. «القدس العربي» أجرت حوارا خاصا مع إبراهيم حول العديد من هذه القضايا:
○ ما الذي دفعك للترشح للانتخابات البرلمانية المقبلة عن حزب الديمقراطيين الليبراليين وما الذي ترغب في تحقيقه من خلال العمل السياسي؟
• ولدت في بريطانيا بعد أن غادر والداي ليبيا في السبعينيات. نشأت وكبرت في وسط برنت (شمال غرب لندن) وقضيت أكثر من عشر سنوات في جمع التبرعات وتنظيم الحملات لصالح الجمعيات الخيرية. دخلت المجال السياسي لكي أحاول مساعدة الأجيال المقبلة على مواجهة التحديات التي عانيت منها في طفولتي، مثل الفقر ومشاكل السكن، وسأحاول أن أكمل المسيرة ذاتها وأطورها أكثر إذا تم إنتخابي. مجتمع برنت هو مجتمع متنوع وسلمي ومغامر. الناس هنا تتبادل شعورا مشتركا من القيم والمثل والتطلعات. وهذا بالنسبة لي هو المعنى الحقيقي للمجتمع السليم. ولكن أنا أيضا أفهم التحديات التي تواجه الناس هنا لأنني شهدت العديد من تلك المصاعب في طفولتي.
○ ما هي أهم الحملات الخيرية التي تقوم بها لخدمة سكان برنت والمجتمع البريطاني بشكل عام؟
• المهمة الأساسية التي أعمل لأجلها هي محاولة إنهاء فقر الأطفال في المملكة المتحدة بحلول عام 2020. أخذت هذه المهمة على عاتقي لأني أؤمن أن بناء أطفال أقوياء أسهل بكثير من محاولة إصلاح وتوجيه أشخاص ناضجين . فقر الأطفال هو في قلب كل التحديات التي نواجهها كمجتمع. من التعليم إلى العمل والحصول على الرعاية الصحية، سواء الجسدية أو النفسية، وضمان السكن الملائم. هذه القضايا تمس كل المجتمعات وكل الأشخاص بمن في ذلك المسلمون البريطانيون الذين ينتمون إلى أكثر المجتمعات حرمانا في البلاد.
○ قمت مؤخرا بزيارة مدرسة نيوفيلد الابتدائية وتحدثت مع أعضاء مجلس الإدارة حول دورهم كقادة للطلاب. في ضوء الجهود التي تبذلها حكومة المملكة المتحدة لتعزيز القيم البريطانية في المدارس، كانت هناك تقارير حديثة كشفت أن أطفال المدارس من المسلمين البريطانيين يعانون من رد فعل عنيف من سوء المعاملة بعد هجمات باريس. كسياسي وناشط في مجال حقوق الأطفال، كيف يمكن أن تساهم في مساعدة قادة المدارس والحكومة على تعزيز الحوار بين الأديان؟
• كان هناك وقت عندما كان العالم الإسلامي في طليعة التقدم الهندسي والعلمي والثقافي. أعتقد أنه يتعين علينا العودة إلى ذلك الوقت من خلال ضمان عمل ونشاط المسلمين البريطانيين في الحياة العامة. فإذا لم نستطع نحن أن نتحدث عن أنفسنا وعن انجازاتنا، كيف يمكن أن نتوقع من الآخرين أن يفعلوا ذلك؟ يجب أن نحتفل ونقدر المسلمين والعرب الذين قدموا انجازات هامة للمجتمع سواء في العالم العربي أو في الغرب. المسلمون هنا في المملكة المتحدة وخارجها يقدمون مساهمة كبيرة في الأوساط الأكاديمية، في الرياضة، والثقافة والتكنولوجيا. يجب على الأجيال الشابة أن ترى وتدرك ما يمكن أن تطمح إليه.
○ خلال نقاش لك في جامعة وستمنستر، انتقدت الخطاب السلبي المتعلق بموضوع الهجرة. كيف تفسر هذه الظاهرة وما هو تقييمك لإندماج المسلمين والعرب في المجتمع البريطاني؟
• دائماً ما يصاغ الخطاب السياسي المتعلق بالهجرة في سياق سلبي، متجاهلاً بذلك كل البحوث المستقلة حول المساهمة الاقتصادية أو الثقافية للهجرة. ويتم تغذية النقاش حول هذا الموضوع من خلال التحيز والانفعال. أصبح المهاجرون بمثابة كبش فداء لفشل المؤسسة السياسية في بناء المدارس والمنازل التي نحتاجها. إنها سياسة اللوم، والإنقسام والخوف. نحن بحاجة إلى سياسيين حقيقيين لمعالجة هذه المسألة. أما فيما يتعلق بالإندماج، فالإجابة هي نعم ولا. لم يتواجد المسلمون في المملكة المتحدة منذ زمن بعيد جداً، نحن لسنا كتلة متراصة وليست لدينا بنية هرمية مثل الكنيسة الكاثوليكية. نأتي من منطقة تمتد من جبال الأطلس إلى جزر إندونيسيا، من المدن الساحلية شمال البحر المتوسط وصولا إلى القرن الأفريقي وشبه القارة الهندية. لدينا تقاليد مختلفة، وثقافات مختلفة، بل حتى لغات مختلفة. بعض المجتمعات الفردية اندمجت أكثر من غيرها، ونظمت نفسها أكثر من غيرها. الشيء الذي يجب أن نعمل عليه هو تحقيق المزيد من الوحدة بين أنفسنا، وهنا تكمن القوة الحقيقية لدينا. ألم يقل الملاكم محمد علي كلاي «لدينا جميعا الإله نفسه، إننا فقط نعبده بشكل مختلف».
○ في أول استقبال للحزب الليبرالي الديمقراطي بمناسبة العيد، شجعت زعماء المسلمين على مواصلة بذل جهودهم لكي يصبحوا أكثر انخراطا في المجال السياسي. كيف يمكن ذلك؟
• السياسة ليست عملية مبرمجة. إنها لا تحدد في ذهاب الفرد إلى صناديق الاقتراع كل بضع سنوات للإدلاء بصوته . فمن مسؤولية كل شخص لعب دور أساسي في المجتمع. هذا لا يخص قضايا المسلمين فقط، انما يقع على عاتق كل فرد بحسب تفاعله مع المجتمع والشارع. المسألة لا تكمن في التطوع في حملات بقدر ما هي محاولة استخدام المهارات المهنية المطلوبة والمناسبة لخدمة المجتمع.
○ في رأيك كيف يمكن للمسلمين البريطانيين تعزيز قيم التسامح وسط صعود التطرف الإسلامي الذي يتغذى من غياب حملات التوعية، وأحيانا وسائل الإعلام؟
• الجواب هو في ما ذكرت في السابق، وأشدد على هذه النقطة، يجب أن نكون متحدين وعلى استعداد تام للتحدث عن أنفسنا، عن إنجازاتنا ونشاطاتنا الإيجابية في المجتمع. الحوار بالنسبة لي هو أكثر الأسلحة فعالية في كسر الحواجز. عندما نتحدث مع بعضنا ونسمع بعضنا البعض، ندرك القواسم المشتركة بيننا.
وإذا كنا لا نفعل ذلك فستفعله حتما وسائل الإعلام نيابة عنا وسيديرها من لديهم خطط لتقسيمنا. وسائل الإعلام البريطانية تعرض في كثير من الأحيان المفاهيم الخاطئة عن كل الأديان وهذا يؤثر على ثقافة المتلقي بشكل أساسي جدا. ومن مسؤوليتنا أن لا نسمح للآخرين بالقيام بذلك.
○ كنت قد انتقدت تدخل بريطانيا العسكري في ليبيا من واقع نتائج التدخل البريطاني والأمريكي في العراق وقلت أننا ”لم نتعلم من دروس الماضي”. هل يمكن أن توضح وجهة نظرك؟ وهل تؤيد التدخل العسكري البريطاني في سوريا؟
• كنت غير راض عن إنخراط بريطانيا في حرب أخرى في العراق، لأن الحرب الأولى كانت في رأيي غير شرعية، والنتائج التي توصل إليها لا يزال يجري التستر عليها. وها نحن نغزو العراق مرة أخرى. لم يكن تنظيم القاعدة ولا مقاتلو الدولة الإسلامية موجودون في العراق قبل أن تبدأ حرب بوش وبلير القذرة. مشكلتي مع كل هذا هو أننا لا نتعلم من دروس التاريخ. العمل العسكري لا يحسن شيئا. ليست هناك أي خطط حول كيفية إعادة بناء المجتمع، أو الأمن في البلدان التي نتدخل فيها عسكرياً، ولا أي خطط لمكافحة صعود الأصولية في المجتمعات الإسلامية الغربية. لقد أيدت، في الواقع، التدخل العسكري في ليبيا على أساس أنها أزمة إنسانية. وتوقعت أن يلحق هذا التدخل خطط مدنية هامة لضمان الأمن. ولكن مثلما هو الحال في العراق لم تكن هناك خطة لبناء السلام. لقد مزقتني أحداث سوريا، لا أحد يفهم حقا كل الفصائل المعنية في هذه الحرب. ليست مسألة أبيض أو أسود. لم يكن الفوز حاسماً ولن يكون. ناقش البرلمان هذا بطريقة جيدة جدا مع كثير من النواب الذين تحدثوا من القلب باستثناء شخص واحد، وهو إيد ميليباند، زعيم حزب العمال. لقد إختار أن يطبق لعبة السياسة على حياة السوريين، وعلى ضحايا الأسلحة الكيميائية. كان ساخرا وطريقته يرثى لها. وهذه ليست المرة الأولى التي قال فيها شيئا من هذا القبيل، ولكن هذه المرة كان يتلاعب بحياة الضحايا.
لقد اتفق ميليباند ونك كليغ وديفيد كاميرون على أن هناك حاجة لتدخل عسكري بسوريا ثم عاد ميليباند وقال علنا انه لا يعتقد ان هناك جدوى من التدخل. ليست القضية أنه غير رأيه، وإنما في المبدأ الذي إتخذه. كان إعلانه مفاجأ ومخالفاً للإتفاق. وقد فعل الشيء نفسه فيما يتعلق بتعديلات النظام الانتخابي. من جهة أخرى، رأينا كيف تبرع طوني بلير بحوالي 100،000 جنية استرليني لحزب العمال (في أعمال رشوة وفساد). طوني بلير هو مجرم حرب ويجب أن يحاكم بتهمة الخيانة. دوره كمبعوث لعملية السلام في الشرق الأوسط مثير للسخرية. ماله الملطخ بالدماء غير مرحب به هنا في شوارع برنت، خصوصا أن شخصين من سكان برنت وقعا ضحايا الاختطاف والتعذيب على أيدي السلطات الأمريكية في غوانتانامو.
○ في حال تم انتخابك، هل ستسعى للتأثير على سياسة بريطانيا الخارجية فيما يتعلق بشؤون الشرق الأوسط، وكيف؟
• أحد أسباب دخولي في الحزب الديمقراطي الليبرالي هو أنه حزب يعترف بأن الإجراءات التي نتخذها في الخارج تتردد أصداؤها إلى هنا والعكس صحيح. نحن حزب عالمي وأود أن تمثل الدائرة الأكثر تنوعا في البلاد – البريطانيين الذين يهتمون بما يحدث في وطنهم الأم. أنني مثلاً أحاول الضغط على وزارة التنمية الدولية لبناء محطة لتنقية المياه في الصومال. هذا مثال عن القوة التي تساعد على إعادة بناء المجتمع. في حال تم انتخابي سأكون أيضا أول مسلم ينتخب لحزب الديمقراطيين الليبراليين، وسوف أضمن أنني لست آخر واحد ينتخب في هذا الحزب حتى يكون لنا صوت أقوى في السياسة الخارجية البريطانية.
○ في الموقع الإلكتروني الخاص بك، تقول أنك لا تريد أن تواجه الأجيال المقبلة العقبات التي واجهتها، هل يمكنك سرد بعض هذه الحواجز وكيف تمكنت من التغلب عليها؟
• عانت عائلتي من الفقر ومشاكل السكن، والعمل، وهي أشياء لا تزال تحدث اليوم. كان التعليم طريقي للخروج من الفقر. كنت محظوظا بالحصول على الفرص التي لم تكن متاحة للذين ينشأون في بيئة مشابهة لبيئتي ولظروفي. قابلت مؤخرا صبيا صغيرا من بيئة فقيرة جدا. كان يطمح أن يكون طبيبا. وكان ذكيا بما فيه الكفاية لكي يصبح كذلك. ولكن عشية امتحاناته في المدرسة الثانوية، تم نقله من برنت، بعد أن أصبحت عائلته بلا مأوى. وأصبحت رحلة الباص إلى المدرسة، التي كانت تستغرق 15 دقيقة، تستغرق ساعتين في كل اتجاه، ناهيك عن الضغط النفسي. رسب الصبي في كل امتحاناته. ليس لدي أي شك أنه لديه الإمكانيات للعودة إلى المسار الصحيح ولكن لم يكن من المسموح لهذه الظروف أن تحدث. هذه هي أهم القضاياً التي يجب أن نكـــافحها كي نربي أطفالا أقوياء من أجل مستقبل أفضل.
○ هل أنت متفائل حول ترشحك، وما هي توقعاتك وآمالك؟
• لدي أمل كبير في أن أصبح النائب المقبل لوسط برنت. كانت سارة تيذر عضوا استثنائيا في البرلمان، هي نموذج مثالي كبير بالنسبة لي وأنوي البناء على إرثها. السياسة يجب أن تركز على التغيير وأنا فخور بأننا نشغل الحملة التي تعكس ذلك. انه أمر إيجابي، ويقدم نمطا مختلفا جدا عن السياسة مقارنة مع ما رأيناه سابقا، ومثال على ذلك العرض الذي تقدمت به للمجلس، وهو محاولة إعادة السلطة إلى المجتمع ومنحه القوة لتصبح القرارات المتخذة تصب في مصلحة الشعب بشكل مباشر. انه وقت رائع، ولا شيء يجعلني أكثر فخرا من شرف أن أكون النائب عن وسط برنت، منطقتي.
في كانون الثاني/يناير تم تعييني من قبل نيك كليغ، نائب رئيس الوزراء، لأكون الناطق الرسمي باسم الحزب حول المساواة العرقية. وكان هذا شرف عظيم وإنني أتطلع إلى مسؤولية هذا المنصب. انه يعطيني منبرا لمكافحة الظلم الذي تواجهه المجتمعات المختلفة في المملكة المتحدة وفرصة للمساعدة في إنجاز التغيير الذي أتحمس له بشدة.
ريما شري