بعد جمعتين عاصفتين في منطقة الجدار الحدودي بين إسرائيل وقطاع غزة، في أعقاب «أحداث العودة» التي تقودها حماس وتتحدى إسرائيل، أعلن الطرفان عن النصر.
تبث حماس إحساساً بالنصر وأعربت عن ارتياح شديد من أنه في نظرها عادت لتقود الكفاح الفلسطيني، وجدت استراتيجية ناجعة لتحدي إسرائيل من دون أن تشعل جولة عسكرية أخرى (على الاقل حتى الان)، وضعت نفسها كالمنظمة المتصدرة للاحتجاج المدني غير المسلح وغير العنيف، أعادت الاهتمام الاقليمي والعالمي بأزمة غزة، صرفت استياء سكان غزة إلى أحداث الجدار، عرضت أبو مازن كغير ذي صلة وقلصت قدرته على تشديد العقوبات على غزة، وكذا أثارت انتقادا في العالم على إسرائيل على الاستخدام غير المتوازن للقوة العسكرية بشكل خاص وعلى «الحصار» على غزة بشكل عام.
من الجهة الاخرى، في الساحة الأمنية والسياسية في إسرائيل ساد أيضا إحساس بالنصر: فقد منع اقتحام للجدار، وتدفق جماهيري فلسطيني إلى اراضي إسرائيل، وهكذا منع تهديد خطير على بلدات إسرائيلية في منطقة «غلاف غزة»، ومنع احتكاك عال بين قوات الجيش ومتظاهرين فلسطينيين، بل وربما قتل جماعي، واستعرض رد ميداني ناجع ورادع لمحاولة تحدي السياسة الإسرائيلية من خلال الإرهاب تحت رعاية «المسيرات الجماهيرية»، وأُحبطت محاولات لزرع عبوات على الجدار وإطلاق النار عبره، لم يقع قتلى إسرائيليون، مدنيون أو جنود، وفي بلدات الغلاف احتفل بالفصح بلا إزعاج.
ومع ذلك، دفع الطرفان أثماناً غير بسيطة: فقد دفعت حماس ثمنا باهظا بالاصابات بالارواح في اوساط المتظاهرين وكذا في صفوف الذراع العسكري. ورغم تهكم ووحشية منظمة الإرهاب، ستثقل عليها هذه الخسائر عندما تعمد إلى الابقاء على حجم «الاحتجاج» والاحتكاك العسكري والمدني على الجدار. من ناحية عملياتية، فشلت حماس مرتين، لم تنجح في خلق عرض لمظاهرية غير عنيفة وكل نشاطات الإرهاب التي حاولت العمل عليها تحت غطاء المظاهرة «البريئة» لم تنجح. اضافة إلى ذلك (ودون محاولة التنبؤ بشأن ما قد يحصل في ساحة الجدار في ايام الجمعة التالية)، بين يومي الجمعة اللذين وقعت فيهما المظاهرة طرأ انخفاض سواء في حجم المشاركين في الاحداث من الطرف الفلسطيني أم في حجم المصابين في اوساطهم كنتيجة لنشاط الجيش الإسرائيلي. هذا الانخفاض كفيل بأن يشهد على أثر الردع من الجانب الإسرائيلي وكذا على التغيير في انماط العمل في الطرفين.
أما إسرائيل فقد دفعت ثمنا، إذ تلقت انتقادا دوليا خطيرا لم يسمع مثله ضدها منذ زمن بعيد. وعادت المسألة الفلسطينية، وان كان مؤقتا، إلى جدول الاعمال الدولي، ولولا وقوف الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، لكانت لجنة تحقيق من الأمم المتحدة في طريقها إلى فحص الاحداث. مرة أخرى تجسد الضعف الاساس والعزلة لإسرائيل في ساحة الأمم المتحدة، ولا سيما في سياق المسألة الفلسطينية. كما سمع انتقاد من الداخل، أساسه الشك في قواعد فتح النار، الاستخدام القانوني والمتوازن للقوة، والوسائل المبررة لوقف المتظاهرين الفلسطينيين الذين تحدوا السيادة الإسرائيلية في محاولتهم للمس بالجدار.
عندما يدور الحديث عن مواجهة هي جد غير متماثلة، فإن الطرفين، اللذين يحاولان تحقيق أهداف متضاربة، يمكنهما بالفعل أن يدعيا النصر لانهما يديران مناورات متوازية: إسرائيل ـ ولا سيما في البعد المادي (الدفاع عن اراضيها السيادية)، وحماس ـ ببعد الوعي والسياسة. وفي عالم الصور، منظومات الوعي المكثفة والاعلام الجماهيري (الذي يتضمن أيضاً الانباء الملفقة) يمكن أن يؤدي إحساس النصر لدى الطرفين في الاسابيع القادمة إلى احتدام المواجهات على طول حدود القطاع، بل ووراء الجدار. إذ ان الطرفين يقفان أمام التحدي الذي ينطوي على استخدام انجازاتهما في الاحتكاك حتى الان لتحقيق غاياتهما بعيدة المدى: بالنسبة لإسرائيل، الاهداف هي استمرار السعي لاضعاف حماس وعزلها، وكذا لتقليص الصلة بينها وبين القطاع. بالنسبة لحماس، الاهداف هي التخفيف من الازمة في قطاع غزة والسعي إلى احتلال القيادة الفلسطينية في اليوم الذي يخلي فيه محمود عباس مكانه كرئيس للسلطة الفلسطينية، لأنه بالتعريف، ليست إسرائيل هي التي بادرت إلى الاحداث في ساحة الجدار، فإن الكرة توجد في يد حماس، التي تحاول اقتحام الحدود، بكل معنى الكلمة، حين يكون الميزان في نظرها إيجابياً، وهي لن تفاجىء إذا ما دفعت نحو استمرار المظاهرات وتطوير أنماط الاحتكاك واستخدامها كرافعة لتحقيق انجازات في الوعي وفي السياسة.
ما الذي ينبغي لإسرائيل أن تفعله؟ هاكم سبعة مبادىء لتحسين التصدي لحماس ولاحداث الجدار.
أولاً: ينبغي تأطير الوضع كما هو. على إسرائيل أن تشدد وتعود لتشدد على حقيقة أنها الطرف الشرعي في المواجهة، فهي تحمي حدودا دولية معترف بها ـ حدود 1967/الخط الاخضر ـ التي انتشرت عليها بعد انسحابها من كل سنتمتر في قطاع غزة وتفكيكها كل المستوطنات التي كانت في المنطقة. أما رفع علم مسيرة «العودة» إلى داخل حدود إسرائيل، بينما يعلو العلم صليب معكوف يرفع بين أعلام فلسطين التي في أيدي المتظاهرين، يفترض أن يساعد إسرائيل على التشديد بأن الهدف السياسي لحماس هو تصفية إسرائيل في كل حدود. طريقتها هذه المرة هي اجتياح شعب واسع إلى اراضي إسرائيل تحت غطاء «مظاهرية جماهيرية غير مسلحة»، في سلاحها الطليعي رجال الذراع العسكري لحماس، أي مخربين.
ثانياً: على إسرائيل أن توضح ما هي قانونية وتوازن الاستخدام الذي تقوم به للنار الحية. يجب التشديد على أن التوازن يقاس مقابل إنجاز المهمة والضرر الذي تأتي لمنعه ـ حماسة حدود الدولة وسيادتها ومنع الإرهاب ردا على الهجمة المتداخلية التي تنفذها حماس ـ اقتحام جماهير فلسطينية وفيها مخربون إلى داخل اراضي إسرائيل وبلداتها. وبالتوازي، على إسرائيل أن تجري تحقيقا مهنيا وحثيثا لعموم الاحداث، بما فيها تلك التي يبدو انها لا تنسجم مع تعليمات فتح النار. بعض من التفسيرات ستشير على ما يبدو إلى الصعوبة النابعه عن اكتظاظ المتظاهرين، دينامية المظاهرة، انخراط المخربين بين المدنيين وتشويش مقصود بين نشطاء الإرهاب والمتظاهرين المدنيين، إلى جانب قيود الرؤية التي خلقها الفلسطينيون بواسطة إشعال إطارات السيارات. قسم آخر يمكن أن ينتج دروسا لتحسين أنماط استخدام القوة وتكييفها مع التحدي العملياتي الناشىء، في ظل تقليص الاثمان بحياة الناس والانجازات التي تستخلصها منها حماس. يمكن ان تحدث أيضاً حالات تبرر معالجة قيادية لحالات خلل عملياتية أو شذوذات بارزة عن تعليمات فتح النار.
ثالثاً: الجيش الإسرائيلي ملزم بأن يوسع وأن يحسن إنجازاته في توثيق أعماله في ضوء المحاولات لتنفيذ عمليات إرهاب، إطلاق نار، زرع عبوات، تخريب الجدار وتعريض حياة الجنود للخطر. قليل جدا في هذا السياق عرض على الجمهور والرأي العام الدولي. شريط إجمالي ومحرر جيدا وبمصداقية لاعلام ذي صلة على نحو خاص: الصورة تساوي ألف كلمة، والشريط يساوي ألف صورة.
رابعاً: من المهم اطلاع الدول العربية التي تقيم علاقات طيبة مع إسرائيل ـ مصر، الاردن والسعودية ـ عن الحقائق التي توازن الرسائل التي تنقل في الاعلام العربي المؤيد لحماس. على إسرائيل أن تحاول إثارة ضغط لاجم على حماس، من جانب العالم العربي السنّي البراغماتي لحملها على عدم مواصلة قيادة المظاهرات العنيفة ومحاولات اقتحام الجدار.
خامساً: بين إسرائيل وحماس تجري منافسة تعلم. فالمواجهة التي وقعت في الاسبوع الاول لم تشبه تلك التي وقعت في الجولة الثانية، وذلك من ناحية سلوك الطرفين. على أساس تحليل أحداث يوم الجمعة الثاني، بانجازاته وأثمانه، يجب تحسين الانتشار استعداداً للجولة الثانية، بما في ذلك وسائل القتال وشكل تفعيل القوة. كما أنه حيوي جمع المعلومات التي توضح نوايا حماس وطرق العمل المختلفة والجديدة التي تخطط لها ليوم الجمعة التالي وكذا للموعد المخطط أن يكون ذروة المظاهرة على طول الجدار ـ 15 أيار/مايو.
سادساً: على إسرائيل أن تستعد لتوسيع المواجهة ونقلها إلى مسارات أعنف، حتى درجة جولة مواجهة أخرى في غزة (استمرارا للرصاص المصبوب، عمود السحاب والجرف الصامد). والاستعداد لـ «حرب الاسبوع السابق» والتركيز على الجدار فقط يمكنه أن يثبط اليقظة والجاهزية لمواجهة من نوع آخر تماما، يتميز بالمفاجأة العملياتية التي تعدها حماس. إضافة إلى ذلك من المهم الاستعداد لامكانية ان تنتشر الاضطرابات، التي لم تنتقل إلى الضفة حتى الان، إلى المنطقة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، بل وإلى داخل إسرائيل.
وأخيراً، بينما تركز على التحدي الفوري للمظاهرات الجماهيرية على الجدار الحدودي بينها وبين قطاع غزة، على إسرائيل أن تواصل الانشغال بالمسألة الاساسية التي توجد أمامها في هذا السياق: الضائقة المتزايدة في غزة وانهيار البنى التحتية في المنطقة ستجعل من الصعب على إسرائيل مواصلة إدارة الوضع بالكلفة السياسية، العسكرية والاقتصادية المتدنية نسبيا. بعد منتصف أيار/مايو سيأتي شهر رمضان وصيف حار آخر. والنجاحات المؤقتة في احتواء التحدي الذي تعرضه حماس وضائقة غزة لن تحيد القنبلة الموقوتة الاجتماعية ـ الاقتصادية في القطاع.
نظرة عليا 11/4/2018