كما «عائد إلى حيفا» يأخذنا العنوان «الطريق إلى سحماتا» نحو آفاق ممتدة عميقة تستحيل معها الذاكرة، مثيرا داخليا نفسيا لمعاودة تأمل أشكال المواجهة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. إن كنا نذكر لرواية غسان كنفاني أنها كانت تنظر إلى الماضي وفي ذهنها المستقبل، فإن إبراهيم السعافين يسير باتجاه تفعيل الذاكرة، وعينه على مقبل قد يكون أفضل، رغم أن الزمن الذي تعيشه فلسطين الآن أشد قسوة وألما من ذلك الذي كتب فيه غسان كنفاني روايته بعد عام 1967.
أبطال هذه الرواية هم من أبناء الأراضي المغتصبة عام 1948، انتقل بعضهم إلى فلسطين المحتلة 1967، ومن ثم توزعوا بين بقاع العالم المختلفة. أبرز شخصيات هذه الرواية (معاوية العمر) سنديانة فلسطين الذي أجبر على ترك قريته (سحماتا) التي تقع إلى الشمال من عكا، ومن ثم النزوح مع عائلته إلى الجنوب اللبناني، وتحديدا إلى مخيم الرشيدية. تلفتك هذه الشخصية بذاكرة متوقدة حول عكا لدرجة، أنه يبدو المؤرخ الخبير حولها، كما يلفتك فيه خياره العنيد بعدم الارتحال بعيدا عن الحدود، حتى لو بقي في المخيم الذي بدا فيه كالسمكة في البحر، إذا خرج منه سيموت، لذلك نجده يرفض دعوات مستمرة للعمل في بيروت، أو الهجرة إلى دول الخليج. أما ابنته (سلمى) التي تدرس العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية، فقد ظهرت فترة إقامتها في أمريكا للدراسة موزعة بين حساسيتها تجاه أبيها وتحقيق ذاتها وفرديتها، إلا أنها تدرك في النهاية أهمية ما تقوم به في المهجر بمساعدة خطيبها (عدنان) من شرح للقضية وكسب المؤيدين والأنصار ومحاورة المثقفين والصحافيين والسياسيين.
حري بالذكر أن اجتماع الشباب الفلسطيني في أمريكا كان له فضل التفكر وعقد المقارنات بين المستوطنين البيض في أمريكا والمستوطنين، الذين زاحموا الفلسطينيين بيوتهم حتى أخرجوهم منها، ما يفضح براغماتية عنصرية متأصلة اتفقت في أمريكا وفي فلسطين على إبادة العنصر السكاني الأصلي، ومن ثم منحت شرعية الاستيلاء على مئات الألوف من الأراضي، بما يترتب على هذا الأمر من تهجير سكان لم تعترف أمريكا ولا إسرائيل بهم بشراً. لا ننسى هنا (إحسان) الذي قدمت عائلته من المغرب إلى فلسطين منذ ستمئة عام، بعد أداء فريضة الحج، وكان جده السادس قد اختار يافا وعمل تاجرا فيها، يحضر في الرواية مناضلا ومقاتلا عنيدا على الحدود مع إسرائيل، أستذكره بالضرورة لأنه كان له فترة وجوده في أمريكا فضل مساعدة ( بوب) للبحث عن التاريخ الحقيقي لفلسطين الذي يستحق التدوين.
تعددت المواقف التي تظهر تشبث الفلسطيني بماضيه على أرضه الأولى، أذكر منها مشهدا رأينا فيه (معاوية العمر) يقطع الطريق إلى بيروت بمحاذاة البحر، لنجد ذهنه آنئذ وقد ذهب باتجاه الطريق ذاتها التي كان يقطعها ابن سحماتا من عكا إلى سحماتا، بدون أن ينسى أن البحر الأبيض الذي يجاوره هو البحر ذاته الذي حمل الأهل إلى المنافي. وإذ تحضر فلسطين وطنا كان الموت في كنفه أسهل من البقاء في ديار الغربة، فإن ردة عاطفية تستولي على (معاوية) كان لها أثرها في تحريك فكرة العودة وإشعالها، كما لو أنها فكرة متغلغلة في الجينات لا يمكن القضاء عليها «فكل شيء سيتحقق في أوانه لمن يعرف كيف ينتظر»، وفقا لعبارة تولستوي التي تتصدر أحد الفصول، بما تعنيه هذه العبارة من أن هذا الحنين المتغلغل في نفوس الكبار، له امتداداته في نفوس الأجيال الجديدة، بل كان المحفز الذي يدفع الفلسطيني كي ينتقم لسنوات القهر والذل، متحديا الظروف الصعبة التي عاشها داخل مخيم بدت الحياة فيه مستحيلة.
عموما، ما فتئت الرواية تستعيد عبر شخصياتها لحظات التهجير المروعة التي تعرض لها الفلسطينيون، حين أجبروا قهرا على ترك تربتهم الأولى، ومعها تؤكد مرارا كم إن المشاعر التي يحتفظ بها المرء تجاه أرضه لا يمكن أن تكون بسيطة، وكم إن النفس البشرية تنزع بطبيعتها إلى الحنين، وأنها حين تجبر على العيش في عالم مختلف، فإنها تبقى قابعة ومصرة على استرداد زمن تمت سرقته، لذلك حاول معاوية أن يجعل من بيته موئلا لذاكرة ثرية، تجعل له روحا فلسطينية خالصة، وهو ما نراه في حرصه على تكريس حالة الحنين إلى (زمن البلاد) بغرض تعزيز القرابة النفسية بين زمنين، بل إن ما غرسه (معاوية) من أشجار في حديقة البيت يعزز رغبة عارمة في أن يحيط نفسه بكل ما يمت بصلة إلى أرضه الأولى، لذلك كانت وصيته لابن عمه حين تسلل إلى القرية بأن يأتي له بعرقي زيتون من الجهة الغربية (حبته ناصحة وزيته كثير ولونه يبهج النفس). ليس هذا وحسب، فبيت معاوية يضم لازمتين لا غنى للبيت الفلسطيني عنهما، خريطة فلسطين والمفتاح اللذين يؤكدان على عدم التنازل عن حق الفلسطيني في العودة.
جدير بالذكر أن توقا إلى الوراء على النحو الذي وصفنا ما كان له أن يمنح الدفء والأمان لو كان هذا الوراء مجرد رقعة إقليمية، فعكا التي يستحضرها أبناؤها بمدارسها، وحواكيرها، ومضافتها، وكروم زيتونها، وبحرها، وأسوار قلعتها، ومسجد الجزار فيها، تحضر قبل أي شيء حيزا اجتماعيا وفردوسا مفقودا، حيث الطفولة السعيدة والشعور بالأمان والعيش الرخو. ولا أدل على ذلك من إيعاز(معاوية) لعدنان كي يبحث عن ابن عمه (توفيق) ابن صفه وصديق طفولته الذي قال له عدنان: «إن نسيت معاوية، فهو لن ينساك» لأنه كان يذكره بسحماتا. تحضر( رشا) صورة مكررة عن معاوية في استغراقها في الماضي وتشبثها فيه، خصوصا بعد أن تفرقت أسرتها ومات زوجها الذي بنى بيتا في عمان على غرار بيت الذكريات في فلسطين، وصرنا بالمثل نراها تبحث عن معارف قدامى من سحماتا، ونسمعها تكرر عبارة (سقى الله أيام زمان).
واحدة من أهم القضايا التي تطرحها الرواية تتمحور حول شخصيات كانت قد رأت في المقاومة حلا لانتكاسة الأمة، فالتحقت بالعمل الفدائي، إلا أنها عادت لتنحو مسارا آخر. يحضر (يوسف) الفدائي في هذا المضمار حين رأيناه وقد انزاح عن فكرة النضال بعد سلسلة من الخيبات والهزائم المتتالية، بعضها حسبناه نصرا كما حرب أكتوبر/تشرين الأول التي تثبت الأيام أنها لم تكن حرب تحرير كما كان سائدا. الخطير في الموضوع أن هذه الخيبات أوصلت قطاعا من الفلسطينيين إلى مجابهة الحديث عن المقاومة بخطاب عن واقع جديد حركته الصحف والإذاعات ومحطات التلفزة، التي باتت تنتقد حاملي ما بات يسمى الشعارات الجوفاء والسخرية منها، والأنكى من ذلك أن المقاتل رمى سلاحه الذي كان يزهو بحمله، وأصبح سياسيا، بل تخلى عن حراسة الوطن، بينما تسمعنا الرواية ما مفاده أن: «المقاتل يظل مقاتلا ولا يترك البندقية إلا حين يحصل على الحرية أو الوطن. ويبقى السؤال: من ذا الذي رأى سياسيا في التاريخ ترك خيار القتال؟»
كما (يوسف) الذي عمل فدائيا وأصبح تاجر عقارات، يحضر (توفيق) الذي بدت له مصالحه أولى بالاهتمام وكاد ينسى السياسة، وكان خياره العمل والسفر وبناء المنزل الفاخر في حي الأثرياء، وأصبحت له تجارة وعقارات وغيرها. خلافا لمعاوية الذي ظل يصرخ إلى آخر لحظة في حياته أن «عودوا بي إلى بيتي، إلى هناك، بين أشجار التين والزيتون والرمان، عند السروة العالية». بدون أن يخبو حنينه إلى كل تفصيلة من تفاصيل بيته الأول حيث شجيرات الصبار، وحيث مقبرة سحماتا التي ضمت قبر أبيه وجده، ليكون العائد في النهايات إلى سحماتا بروحه دون الجسد. هنا تستدعي الرواية تأملا لحال الإنسان المرن الذي يعيش في إطار النمط الرأسمالي الحالي، الذي تكمن مرونته بقدرته على تجاوز فكرة الوطن بالمعنى الدقيق، أو فكرة التعلق بمكان معين بأهله وأصدقائه، فالأصل في هذا النظام ألا قيود جغرافية أو اجتماعية تعرقل إرادة الفرد في النجاح. وهنا دعوة للتفكر في ما إذا كان الحنين إلى الوطن قد يقود إلى الشلل، فلو بقي (يوسف) و(توفيق) محصورين في ما وضع (معاوية) نفسه فيه، فهل كان من الممكن لهما أن يحققا الذي بلغاه؟ ولكن ألا يمكن الجمع بين الحنين إلى الوطن ومتطلبات المصالح الخاصة؟ أم إن الواقع وإن صحت هذه الصيغة المتوازنة يكشف لنا نماذج جعلت مصالحها الخاصة أولوية ولو على حساب فكرة النضال من أجل الوطن؟ ليبقى الصحيح في النهاية وفي كل الأحوال ما يزعمه (معاوية) أن «لا عذر لمن يبتعد».
ولو شئت اختزال منظور الروائي في المشهد الفلسطيني، فإنني أراه من خلال عيني (تماضر) زوجة (معاوية) تفكر بشجرة الياسمين الذاوية، وبعيني (سلمى) تراقب بهما عيني معاوية وهما تتأملان شجرتي الزيتون القويتين اللتين ولدتا في سحماتا. ومنهما نراها تستمد قوة تحركها باتجاه شجرة الياسمين تسقيها وتعيد إليها الحياة من جديد. أما ثمار التين من شجرة سحماتا التي يحبها والد (سلمى)، فنراها في المشاهد الأخيرة حية وقادرة على العطاء. وما كان لما تقدم أن يحضر بمعزل عما خاطبت به سلمى والدها بقلب يشتعل بنشيج مكتوم: «لقد أصبحت سحماتا يا أبي أبعد من ذي قبل، لكن حلمك باق معنا. نخسر معركة ومعارك ولكننا سنقاوم الهزيمة ما زالت سحماتا التي أحببتها حية في الصدور بيننا». إمعانا في هذا التصور، أستحضر (أسامة) حين ظل يرى من النافذة شجرتي التين والزيتون اللتين أتى بهما والده من أرض سحماتا، وأنهي بمعاوية بمشهد تقشعر له الأبدان حين شاهد المشيعون مفتاحا كبيرا يتدلى من طرف التابوت الذي احتواه، لنعرف حينئذ أنه كان قد أوصى بأن يدفن مفتاح العودة معه جنبا إلى جنب مع غصون من أشجار التين والزيتون التي لامست سحماتا.
٭ أكاديمية أردنية
رزان إبراهيم