إجراءات كاميرون لمكافحة الإرهاب: نفي داخلي وغارات جوية

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: في بداية الشهر الحالي خاطب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مجلس العموم وقدم أمامه سلسلة من الإجراءات التي ستتخذها حكومته وتهدف لمواجهة تهديد الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»  وتعطي بالضرورة سلطات موسعة للأجهزة الأمنية لمنع من يفكر بالسفر للعراق وسوريا والإنضمام للجماعات الجهادية التي باتت تتسيد الساحة القتالية هناك. وجاءت الإجراءات بعد قرار الحكومة الجمعة الماضية رفع حالة التأهب الأمني إلى «خطيرة جدا». وفي حيثيات القرار محاولة من الحكومة ربط ما يجري في العراق وسوريا ببريطانيا وجعله مسألة متعلقة بالأمن القومي، خاصة أن هناك 500 من الجهاديين البريطانيين، وهناك ما صار يعرف بالجهادي «جون» الذي ظهر في فيلم قتل الصحافي الأمريكي جيمس فولي، وقبل أيام الصحافي ستيفن سوتلوف، وهو ما زاد من الضغوط على بريطانيا للتحرك بعد أن هدد داعش بقتل رهينة بريطانية.
ووضعت هذه التطورات كاميرون في مقدمة الداعين للتصدي للتنظيم الجهادي هذا، وألمح في تصريحاته الأخيرة قبل إنعقاد قمة دول الناتو في نيوبورت- ويلز إلى إمكانية مشاركة بريطانيا في الغارات الجوية على قواعد داعش في شمال العراق. وكتب مقالة مشتركة مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما أكدا فيها وبلغة حاسمة أن بلادهما لن تذعن أمام تهديدات داعش وربطا فيها بين إزدهار الغرب وإزدهار العالم، فسلامة الغربيين تظل رهنا بالتطورات العالمية و»التطورات الجارية في كل من سوريا والعراق  تهدد أمننا». وحاولا في المقالة استعادة لغة من الحرب الباردة وتفعيل دور الناتو لكي يقود الشبكة الأمنية العالمية وتشكيل قوات نشر سريعة (برية وجوية وبحرية) تكون جاهزة  للتدخل في مناطق ساخنة مثل اوكرانيا والشرق الأوسط. واعترف كاميرون وأوباما أن الإرهاب يجد تربة خصبة في المناطق التي تشهد إضطرابا وقدرا كبيرا من عدم الإستقرار ولهذا قالا «علينا الإستثمار في بناء كتل حرة ومجتمعات مفتوحة، بما في ذلك تشكيل حكومة تشارك وطني في العراق، توحد جميع العراقيين وتضم السنة والشيعة والأكراد والمسيحيين وغيرهم من أبناء الأقليات.  ودعم الشركاء الذين يواجهون داعش مثل الأكراد والقوات الأمنية العراقية».
وتمثل المقالة هذه مثل مقالة كاميرون قبل اسبوعين في «دايلي تلغراف» محاولة لشرح موقف الحكومات في واشنطن ولندن حول سياستهما  تجاه العراق. وإقناع رأي عام قلق متردد من التورط في حرب جديدة. ويواجه كاميرون عقبات كثيرة في مجلس العموم الذي صوت العام الماضي ضد المشاركة في عملية عسكرية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ومن الرأي العام المحلي الذي تشير الإستطلاعات أنه غير متحمس لدعم غارات جوية على العراق هذا علاوة على المشاركة في حرب برية. فبحسب استطلاع أجراه معهد «كوم ريس» أظهر أن غالبية البريطانيين (50٪)  تعارض المشاركة في غارات جوية مقابل (35٪)  توافق والبقية محتارة. وترفض الغالبية (69٪) إرسال قوات بريطانية للعراق، فيما دعمت (20٪). ومن هنا بدت في تصريحات كاميرون الأخيرة وذات النبرة الصقورية إنه ليس بحاجة لمبرر قانوني للمشاركة في الغارات على سوريا وطالما تلقى دعوة من الحكومة العراقية.
ولنضع كل هذا في السياق وما أعلنت عن حكومة كاميرون من إجراءات  جديدة من أجل «هزيمة الإرهاب في منبعه الأول» أي قبل أن يتحول الشاب لمشروع جهادي. وضمت هذه الإجراءات منح السلطات الأمنية السلطة لسحب جوازات أفراد على الحدود والتحقيق معهم، وإجبار شركات الطيران على الكشف عن أسماء المسافرين في رحلاتها للمساعدة في تحديد هوية المقاتلين الإسلاميين قبل سفرهم. وتم الحديث عن منح وزارة الداخلية السلطة ضمن ما يعرف «اجراءات منع الإرهاب والتحقيق» لنقل وترحيل المشتبه بهم من أماكن سكناهم إلى مناطق أخرى في بريطانيا فيما وصفته المعارضة البرلمانية بأنه «نفي داخلي».
 ومن ضمن التشريعات أيضا منع البريطانيين المقاتلين في سوريا والعراق من العودة لبلادهم إن أرادوا العودة، وهو اقتراح لم يلق دعما من شريك حزب المحافظين في السلطة، أي حزب الليبراليين الأحرار حيث رفض مسؤولون فيه فكرة تجريد مواطن من جنسيته التي هي حقه الطبيعي ولأن أي اجراء من هذا القبيل سيكون بمثابة خرق للقانون الدولي حتى لو كان لفترة مؤقتة كما تقترح الحكومة. وعلى العموم أكدت حكومة كاميرون أن أي تشريع سيتخذ خاصة الأخير لن يتم إلا بموافقة الأحزاب في البرلمان، كما وعبرت عن استعدادها لمواجهة محاولات التقليل من السلطات الممنوحة للأمن في المحكمة. ويمكن للحكومة سحب جوازات من يحملون جنسيات مزدوجة وقد فعلت منذ العام الماضي ولكنها لا تستطيع سحب جنسيات البريطانيين الأصليين ممن يمثلون خطرا على أمن البلاد. وتدعو الحكومة أيضا لبرنامج منع انتشار التشدد بين الشبان وإعادة تأهيل من كانوا عرضة للتحقيق الأمني. وكان عمدة لندن بوريس جونسون قد طرح فكرة اعتبار من يسافر إلى سوريا والعراق «إرهابيا» حالة  لم يخبر السلطات عن خططه، وهي فكرة لم تحظ بدعم الرأي العام في استطلاع «كوم ريس».
وقرنت لهجة الحكومة المتشددة في الداخل  بحديث عن عملية سياسية في العراق وهو الموقف الأمريكي أصلا والذي يرى ضرورة تشكيل حكومة تشارك وطني، وهناك أيضا طموح لإنشاء تحالف دولي على غرار ما فعل جورج بوش الأب عندما جند دول العالم لإخراج صدام حسين من الكويت.
في الوقت نفسه بدأ مسؤولون في حزب المحافظين جس نبض بقية النواب حول موقفهم من غارة جوية محتملة على العراق، فيما أعرب حزب العمال والليبراليين الأحرار عن استعدادهما لمناقشة الفكرة والموافقة عليها إذا تمت ضمن تحالف دولي تلعب فيه دول الإقليم دورا بارزا. كل هذا والرئيس الأمريكي لم يطلب رسميا من بريطانيا أو أي من حلفائه المشاركة في الغارات الجوية.
  ورغم اللهجة الحاسمة التي بدت في كلام  ديفيد كاميرون إلا أن مسؤولين في حزب الليبراليين الأحرار حذروا من أنهم لن يسارعوا لدعم القوانين الجديدة ولن يسمحوا للمحافظين  بتحميلهم فشل تمريرها. وأكدوا ان كاميرون حمل نفسه ما لا يطيق عندما تحدث بشكل عام عنها يوم الجمعة الماضية بدون التفكير في الجانب العملي. وأكد مسؤولون في الحزب أن المشكلة ليست في المعارضة ولكن في الشكوك التي أبداها مستشارو الحكومة القانونيين. ويجد الليبراليون صعوبة في هضم منع الجهاديين من العودة لأنها حسب المتحدث باسم الحزب قضية معقدة وتحتاج لدراسة بشكل عميق. وتظل المطالب التي قدمها كاميرون عامة ولم تقدم الحكومة حتى الآن توضيحات حول كيفية تطبيقها ولا جدولا زمنيا. وكان مينزي كامبل أحد قادة حزب الليبرلبيين الأحرار قد تحدث لراديو «بي بي سي 4» أن جعل شخص بدون وطن غير قانوني.
لم يطرح في غمرة الحماسة لمواجهة داعش أي حديث عن أثر التشريعات على الحريات العامة، فقد لاحظت المعلقة في صحيفة «إندبندنت» ياسمين البهائي- براون، ان الحكومة البريطانية – عمالية ومحافظة-  أصدرت  10 تشريعات في إطار ما يعرف بالحرب على الإرهاب، في وقت لم يتم توسيع سلطات الأمن أثناء حرب الجيش الأيرلندي الحر على المدن البريطانية في السبعينيات من القرن الماضي إلا مرتين. وترى أن الحكومات تستخدم الذعر والخوف – والذي يشارك في صناعته الإعلام – من أجل تقييد الحريات وتعزيز الرقابة وتوسيع سلطات المسؤولين. في وقت لا يزال المتهمون من المسلمين في قضايا إرهاب قابعين  في السجون بدون توجيه تهم أو محاكمات.
والغريب أن المسلمين في ظل ما يجري يدعون لمعاقبة الجهاديين، وهناك عائلات  خرجت أمام الإعلام لتتبرأ من أبنائها الذين سافروا إلى سوريا. وكما أشارت البهائي- براون فهم لا يفكرون بالحقوق والحريات وحقوق الإنسان. فالقيادات السياسية للأقلية تخرج للشجب والنواب القلة في البرلمان يتهمون قادة الأقلية بالفشل، وجنود مسلمون سابقون يضيفون صوتهم للجوقة الشاجبة، ثم يأتي دور الأئمة ويصدرون فتوى تحرم  السفر إلى سوريا والقتال في صفوف داعش.
 والغائب عن هذا النقاش وإجراءات كاميرون هو فهم الطبيعة المعقدة للسفر إلى سوريا، فهي كما اظهر تقرير مطول في مجلة «إيكونوميست» الأسبوع الماضي متعددة الوجوه، وقد تكون خروجا من ملل المدن والأعمال الرتيبة التي يعيشها هؤلاء الشباب، كما أنها ليست «جهاد خمسة نجوم» وأحيانا ما يكتشف عدد منهم خطأ قراره ويرغب في العودة لبلاده، وهو ما كشف عنه المركز الدولي لدراسات التطرف والعنف السياسي التابع لجامعة لندن (كنجز كوليج) من خلال مواقع التواصل الإجتماعي حيث اتصل أحد الجهاديين به وطلب العفو وقال إن مجموعته تخشى من أحكام سجن طويلة وقال إنهم مستعدون للدخول في برامج تأهيل للخروج من حالة التطرف وأن يخضعوا للمراقبة. وقال الرجل البريطاني للباحثين في المركز: «جئنا هنا لنحارب النظام ولكن بدلا من ذلك تورطنا في حرب عصابات. ليس هذا ما جئنا من أجله ولكن إذا عدنا فسوف نودع في السجون .. الآن نحن مجبرون على القتال – فما هي خياراتنا؟».  وفي ضوء الإجراءات الجديدة  لا خيار فقد أغلق الباب أمام من يريد العودة على ما يبدو.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية