إدارة الانهيار: عسكرة الدولة وفشل النظام

يمتلك أي نظامٍ حيزاً ما للحركة والمناورة يتسع أو يضيق بقدر قوته وإنجازاته وقاعدته الشعبية المتحصلة، سواءً من تلك الإنجازات أو من أي مكتسباتٍ أو أي أوهامٍ أخرى، ربما يكون قد نجح في ترويجها وإكسابها مصداقية عبر أبواقه ووسائل دعمه.
لعل أقربها حضوراً إلى ذهني أسطورة الممانعة في حالة النظام السوري؛ فمن الثابت أن الأنظمة يصعب أن تستمر بالقمع وحده، وإنما تحتاج إلى بطانةٍ أو مسوغٍ يخفف من وطأتها ويكسبها أكبر قدرٍ ممكن من «القبول العام «، ومن يدري، ربما الحماس.
لكن الأكيد أن أي نظامٍ برجالاته وتصرفاته لا يملك رفاهية أن يصبح مثار السخرية والتندر، مهزأةً، في نظر شعبه، وهو ما أرى النظام المصري الحالي يبذل فيه كل الجهد مبدداً حيز المناورة الذي يملكه، وقبل ذلك ممزقاً أي أوهامٍ عن طابعه وانحيازاته الأساسية النيوليبرالية.
فالشاهد أن نبرة الحماس للنظام تخفت، كما انفض الكثيرون عن المشاركة في الجدل العام إحباطاً وامتعاضاً، بينما تنصب أغلب التعليقات على الغمز واللمز لانعدام الكفاءة في الأداء والمواقف المحرجة، والأخطر من ذلك لعسكرة شتى مناحي الحياة، وبالأخص الاقتصادية منها وما بات يتبدى من نهمٍ، بل سعار، للاستحواذ على كل ما يمكن من مصادر الثروة بدعاوى مهلهلة لا تقنع طفلاً هي تحسين الأداء ومحاربة الفساد.
والأدلة والشواهد على ذلك كثيرة، لعل أقربها الموقف الغريب الذي سأل فيه أحد حرس السيسي جون كيري إذا ما كان يحمل معه هاتفاً بآلة تصوير، وما أثير من لغطٍ على استيراد الجيش للبن الأطفال وتعيين وزير تموين من خلفيةٍ عسكرية واستئثارهم بأغلب التعيينات في حركة المحافظين.
في مقالٍ سابق، إبان انتخابات مجلس الشعب المخابراتي وقلة نسب المشاركة في التصويت اعتبرت ذلك بدايةً لمرحلة اللعب على المكشوف، وما من يومٍ يمر إلا وتتأكد لدي هذه القناعة. في مرحلةٍ ما، في البداية التي أعقبت الإطاحة بالإخوان، تلاقت رغبة الناس في الاستقرار وشوقهم إلى النجاح والشعور بأنهم ناجحون، وأن بلدهم يساوي الكثير ويمتلك الكفاءات بإبداء الجيش استعداده لملء الفراغ وما تظاهر به من النزول عند رغبات الجماهير والانتصار لحقهم في التظاهر، بل وحمايتهم من عسفٍ كائنٍ أو محتمل لـ«فيالق» الإخوان.
بالطبع تم التغاضي عن الخوض في العلاقة المركبة بين طرفي ذلك الصراع، كما لم تطرح الأسئلة المفروضة عن تلك الأزمات المفتعلة كالوقود والكهرباء، التي لا يمكن أن يكون وراءها سوى الأجهزة الأمنية كونها ملفاتٍ أمنية وسيادية بامتياز، وعوضاً عن ذلك تم خلق أسطورة المخلص التي بلغت أوجها عشية انتخاب السيسي والتركيز على تفادي مصير كلٍ من العراق وسوريا بغض النظر عن أوجه الاختلاف الشاسعة بين مصر وتلك النماذج، وربما بلغت تلك الأقصوصة أوجها مع الافتتاح الاستعراضي لتفريعة القناة الجديدة، إلا أن الخط البياني لشعبية النظام في نزول، الأمر الذي يدل عليه فتور التهليل وتباعده ما حدا بصحافيٍ لم يكن بعيداً تماماً عن النظام بتشبيه ذلك بالهرب من سفينة التايتانيك الشهير، أي من مركبٍ صار هناك إجماع على غرقه الأكيد الوشيك، فما من يومٍ يمر إلا ويتأكد مفهوم اللاجدوى في مشاريع وتحركات الدولة والنظام، محاكياً ما ثبت من لاجدوى التفريعة الجديدة الاقتصادية.
بالطبع هناك محطات عديدة يصعب حصرها نذكر منها على صعيد المجال العام والممارسة السياسية، غياب الحريات والقوانين القراقوشية في التظاهر والاعتقالات والاختفاءات القسرية والإهمال وغياب الرعاية الصحية للمسجونين، ناهيك عن التعذيب، بالإضافة إلى الإرهاب الذي مايزال يضرب بين الفينة والفينة، رغم تأكيدات بالسيطرة لا نرى أدلة عليها، وانهيار قيمة العملة والتضخم وتدهور مستويات المعيشة، وأخيراً وربما الأهم التفريط في أرض مصرية هي تيران وصنافير بالبيع.
كل ذلك يراقبه الناس ويعيشونه ويعانون منه، بيد أن ما يزيد الطين بلة ويفاقم من أثر ذلك الفشل في الأداء، هو الافتقار لأي رؤية مقنعة أو خطابٍ رسمي يوحي بالتماسك والفهم والدراية، فكلما تكلم مسؤول أو صدر تصريح عن قيادي ثبت أكثر عمق الجهل وفداحة الضحالة التي يعانون منها. السيسي نفسه، لسببٍ ما، واظب على الحديث في كل محفلٍ وكل مناسبة، كما لو كان يحافظ على صلاة الفرض، وفي كل مرةٍ يدهشنا بتلعثمه وبؤس ثقافته الذي يغطيه بمحاولةٍ رديئة لدغدغة مشاعر البسطاء، بينما مجمل سياساته معادٍ لهم.
أما على الصعيد الاقتصادي، فنرى الجيش يتعامل مع النشاط الاقتصادي في مصر كغنيمة حرب يقسمها على فروعه وقياداته بخشونة ورعونة، بدون أي محاولةٍ للاستتار، وربما وجد ذلك المنظور «المشموم» للأمور أفصح تعبير عنه حين صرح قيادي كبير بأن مشروعات الجيش هو حصيلة عرقه، بما فيه من مزجٍ منسجمٍ بين التفاهة والجشع. نحن ببساطة أمام حالةٍ من السعار لقياداتٍ لم تصل في سلم التعليم لمرحلة فهم دور الجيش في الدول الحديثة وفق الخطاب الرسمي (في حقيقة الأمر لقد عبر بتصريحه عن طبيعة الجيش الحقيقية في بلداننا، إلا أن لذلك شأناً آخر ليس هنا مجاله)، ناهيك بالطبع عن إغفال السمة الأساسية لذلك «العرق» كونه حصيلة كد مجندين يعملون بالسخرة في ظروفٍ غير آدمية.
وقد يحلو للبعض مقارنة العسكرة الآن بعسكرة المجتمع من قبل الراحل عبد الناصر عقب 23 يوليو، والقياس هنا بادي الخلل، إذ أن يوليو بغض النظر عن رأينا فيه كان حركة جيشٍ في الأساس وعصف من الناحية الفعلية بالطبقات الحاكمة، بينما دولة السيسي هي ردةٌ على ثورة شعبية وتحاول الحفاظ على مكاسب وانحيازاتٍ على حساب من قاموا بالثورة، بل معاقبتهم والتنكيل بهم، ناهيك عن فوارق عديدة بين ضباط المرحلتين من حيث التكوين والخلفية الاجتماعية والسياسية الخ.
أعلم أنها أعيت من يداويها، إلا أن حماقة أداء النظام في مصر وذلك القدر المذهل من عدم الاكتراث ما برحا يدهشانني تماماً، لم أكن يوماً من أنصاره، إلا أنني لست أراه في حاجةٍ إلى من يتصيد أخطاءه أو يهاجمه، فهو كفيلٌ بنفسه.
أنا أرى المشهد أمامي قلبه العنف والجهل المندفع المسعور، وكل يومٍ يمر يزداد عري هذا النظام وضوحاً وقبحاً ويضحي الدفاع عنه من قبل منتفعيه أصعب.هو يدير الانهيار محاولاً كسب أكثر ما يمكن في الوقت الضائع. في النهاية، وهي قريبة، لن يتبقى سوى العنف والفشل وشعبٍ سرقت ثورته.

*كاتب مصري

إدارة الانهيار: عسكرة الدولة وفشل النظام

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية