إدارة الانتشار الإيراني في الشرق الأوسط… اليمن وتكريت جبهتان لحرب واحدة

حجم الخط
0

صدمة التحالف الخليجي ـ الإقليمي : شكلت العمليات العسكرية التي قام بها التحالف الإقليمي الخليجي على اليمن بالتعاون مع بعض القوى غير العربية صدمة كبيرة لإيران، لاسيما أنها موجهة ضد حليفها التقليدي هناك عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة الحوثية ذات الانتماء الشيعي. وقد تم إعلان هذا التحالف بشكل سريع للغاية في فجر يوم 26/3/2015 .
من اللافت للنظر انه لم تكن هناك أي نوايا معلنة للتدخل العسكري في اليمن من قبل السعودية والدول المتحالفة معها، قبل بدأ العمليات (لمجلس التعاون الخليجي عدا عمان + مصر والمغرب والسودان والأردن وباكستان مع وجود دعم لوجستي مخابراتي معلوماتي أمريكي وتأييد تركي معلن) . تهدف هذه العمليات الى تحجيم النفوذ الحوثي المتنامي والمتمدد في الأشهر الأخيرة الماضية، بعد ان سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء والقصور الرئاسية والمطارات العسكرية والمدنية والقواعد العسكرية، واتجهوا للزحف الى عدن لفرض سيطرتهم عليها وإسقاط الرئيس المنتخب عبد ربه منصور، المدعوم من قبل الولايات المتحدة والخليج. وتأتي أهمية التدخل الاستراتيجي الخليجي – الإقليمي في اليمن من بوابة عدم السماح للمد الإيراني بالسيطرة على مضيق باب المندب، والتحكم بالملاحة في بحر العرب والبحر الأحمر، الأمر الذي يعطل الكثير من المصالح الإقليمية العربية ويجعلها تحت السيطرة الإيرانية.

الأبعاد الجيواستراتيجية الإقليمية للتدخل الخليجي في اليمن

ترتبط الأبعاد الجيواستراتيجية الإقليمية للتدخل الخليجي بقضايا إقليمية معقدة للغاية، أهمها ملف المفاوضات الأمريكية – الإيرانية، في ما يخص الملف النووي، بالإضافة إلى ارتباط هذا الموضوع بقضايا تتعلق بالعراق وسوريا وحجم النفوذ الإيراني على القرار الاستراتيجي وتحقيق الانفراج في جبهة تكريت. ويمكن توضيح هذا المتغيرات والتقلب الكبير الذي حدث في الشرق الأوسط خلال ساعات معدودة وربط المتغيرات مع بعضها من خلال معادلة إقليمية تتلخص بالتالي:
في يوم الخميس 26/3/2015 تبدأ الجولة الأخيرة المرتقبة من المفاوضات الأمريكية – الإيرانية النووية وتنتهي نهاية هذا الشهر – إن لم تمدد مرة أخرى – هذه النهاية ربما تكون باتفاق متوسط الأمد أو عدم اتفاق وتعقد المفاوضات بشكل كبير.
الأمريكان أعطوا الضوء الأخضر للتحالف الخليجي ومن معهم لضرب الحوثي وجماعته في اليمن، لصناعة ورقة ضغط جديدة على إيران في المفاوضات.
هناك تزامن استراتيجي كبير بين (جبهة تكريت في العراق وجبهة اليمن) متمثلاً هذا التزامن بسحب الإيرانيين لقاسم سليماني بتاريخ 24/3/2015 من جبهة تكريت، وبداية العمليات العسكرية للتحالف في العراق مع بداية العمليات العسكرية الخليجية في اليمن. فقد كان اتفاق تكريت (الأمريكي – الإيراني) قبل يومين اتفاقا تكتيكيا وتعبيرا من الإيرانيين عن التنازل للأمريكان في جبهة تكريت والانسحاب منها، مقابل انفراج نووي استراتيجي في المفاوضات، ليبدأ التحالف عملياته في العراق (تكريت). تقريبا الفرق ساعة أو ساعتين بين بداية عمليات التحالف الدولي في تكريت نتيجة لانسحاب سليماني قبل يومين، وبداية عمليات التحالف الخليجي في اليمن.
ظهرت إيران بصورة ضعيفة في العراق، متمثلاً هذا الضعف بعدم قدرتها على تحقيق انفراج عسكري داخل جبهة تكريت على يد القوات العراقية المدعومة عسكرياً من قبلها. فوجود الجنرال قاسم سليماني بالقرب من جبهة تكريت وانسحابه، من دون تحقيق نصر عسكري كامل، وترك الساحة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحقيق التفوق، يوضح الضعف الإيراني الكبير. جاء هذا الفشل الإيراني بالتزامن مع قيام التحالف الخليجي بضرب الحوثي وجماعته (الحليف الإيراني) داخل اليمن، للحد من نفوذه تمهيداً الى تقليص دوره بشكل كبير.
الإيرانيون ابتلعوا طعم الاتفاق التكتيكي الذي حصل في جبهة تكريت مع الأمريكان، لصالح تدخل التحالف الدولي، قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. اذ سحب الإيرانيون دعمهم من جبهة تكريت بتاريخ 24/3/2015 وبدأت عمليات التحالف الدولي على تكريت واليمن في فجر يوم 26/3/2015. كان من الأجدر استراتيجياً لمصالح الإيرانيين أن لا ينسحبوا من دعم جبهة تكريت حتى يتم الاتفاق مع الأمريكان بشكل نهائي لكنهم ابتلعوا الطعم.
الإيرانيون الآن في حالة إرباك كبير، عين على تكريت وعين على الحوثي وجماعته وعين على المفاوضات النووية.

الاحتمالات المستقبلية القريبة

من الواضح ان الوضع الحالي في اليمن سيتغير باتجاه مشاهد مستقبلية متعددة يمكن حصر احتمالاتها بالتالي:
اولاً: احتمالات التدخل الإيراني، من المستبعد ان يكون لإيران تدخل عسكري مباشر في اليمن، خلال الفترة القصيرة المقبلة، بسبب أن مثل تدخل كهذا يعني الدخول في مواجهة عسكرية إيرانية قد تتطور إلى حرب إقليمية واسعة الانتشار تشمل الخليج برمته، حتى إن امتلكت إيران القدرات الكافية على خوض هذه المواجهة، بيد أنه من الذكاء الاستراتيجي أن لا تدخل إيران في هذه المواجهة عسكرياً، وتكتفي بآليات أخرى للضغط على التحالف الخليجي ومن معه، في ساحات إستراتيجية أخرى في سوريا والعراق ولبنان والبحرين وشمال السعودية. فمن غير المرجح ان تمتد الحرب إقليميا اكثر من مساحة جغرافية اليمن، ذلك لان هذه الحرب رغم وجود مصالح متضاربة في ثنياتها، إلا أنها غير قابلة للتوسع والتصعيد إيرانيا على المدى القصير، بسبب انه ليس من مصلحة إيران ان تدخل في حرب كهذه، وهي منفتحة استراتيجياً في مكانات متعددة في الشرق الأوسط. هذا الانفتاح يحتاج لتكاليف واسعة. ليس من مصلحتها إذن ان تدخل في حرب ربما تكون لاستنزاف قوتها واقتصادها المترهل. فمن المرجح ان تعتمد إيران أساليب غير مباشرة وغير عسكرية لإدارة هذه الحالة.
ثانياً: احتمالات التدخل البري الخليجي ـ الإقليمي، ان احتمالات التدخل البري الخليجي الإقليمي تنبع أهميتها من وجود اكثر من 175 ألف مقاتل في هذا التحالف، لدول أعلنت استعدادها للدخول في حرب برية لاستعادة الشرعية المنتزعة من عبد ربه منصور. بيد أن الحديث عن هذا الاحتمال تطلب استدعاء التاريخ لنماذج عديدة، أهمها هل سيدخل الجيش الخليجي –الإقليمي في اليمن على شاكلة دخول الجيش السوري الى لبنان، إبان الحرب الأهلية 1975-1990، وهل سيكون هذا الدخول إن حدث متوسطا أم طويل الأمد، أم انه تكتيكي مؤقت؟

٭ كاتب عراقي

د.علي بشار بكر أغوان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية