تداول الفيسبوكيون في الأيّام الأخيرة صورة للأديب الجزائري واسيني الأعرج يرتدي فيها أثواب الإحرام، وجاء عرض الصّورة في إطار استنكار تلك الهيئة على مناضل يساري قديم، واعتُبر ذلك منه ارتدادا على المبادئ الشّيوعية، وقبل هذه الحادثة، كانت الصّحافة قد أسقطت بقعة ضوئها على رأي أحد النقاد في أحد نصوص واسيني، الذي ورد في معرض حديث شامل عن الرّواية والتاريخ، وصدرت على إثرها مانشيتات عريضة ومثيرة تتناول ذلك الموضوع، ما جعل الناقد يخرج عن صمته، ليبيّن أنّ الحالة النقدية ما زالت رهينة الحسابات الشّخصية، بمعنى أنّ نقد النص يعتبر بالضّرورة لدى البعض نقدا للشّخص.
هل يمكن أن نعتبر واسيني أو غيره خارج الحالة الإنسانية التي تخضع لقراءات مستمرّة لذاتها، ومراجعة نقاط ارتكازها على الأرض، التي تحمل كيانها الفكري والأدبي والسياسي، فمهما كان تعلق الذّات بمرجعيات مختلفة تنبثق وفقا للمسار التّكويني والعلمي والثقافي لها، فإنّها تكون دائمة الارتباط بمرجعيةٍ أساس نشأت في غمارها وتشبّعت بمبادئها ونهلت من تراثها، وهو ما يجعل القلق الفكري ذا معنى ومفهوما، لأنّ الأفكار الكبرى في التاريخ لا تنمو إلا داخل أطرها المرجعية، وإلا كانت فاقدة للهوية ذات السّمة الغالبة داخل التشكل الهوياتي الجديد، الذي يتأسّس في خضم حركة الذات ووعيها بالمحيط الخاص والعام، أو ما نطلق عليه كونية الذات، هذه الكونية التي لا تعني الذّوبان النّهائي داخل الهويات المقبلة والمناهضة للهوية الأساس، وإلا فقد معنى «التّجربة» أي أساس وجودي له، لأنّ منطق الاحتماء والانكفاء على الذات، يعتبر أيضا قانونا ذاتيا يشتغل عفويا من خلال قراءة الذّات لذاتها طبقا لمنظورات المرجعيات المؤسّسة، خصوصا في راهن العولمة التي تتغوّل يوما بعد يوم ملتهمة خصوصيات المجتمعات التي تسعى لكي تكون ذاتها وفقط، وهو ما تنبّه إليه ريجيس دوبريه، المثقّف الفرنسي اليساري الذي اشتهر بكتابه «نقد العقل السياسي»، والذي هاجر إلى أمريكا اللاتينية وانخرط في صفوف الثورة إلى جانب كاسترو وتشي غيفارا، فهو يقول بعد تجربة نضالية يسارية: «وأمريكا اللاتينية التي أتحدث عنها، هي في العمق المكان الذي اكتشفت فيه أسلوباً آخر للعيش اليومي، معنى ما للاحتفال، والهجنة والانفعالية المفرطة والسخاء الذي لا يوصف»، فهذه الخصوصية لم يهملها اليساري دوبريه، وهو يقرأ حركة التاريخ الذي يندفع نحو الأمام بفعل المادة، إلى درجة أنّ دوبريه ذاته يتنصل من ماركسيته بعد أن خبر التاريخ وحركة المجتمعات، فهو يقول عن نفسه: «أحفظ من الماركسية نزعتها العقلانية، فأنا عقلاني حتى في مقاربتي للظاهرة الدينية، أما سوى ذلك فقد تخليت عن الماركسية منذ عام 1968».
إن الحركة في التاريخ تفرض على الذّاكرة المستوعبة لهوية الذّات أن تمارس نضاليتها داخل الفعل الثّقافي الذي يحرّك دواليب تفكيرها ورؤيتها للعالم والإنسان والتاريخ، ووفق هذا المنطق فواسيني الأعرج ما هو سوى إنسان يخضع لحركة التصوّرات التي تنمو داخل المخيّلة النّشيطة المتفاعلة مع واقعها ومع مفردات شخصيتها الأصيلة، والتي مهما حاول الإنسان المداراة عليها، فهو يعود إليها محمّلا بعبء الهويات المهاجمة، لكي يرى صورته التي كانها، ولا يمكن إلا أن يكونها داخل معترك الهويات المتصارعة أو القاتلة بتعبير أمين معلوف، الذي يقول في كتابه «الهويات القاتلة»: «يحدث لي أحيانا أن أقوم بما أدعوه امتحان هويتي ، كما يمتحن الآخرون ضميرهم.. وليست غايتي أن أجد في قرارة نفسي انتماءً أساسيا يمكن لي أن أتماهى معه.. بل أعتمد الطريقة العكسية، فأنبش في ذاكرتي باحثاً عن أكبر عدد من عناصر هويتي وأقوم بجمعها ورصفها ولا أتنكر لأحدها».
أن نفكر داخل النّسق معناه أنّنا نخضع لهوية البنية الآيلة إلى التخشب ومن ثمّة التكسر، لأن النّسق بطبيعته ثابت وواحدي الرّؤية. مسار الفكر متعدّد وحامل لعناصر الحوار، ومن هنا تنبع أهمية حوار صورة واسيني القائمة في بعض الرّؤية على كينونة تبديلية، لأنّ هذه الرّؤية تخضع لنسق الثابت الماركسي، بينما الصورة في إطارها الحياتي تمثل الاستمرارية في مجرى الزّمن الكائن على ضفاف البحث عن الهوية الغالبة ورسم الذات داخل أطر المرجعية الأساس، ولعلّ رجاء غارودي، المنظّر الأكبر للماركسية الذي أعلن تحوّليته داخل الإطار الفكري الذي يشتغل ضمن عناصره، يمثّل بالنّسبة لفكرة المراجعة والحركة داخل التاريخ معلم من معالم الذّات الباحثة عن أناها الجوهرية، فأن تكسّر نمط النّسق وتفكر في إطار الفكرة الوجودية الكامنة وراء جدار الواحدية والمعلقة على سقف الوجدان، معناه أنّ الذّات تؤسّس لرمزية وجودها داخل حلم الجري الدائم خلف الحقيقة، ولهذا نجد محمد عمارة الذي بدأ مشوار حياته ماركسيا يشتغل على التراث، ينتهي مفكرا إسلاميا لا يقف عند ما تقف عنده بعض النّخب الإسلامية التي تحاول تغليب العقل على وجاهة النص، بل أجد في انتصاره للمعتزلة ورفاعة الطهطاوي، ما يمثل الوجه الأخلص لإعادة الاعتبار لوجاهة العقلانية المكتملة برصانة النص، حيث يتواصلان عند أداتية المصلحة، وعند هذا المفصل راح عمّار أوزغان الحالم الثوري الجزائري يراجع مُدخلات اليسار الأيديولوجية ويعيد ربطها ببيئتها العربية الإسلامية في الجزائر، ويبدو ذلك من خلال مؤلَّفه «الجهاد الأفضل».
لا أحاول أسلمة المنحى الفكري والأيديولوجي لواسيني، فهو أديب وروائي كبير، وله وزنه الثّقافي والفكري، ولا أحاول الانتصار له، لأنّني لا أجيد ذلك، كل ما أحاوله، هو تتبّع مسار الأفكار وطبيعة استمراريتها داخل حركة التاريخ، ذلك أنّ الخروج عن النّسق هو من سمة نسق الإنسان، هذا النّسق الفريد الذي يبحث عبر كينونته عن نهر الرّوح الذي يمسك بمسار الوصل بين عقله ووجدانه، وبالتالي فإحرام واسيني يمثل الصّورة المستمرّة للذّات داخل هويتها الغائبة، تلك الهوية التي لا تنتصر سوى في مجال حركة الذّات داخل مجرى وحدات الزّمن المنفصلة في عدم تواصلها مع الوعي النّاهض بالكينونة كجوهر، والمتصلة في انفصالها عن النّسق الثابت.
إنّ الماركسية ليست رؤية للعالم بقدر ما هي فلسفة لترتيب حركة مجتمع داخل أطوار التحوّل التاريخية، التي تنتهي عند المشاع التاريخي، إنّها أداة أيديولوجية لمحاولة تمكين حالة ما تنفرد بسمات معينة داخل المجرى اللانهائي للتاريخ، وبالتالي فهي وجه من أوجه الحركة الفكرية التي يلتزم بمبادئها الإنسان المتحرّك في التاريخ، وهذا لا يعني نهائية المقصد الأيديولوجي، لأنّ المبدأ سابق الفكرة، والفكرة تحقق معالم المبدأ، ولهذا كان العقل أعدل الأشياء توزّعا بين الناس، كما يقول ديكارت في كتابه «مقالة في المنهج»، وما سُمّي عقلا إلا لأنّه يعقل، أي يربط، وأي عقل لا يربط بين الكينونة وهويتها الأصيلة لا يتأسّس كحالة تمحّص المعرفي لتصله بالوجداني والرّوحي، «فأبرز ما في الإنسان هو أنّه مغامرة عقلية وارتحال بين الخلائق والعوالم» كما كان يرى الشّيرازي معاصر ديكارت.
كاتب جزائري
عبد الحفيظ بن جلولي