إخراج فرنسي جديد لمسرحية إدوارد ألبي «من يخاف فرجينيا وولف؟»: كشف الغطاء عن أوهام «الحلم الأمريكي»

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: هل تنجح الممثلة الفرنسية دومينيك فالادييه (صاحبة الأدوار المتميزة في «مدرسة النساء»، «هيدا غابلر»، على المسرح) في إبعاد شبح إليزابيث تايلور عن شخصية مارثا، بطلة عمل إدوارد إلبي الشهير «مَن يخاف فرجينيا وولف؟»؛ على خشبة المسرح، المهد الطبيعي للمسرحية، وليس على شاشة السينما، في الفيلم الذي لا يقل شهرة، الذي أخرجه مايك نيكولز سنة 1967؟ سؤال لعله راود معظم مشاهدي المسرحية التي أخرجها مؤخراً ألان فرانسون، وتُعرض على «تياتر دولوفر» في باريس، باشتراك الممثلين الذين لعبوا أدوار شخصيات الثلاث المكمّلة: فلاديمير يوردانوف، جوليا فور، وبيير ـ فرنسوا غاريل.
تدور أحداث المسرحية في مباني جامعة صغيرة، في منطقة «نيو إنغلاند»، في أمريكا، وتُفتتح بعودة جورج وزوجته مارثا إلى بيتهما بعد حفلة في بيت والد الأخيرة، وهو عميد الكلية أيضاً. ويتضح سريعاً أنّ الزواج هذا بدأ نفعياً من جانب جورج، للتقرب من العميد، وبالتالي نهض على نفور ضمني متبادل من الطرفين، وتحول بيت الزوجية إلى ساحة شجار دائم، بين زوجين انقلبا فعلياً إلى عدوين. ورغم أنهما عادا وقد تجاوزت الساعة الثانية صباحاً، فإنّ مارثا كانت قد وجهت دعوة إلى نك، البروفيسور الشاب في قسم البيولوجيا، وزوجته هوني، لاحتساء كأس أخيرة بعد انتهاء الحفلة. امتعاض جورج يبدأ من هذه الواقعة، فتتحول الساعات المتبقية، حتى مطلع الصباح، إلى معركة غمز ولمز، ثمّ إهانات وشتائم، وصولاً إلى الكشف المتبادل لفضائح كبرى كانت تغطي سطح هذه الحياة الزوجية الخادعة. ويصبح الضيفان بمثابة جمهور شاهد على قسوة البغضاء بين جورج ومارثا، وتخيّم على الأجواء شخصية الروائية البريطانية الشهيرة فرجينيا وولف، التي ماتت منتحرة، وصارت رمز الموت والتفكك والاهتراء، ليس في هذا البيت الزوجي وحده، بل على نطاق أكذوبة أكبر كانت تخفي عفونة الحياة الأمريكية خلال ستينيات القرن الماضي.
يقول فرانسون إنّ فكرة إخراج «من يخاف فرجينيا وولف» لم تبدأ من عنده شخصياً، بل عرضتها عليه الممثلة فلادييه، بعد أن باحت له بأنها، وزميلها يوردانوف، يفكران في تقديم العمل على خشبة فرنسية. ويقرّ بأنه تردد للوهلة الأولى، إذْ اعتبر أنه ليس الشخص المؤهل لإخراج هذا العمل الصعب، لكنه أعاد قراءة العمل، فاكتشف فيه عناصر كانت خافية عليه في القراءة الأولى المبكرة. كما انتبه إلى القوة التعبيرية الهائلة في لغة ألبي (والترجمة إلى الفرنسية أنجزها دانييل لوايزا)، خاصة مقدار تأثرها بلغة صمويل بيكيت وأسلوبيته، من حيث تحويل القاموس إلى أدوات صراع نصّي بين الشخصيات. وعلى نقيض من الإقرار العام الشائع، يتابع فرانسون، فإنّ الروح هنا ليست حبيسة الجسد، بل الجسد هو الذي تحبسه الروح؛ ولهذا فإنّ العرض ليس طبيعياً أبداً، بل هو ينشيء فضاء تجريدياً داخل مقادير ضئيلة من نقاط الواقع.
وفي الأصل كان ألبي قد قسّم مسرحيته إلى ثلاثة فصول، عنوان الأول هو «اللهو والألعاب»، حيث تتبارى مارثا مع جورج في ابتكار أفضل أساليب الجرح والانتهاك والإهانة؛ وأما الفصل الثاني فهو يتحدث عن «حفلة الساحرات»، التي تشهد انقلاب ألعاب القدح والشتائم إلى نزال مقذع وقذر وشرير، ينال الضيفان نصيبهما منه أيضاً، حين يسعى المضيفان إلى جرّهما نحو منطقة هتك الأسرار الشخصية. الفصل الثالث، بعنوان «التعويذ»، تتكشف أسرار الجميع، ويتوجب أن تُطرد الأرواح الشريرة وتتطهر النفوس، فيغادر الضيفان تاركين المضيفين في مسعى لإعادة بناء ما تهدّم، أو بدأ متهدماً أصلاً. المخرج فرانسون يتنبه، بعمق، إلى هذا التركيب الدرامي، الذي يمثّل أيضاً نظرة تشريحية في دواخل النفس البشرية عموماً، الذكر مثل الأنثى، وليس على نطاق المجتمع الأمريكي وحده.
جدير بالتنويه أنّ «من يخاف فرجينيا وولف» عُرضت للمرة الأولى في نيويورك سنة 1962، ضمن مناخات تركيز اليمين الأمريكي المحافظ، وخاصة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، على مفهوم «العائلة السعيدة» بوصفه أحد أكبر ركائز «الحلم الأمريكي». ولقد أتت المسرحية لتكشف زيف هذا الإدعاء، فتُظهر نموذجاً كاذباً عن عائلة أمريكية صغيرة، مثقفة، مرفهة، أكاديمية، وتمثّل القشرة العليا من الطبقة المتوسطة. وفي الواقع كان ألبي يتابع ما بدأه، في مسرحيته الأولى «قصة حديقة الحيوان»، من حسّ طليعي شديد النقد للمظاهر الخادعة في المجتمع الأمريكي، وكان جزءاً من حركة أدبية وفنّية وثقافية عريضة حاولت تقديم حقائق الحياة اليومية في مختلف مستوياتها، دون تزييف أو أسطرة أو تجميل. وكانت قصدية ألبي واضحة في تشديده على فكرة الصورتَين الخاصة والعامة عن الزواج، ومقدار التزييف المتعمد في ترويجهما على النطاق الشعبي، وخطورة أن ينقلب هذا الترويج إلى إقرار شبه مطلق حول قدسية مفهوم العائلة. والإشكالية الأخرى، وراء ذلك، هي أن الناس لا يكتفون برسم الصور عن أنفسهم، ثمّ تزييفها أمام أصدقائهم ومحيطهم ومجتمعهم فقط، بل يخلقون أيضاً سلسلة أوهام حول مفهوم الزوج، ومفهوم الزوجة، ومفهوم الطفل، وما إلى ذلك.
وبالفعل، لقد نجح فرانسون في استخراج أفضل ما احتواه عمل ألبي من عناصر درامية ونفسية، حول شقوق المجتمع الأمريكي عموماً، وحال الصراع بين سلطتَيْ الخطاب النسوي والخطاب الذكوري خصوصاً؛ كما أحسن توظيف أدوار الضيفين، نك وهوني، في استكمال محاور الصراع بين الشخصيتين الرئيسيتين، من جهة، ومدلولات موقف المتفرج/ شاهد الزور إزاء الصراع، من جهة ثانية. وفي هذه الدائرة الطاحنة، حيث تمتزج البرودة الإنسانية بالهستيريا الشعورية، تنجح فالادييه كثيراً في إبعاد شبح تايلور، وبالتالي دفع مشاهد المسرحية إلى نسيان الفيلم مؤقتاً، والغرق في ظلام ممتع من نوع آخر، أمام خشبة المسرح. ليس دون رشق الكثير من مظاهر الزيف في المجتمع الفرنسي ذاته، في نهاية المطاف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية