واشنطن ـ «القدس العربي»: استغلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الموضوع الإيراني كفرصة للتعاون مع أعضاء الكونغرس بعد ان زادت التوترات بين الطرفيين بشأن روسيا، إذ أكد البيت الأبيض انه يستعرض السياسة الأمريكية تجاه إيران بالتوافق مع رؤساء وأعضاء لجان العلاقات الخارجية في مجلسي النواب والشيوخ.
إدارة ترامب جددت التنازلات القانونية بشأن العقوبات الدورية ضد صادرات إيران النفطية، ووفقا للتوضيحات التى قدمها ترامب لتبرير هذا التنازل، فان إدارته تجري مراجعة لسياسة إيران، تمشيا مع التزامات الولايات المتحدة المحددة في خطة العمل الشاملة المشتركة، وفي اليوم نفسه اليوم، فرضت عقوبات جديدة للأنشطة غير النووية على طهران وأصدرت تقريرا يسلط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان. وفي الشهر الماضي فرضت وزارة الخزانة أول عقوبات تتعلق بحقوق الإنسان ضد الأفراد والكيانات الإيرانية منذ اعلان خطة العمل المشتركة في تموز/يوليو الماضي.
وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية بانها ستواصل التدقيق في التزام إيران باتفاقية السلام ووضع سياسة شاملة تجاه إيران، وقالت ان الولايات المتحدة ستواصل محاسبة إيران على انتهاكاتها لحقوق الإنسان عبر القيام بإجراءات جديدة.
السياسة الأمريكية الجديدة تجاه إيران ستركز وفقا لبيانات وزارة الخارجية على عزم الولايات المتحدة «على مواصلة مواجهة نشاط إيران المزعزع للاستقرار في المنطقة، سواء دعم نظام الأسد أو المنظمات الإرهابية مثل حزب الله والميليشيات العنيفة التي تقوض الحكومات في العراق واليمن». وقبل أيام من الانتخابات الإيرانية قالت واشنطن إنها لن تسمح لإيران الحصول على مسار يمكنها من امتلاك أسلحة نووية بعد انتهاء فترة القيود المفروضة على خطة العمل المشتركة. وفي الوقت نفسه ستسعى إدارة ترامب إلى ابطاء برنامج الصواريخ البالستية في إيران وزيادة الإجراءات المقاومة لعدوانها الإقليمي والعمل على تعزيز عملية التغيير التطوري نحو مستقبل أكثر تعددية سياسيا، وفي نهاية المطاف رؤية حياة حرة وديمقراطية في إيران.
والفارق بين إدارة ترامب وسلفه أوباما ان الأخير حاول اعطاء الأولوية للحفاظ على خطة العمل الشاملة على قيد الحياة مع إيران بدلا من التركيز على القضايا غير النووية في حين تتخذ إدارة ترامب نهجا مختلفا يشمل فرض عقوبات على الأعمال المتعلقة بالجهود التي تبذلها إيران لتطوير الـقـــذائف البالســـتية حيث تعــتـــقد واشنطن ان مشاريع التطوير هذه ما هي إلا طريقة مفضلة لإيران لتطوير برنامج الأسلحة النووية في المستقبل.
واتهمت إدارة ترامب في خطوت لا مثيل لها في إدارة أوباما السابقة أحد الإيرانيين بتوريد متفجرات وأسلحة غير تقليدية للنظام السوري بما في ذلك أسلحة كيميائية. وقالت بيانات أمريكية رسمية ان المورد الإيراني استخدم شركة مقرها الصين لدعم الجيش الإيراني بمواد لتطوير الصواريخ بما قيمته ملايين الدولارات، وهذه اشارة مهمة بشكل خاص إلى الصين ابتعدت عنها إدارة أوباما رغم معرفتها بهذه المعلومات.
ويتسق هذا التوجه المختلف مع النهج الذي دعا إليه كبار أعضاء الكونغرس، بمن فيهم بوب كوركر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ والسناتور بن كاردان والسناتور اد رويس وزميلاه اليوت انجل من اللجنة المذكورة.
وقد اتهمت إدارة ترامب من قبل البعض بالتصرف المتهور في بعض الأحيان ولكنهم قالوا في الوقت نفسه إن النهج الحذر والمدروس فيما يبدو تجاه سياسة إيران هو أمر مشجع، حيث ان تمزيق خطة العمل المشتركة (الصفقة النووية) بدون استراتيجية وسياسة أفضل تمنع ظهور القنبلة النووية الإيرانية أو سياسة أوسع لمكافحة السلوك الإيراني الخبيث غير النووي هو أمر ليس له معنى على الاطلاق.
في أوائل الثمانينيات كلف الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ريغان مجلس الأمن القومي وضع استراتيجية للتعامل مع الاتحاد السوفييتي باستخدام أدوات سرية وعلنية في المجالات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والاستخبارية وتحديد الأسلحة والساحات العسكرية إضافة إلى حقوق الإنسان، وهي استراتيجية نجحت في جزء منها لأنها وضعت بخبرة وابداع وتسلسل مدروس وتم تنفيذها بطريقة منسقة ومنضبطة من قبل العديد من المسؤولين في السلطة التنفيذية والتشريعية. ولكي تكون السياسة الأمريكية تجاه إيران ناجحة فان عليها ان تكون ذكية بهذه الطريقة، وفقا للعديد من المحللين الأمريكيين بهدف نهائي هو ضمان ان لا يكون لإيران أي مسار لسلاح نووي بعد انتهاء القيود المفروضة على خطة العمل المشتركة.
إدراك هذه الرؤية سيعبد لنا الطريق لفهم الأحداث المتتالية في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بما في ذلك تداعيات فوز المرشح «المعتدل» روحاني في أول انتخابات رئاسية منذ ان تم عقد الاتفاق النووي في عام 2015 إذ قال وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون « إن الولايات المتحدة تأمل ان يبدأ روحاني في عملية تفكيك شبكة الإرهاب الإيرانية مضيفا في مؤتمر صحافي عقده في السعودية ان أمريكا تأمل في ان يضع روحاني حدا لاختبار الصواريخ البالستية، وأردف «نأمل أيضا ان يعيد حقوق الإيرانيين».
من غير المتوقع ان تتغير السياسة الإيرانية الخارجية تجاه الولايات المتحدة بعد فوز روحاني إذ ان أكبر اختراق فيها هو الاتفاق النووي الذي حققه روحاني في ولايته الأولى. ووفقا للعديد من المحللين فان العلاقات التجارية مع الغرب ستستمر في التحسن، وطهران ما زالت بحاجة إلى الاستثمار، ولكن من غير المرجح ان يكون هناك أي انفراج في وقت قريب، فروحاني برغماتي ولكنه لا يزال يعمل وفق المؤسسة الدينية والسياسية الإيرانية. وبالنسبة للبيت الابيض هناك اتفاق ضمني على استمرار الحديث الفض ضد طهران بما في ذلك الوعيد بمواجهة تهديداتها التوسعية في الشرق الأوسط ولكن مع الحفاظ على الاتفاق النووي.
وانخفض الحماس الأمريكي للمضي قدما في خطة العمل المشتركة مع إيران مع بداية عهد ترامب الذي أطلق الكثير من التصريحات العدائية العالية، وتبادلت واشنطن وطهران خطابات وأعمال استفزازية وانقلب المناخ السياسي التوفيقي الذي تم زرعه خلال عهد أوباما وروحاني ولكن كما قلنا سابقا فانه لا تفكير في واشنطن لإلغاء الاتفاق. وبالنسبة لترامب فإن فوز روحاني لا يعنى الكثير ولكن التيارات السياسية القريبة من ترامب والبيت الأبيض لا تريد لروحاني المعتدل الاستفادة أكثر من الاتفاق النووي، إذ أرست الاتفاقية مكانة إيران الإقليمية والعالمية ونجح روحاني في اقناع العالم بالطابع السلمي للبرنامج الإيراني ناهيك عن التحرير الجزئي للاقتصاد الإيراني الذي كان مثقلا بوطأة العقوبات.